تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا}، وهو السمك ما أصيد، أو ألقاه الماء وهو حي، {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها}، يعني: اللؤلؤ، {وترى الفلك}، يعني: السفن، {مواخر فيه}، يعني: في البحر مقبلة ومدبرة بريح واحد، {ولتبتغوا من فضله}، يعني: سخر لكم الفلك لتبتغوا من فضله، {ولعلكم تشكرون} ربكم في نعمه عز وجل.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: والذي فعل هذه الأفعال بكم وأنعم عليكم أيها الناس هذه النعم، الذي سخر لكم البحر... "لتَأْكُلُوا منْهُ لَحْما طرِيّا "وهو السمك الذي يصطاد منه. "وتَسْتَخْرِجُوا منْهُ حلْيَةً تَلْبَسُونَها" وهو اللؤلؤ والمرجان... "وَتَرَى الفُلْكَ" يعني السفن، "مَوَاخرَ فِيهِ" وهي جمع ماخرة.
وقد اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: "مَوَاخرَ"؛
فقال بعضهم: المواخر: المواقر...
وقال آخرون... ما أخذ عن يمين السفينة وعن يسارها من الماء، فهو المواخر... [مواخر]:...هي السفينة تقول بالماء هكذا، يعني تشقه. [قول عكرمة]
وقال آخرون:.. عن أبي صالح: "وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ" قال: تجري فيه متعرضّة.
وقال آخرون... عن مجاهد: "وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ" قال: تمخر السفينة الرياح، ولا تمخر الريحَ من السفن إلا الفلك العظامُ...
وقال آخرون:... عن قتادة: "وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخرَ فِيهِ" تجري بريح واحدة، مُقبلة ومُدبرة...
والمخْر في كلام العرب: صوت هبوب الريح إذا اشتدّ هبوبها، وهو في هذا الموضع: صوت جري السفينة بالريح إذا عصفت وشقها الماء حينئذ بصدرها، يقال منه: مخرت السفينة تمخر مخرا ومخورا، وهي ماخرة، ويقال: امتخرت الريح وتمخرتها: إذا نظرتَ من أين هبوبها وتسمّعت صوت هبوبها...
وقوله: "وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ" يقول تعالى ذكره: ولتتصرّفوا في طلب معايشكم بالتجارة سخر لكم...
وقوله: "وَلَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ" يقول: ولتشكروا ربكم على ما أنعم به عليكم من ذلك سخر لكم ما سخر من هذه الأشياء التي عدّدها في هذه الآيات.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{هو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحما طريا} وتسخيره إياه لنا هو ما بذل للخلق ما فيه من أنواع الأموال التي خلق الله فيه من الحلي والجوهر واللؤلؤ، وبذل ما فيه من الدواب والسمك وغيره. فلولا تسخير الله إياه للخلق وتعليمه إياهم الحيل التي بها يوصل إلى ما فيه من الأموال النفيسة، وإلا ما قدروا على استخراج ما فيه و الوصول إليه لشدة أهواله وإفزاعه.
{لتأكلوا منه لحما طريا} يحتمل السمك خاصة، ويحتمل السمك وما فيه من الدواب، من نوع ما لو كان بريا أكل من نحو الجواميس وغيرها.
{وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} تحتمل الحلية اللؤلؤ والمرجان الذي ذكر في آية أخرى حين قال: {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان} (الرحمن: 22). ثم يحتمل قوله: {حلية} أي ما يتخذ منه حلية. وهذا جائز أن يسمى الشيء باسم ما يتخذ منه، وباسم ما يصير به في المتعقب، أو يسمى حلية لأنه زينة. ولا شك أن اللؤلؤ والمرجان هما زينة وجمال، وفي الخيل والبغال كذلك. فالزينة في اللؤلؤ والمرجان أكثر، والجمال فيه أظهر.
ووجه تسخيره إياه لنا الحيل والأسباب التي علمنا حتى نصل إلى ما فيه. فكأنه قال: سخرت لكم البحر من أسفله إلى أعلاه. وفي ذلك دلالات:
أحدها: إباحة التجارة بركوب الأخطار لأن الغائص في البحر يخاطر بنفسه وروحه. وكذلك راكب السفن. فلو لا أنه مباح له طلب ذلك، وإلا ما ذكر هذا في منته؛ إذ هو يخرج مخرج ذكر الامتنان، والله أعلم.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
" ولتبتغوا من فضله"... والواو دخلت ليعلم أن الله خلق ذلك وأراد جميع ذلك وقصده.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{لَحْمًا طَرِيّا}... ووصفه بالطراوة؛ لأنّ الفساد يسرع إليه، فيسارع إلى أكله خيفة للفساد عليه..
{حِلْيَةً}... والمراد بلبسهم: لبس نسائهم، لأنهنّ من جملتهم، ولأنهنّ إنما يتزينّ بها من أجلهم، فكأنها زينتهم ولباسهم.
اعلم أنه تعالى لما احتج على إثبات الإله في المرتبة الأولى بأجرام السموات، وفي المرتبة الثانية ببدن الإنسان ونفسه، وفي المرتبة الثالثة بعجائب خلقة الحيوانات، وفي المرتبة الرابعة بعجائب طبائع النبات ذكر في المرتبة الخامسة الاستدلال على وجود الصانع بعجائب أحوال العناصر فبدأ منها بالاستدلال بعنصر الماء. واعلم أن منافع البحار كثيرة، والله تعالى ذكر منها في هذه الآية ثلاثة أنواع:
المنفعة الأولى: قوله تعالى: {لتأكلوا منه لحما طريا}... في ذكر الطري مزيد فائدة، وذلك لأنه لو كان السمك كله مالحا، لما عرف به من قدرة الله تعالى ما يعرف بالطري فإنه لما خرج من البحر الملح الزعاق الحيوان الذي لحمه في غاية العذوبة، علم أنه إنما حدث لا بحسب الطبيعة، بل بقدرة الله وحكمته حيث أظهر الضد من الضد...
المنفعة الثانية: من منافع البحر قوله تعالى: {وتستخرجوا منه حلية تلبسونها} والمراد بالحلية اللؤلؤ والمرجان...
المنفعة الثالثة: قوله تعالى: {وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله} قال أهل اللغة: مخر السفينة شقها الماء بصدرها، وعن الفراء: أنه صوت جري الفلك بالرياح.
إذا عرفت هذا فقول ابن عباس: {مواخر} أي جواري، إنما حسن التفسير به، لأنها لا تشق الماء إلا إذا كانت جارية.
وقوله تعالى: {ولتبتغوا من فضله} يعني لتركبوه للتجارة فتطلبوا الربح من فضل الله، وإذا وجدتم فضل الله تعالى وإحسانه فلعلكم تقدمون على شكره، والله أعلم.
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم لأبي السعود 982 هـ :
..."وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ" أي تعرِفون حقوقَ نعمِه الجليلةِ فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد، ولعل تخصيصَ هذه النعمةِ بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلةٍ في مدة قليلة من غير مزاولةِ أسبابِ السفر، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالكِ وعدمُ توسيط الفوزِ بالمطلوب بين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير للشوكاني 1250 هـ :
... ولا حاجة لما تكلفه جماعة من المفسرين في تأويل قوله: {تَلْبَسُونَهَا} بقوله تلبسه نساؤهم، لأنهنّ من جملتهم، أو لكونهنّ يلبسنها لأجلهم، وليس في الشريعة المطهرة ما يقتضي منع الرجال من التحلي باللؤلؤ والمرجان ما لم يستعمله على صفة لا يستعمله عليها إلاّ النساء خاصة، فإن ذلك ممنوع من جهة كونه تشبهاً بهنّ، وقد ورد الشرع بمعنه لا من جهة كونه حلية لؤلؤ أو مرجان.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
والتعبير كذلك عن الفلك يشي بتلبية حاسة الجمال لا بمجرد الركوب والانتقال: (وترى الفلك مواخر فيه) فهي لفتة إلى متاع الرؤية وروعتها: رؤية الفلك (مواخر) تشق الماء وتفرق العباب.. ومرة أخرى نجد أنفسنا أمام التوجيه القرآني العالي إلي الجمال في مظاهر الكون، بجانب الضرورة والحاجة، لنتملى هذا الجمال ونستمتع به، ولا نحبس أنفسنا داخل حدود الضرورات والحاجات.
والتسخير كما علمنا من قبل هو إيجاد الكائن لمهمة لا يستطيع الكائن أن يتخلف عنها، ولا اختيار له في أن يؤديها أو لا يؤديها...
وهنا يقول سبحانه: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طرياً} (سورة النحل) واللحم إذا أطلق يكون المقصود به اللحم المأخوذ من الأنعام، أما إذا قيد ب "لحم طري "فالمقصود هو السمك، وهذه مسألة من إعجازية التعبير القرآني؛ لأن السمك الصالح للأكل يكون طرياً دائماً.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
نعمة الجبال والبحار والنجوم: تبيّن هذه الآيات قسماً آخر من النعم الإِلهية غير المحدودة التي تفضل بها اللّه عزَّ وجلّ على الإِنسان، فيبدأ القرآن الكريم بذكر البحار، المنبع الحيوي للحياة، فيقول: (وهو الذي سخر البحر)...
وممّا يكشف عن عظم نعمة البحار أنّها: أوسع بكثير من الطرق البرية، أقلّ كلفة، أكثر أهليةً للحركة، أعظم وسيلة نقلية للبشر، وذلك بملاحظة كبر السفن المستخدمة في النقل وضخامة ما تحمله.
الأولى : قوله تعالى : " وهو الذي سخر البحر " تسخير البحر هو تمكين البشر من التصرف فيه وتذليله بالركوب والإرفاء وغيره ، وهذه نعمة من نعم الله علينا ، فلو شاء سلطه علينا وأغرقنا . وقد مضى الكلام في البحر{[9823]} وفي صيده . وسماه هنا لحما واللحوم عند مالك ثلاثة أجناس : فلحم ذوات الأربع جنس ، ولحم ذوات الريش جنس ، ولحم ذوات الماء جنس . فلا يجوز بيع الجنس من جنسه متفاضلا ، ويجوز بيع لحم البقر والوحش بلحم الطير والسمك متفاضلا ، وكذلك لحم الطير بلحم البقر والوحش والسمك يجوز متفاضلا . وقال أبو حنيفة : اللحم كلها أصناف مختلفة كأصولها ، فلحم البقر صنف ، ولحم الغنم صنف ، ولحم الإبل صنف ، وكذلك الوحش مختلف ، كذلك الطير ، وكذلك السمك ، وهو جحد قولي الشافعي . والقول الآخر أن الكل من النعم والصيد والطير والسمك جنس واحد لا يجوز التفاضل فيه . والقول الأول هو المشهور من مذهبه عند أصحابه . ودليلنا هو أن الله تعالى فرق بين أسماء الأنعام في حياتها فقال : " ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين{[9824]} " [ الأنعام : 143 ] ثم قال : " ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين " فلما أن أم بالجميع{[9825]} إلى اللحم قال : " أحلت لكم بهيمة الأنعام " [ المائدة : 1 ] فجمعها بلحم واحد لتقارب منافعها كتقارب لحم الضأن والمعز . وقال في موضع آخر : " ولحم طير مما يشتهون{[9826]} " [ الواقعة : 21 ] وهذا جمع طائر الذي هو الواحد ، لقوله تعالى : " ولا طائر يطير بجناحيه{[9827]} " [ الأنعام : 38 ] فجمع لحم الطير كله باسم واحد . وقال هنا : " لحما طريا " فجمع أصناف السمك بذكر واحد ، فكان صغاره ككباره في الجمع بينهما . وقد روي عن ابن عمر أنه سئل عن لحم المعز بلحم الكباش أشيء واحد ؟ فقال لا ، ولا مخالف له فصار كالإجماع ، والله أعلم . ولا حجة للمخالف في نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام إلا مثلا بمثل ، فإن الطعام في الإطلاق يتناول الحنطة وغيرها من المأكولات ولا يتناول اللحم ، ألا ترى أن القائل إذا قال : أكلت اليوم طعاما لم يسبق الفهم منه إلى أكل اللحم ، وأيضا فإنه معارض بقوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ) وهذان جنسان ، وأيضا فقد اتفقنا على جواز بيع اللحم بلحم{[9828]} الطير متفاضلا لا لعلة أنه بيع طعام لا زكاة له بيع بلحم ليس فيه الزكاة ، وكذلك بيع السمك بلحم الطير متفاضلا . الثانية : وأما الجراد فالمشهور عندنا جواز بيع بعضه ببعض متفاضلا . وذكر عن سحنون أنه يمنع من ذلك ، وإليه مال بعض المتأخرين ورآه مما يدخر .
الثالثة : اختلف العلماء فيمن حلف ألا يأكل لحما ، فقال ابن القاسم : يحنث بكل نوع من هذه الأنواع الأربعة . وقال أشهب في المجموعة . لا يحنث إلا بكل لحوم الأنعام دون الوحش وغيره ، مراعاة للعرف والعادة ، وتقديما لها على إطلاق اللفظ اللغوي ، وهو أحسن{[9829]} .
الرابعة : قوله تعالى : " وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " يعني به اللؤلؤ والمرجان ؛ لقوله تعالى : " يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان{[9830]} " [ الرحمن : 22 ] . وإخراج الحلية إنما هي فيما عرف من الملح فقط . وقال : إن في الزمرد بحريا . وقد خطئ الهذلي في قوله في وصف الدرّة :
فجاء بها من دُرَّ ةٍ لَطَمِيَّةٍ *** على وجهها ماء الفرات يَدوم{[9831]}
فجعلها من الماء الحلو . فالحلية حق وهي نحلة الله تعالى لآدم وولده . خلق آدم وتوج وكلل بإكليل الجنة ، وختم بالخاتم الذي ورثه عنه سليمان بن داود صلوات الله عليهم ، وكان يقال له خاتم العز فيما روي .
الخامسة : امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر ، فلا يحرم عليهم شيء منه ، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير . روى الصحيح عن عمر بن الخطاب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ) . وسيأتي في سورة " الحج " الكلام فيه إن شاء الله{[9832]} . وروى البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ذهب ، وجعل فصه مما يلي باطن كفه ، ونقش فيه محمد رسول الله ، فاتخذ الناس مثله ، فلما رآهم قد اتخذوها رمى به وقال : ( لا ألبسه أبدا ) ثم اتخذ خاتما من فضة فاتخذ الناس خواتيم الفضة . قال ابن عمر : فلبس الخاتم بعد النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ، حتى وقع من عثمان في بئر أريس{[9833]} . قال أبو داود : لم يختلف الناس على عثمان حتى سقط الخاتم من يده . وأجمع العلماء على جواز التختم بالورق على الجملة للرجال . قال الخطابي . وكره للنساء التختم بالفضة ؛ لأنه من زي الرجال ، فإن لم يجدن ذهبا فليصفرنه بزعفران أو بشبهه . وجمهور العلماء من السلف والخلف على تحريم اتخاذ الرجال خاتم الذهب ، إلا ما روي عن أبي بكر بن عبد الرحمن وخباب ، وهو خلاف شاذ ، وكل منهما لم يبلغهما النهي والنسخ . والله أعلم . وأما ما رواه أنس بن مالك أنه رأى في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتما من ورق يوما واحدا ، ثم إن الناس اصطنعوا الخواتم ، من ورق ولبسوها ، فطرح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتمه فطرح الناس خواتيمهم - أخرجه الصحيحان واللفظ للبخاري - فهو عند العلماء وهم من ابن شهاب ؛ لأن الذي نبذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو خاتم الذهب . رواه عبد العزيز بن صهيب وقتادة عن أنس ، وهو خلاف ما روى ابن شهاب عن أنس فوجب القضاء بالجملة على الواحد إذا خالفها ، مع ما يشهد للجماعة من حديث ابن عمر .
السادسة : إذا ثبت جواز التختم للرجال بخاتم الفضة والتحلي به ، فقد كره ابن سيرين وغيره من العلماء نقشه وأن يكون فيه ذكر الله . وأجاز نقشه جماعة من العلماء . ثم إذا نقش عليه اسم الله أو كلمة حكمة أو كلمات من القرآن وجعله في شماله ، فهل يدخل به الخلاء ويستنجي بشماله ؟ خففه سعيد بن المسيب ومالك . قيل لمالك : إن كان في الخاتم ذكر الله ويلبسه في الشمال أيستنجى به ؟ قال : أرجو أن يكون خفيفا . وروي عنه الكراهة وهو الأولى . وعلى المنع من ذلك أكثر أصحابه . وقد روى همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه . قال أبو داود : هذا حديث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد ابن سعد عن الزهري عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه . قال أبو داود : لم يحدث بهذا إلا همام .
السابعة : روى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة ونقش فيه " محمد رسول الله " وقال : ( إني اتخذت خاتما من ورق ونقشت فيه محمد رسول الله فلا ينقشن أحد على نقشه ) . قال علماؤنا : فهذا دليل على جواز نقش اسم صاحب الخاتم على خاتمه . قال مالك : ومن شأن الخلفاء والقضاة نقش أسمائهم على خواتيمهم ، ونهيه عليه السلام : لا ينقشن أحد على نقش خاتمه ، من أجل أن ذلك اسمه وصفته برسالة الله له إلى خلقه . وروى أهل الشام أنه لا يجوز الخاتم لغير ذي سلطان . وروى في ذلك حديثا عن أبي ريحانة ، وهو حديث لا حجة فيه لضعفه . وقوله عليه السلام : ( لا ينقشن أحد على نقشه ) يرده ويدل على جواز اتخاذ الخاتم لجميع الناس ، إذا لم ينقش على نقش خاتمه . وكان نقش خاتم الزهري " محمد يسأل الله العافية " . وكان نقش خاتم مالك " حسبي الله ونعم الوكيل " . وذكر الترمذي الحكيم في " نوادر الأصول " أن نقش خاتم موسى عليه السلام " لكل أجل كتاب " [ الرعد : 38 ] وقد مضى في الرعد{[9834]} . وبلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم فكتب إليه : إنه بلغني أنك اشتريت خاتما بألف درهم ، فبعه وأطعم منه ألف جائع ، واشتر خاتما من حديد بدرهم ، واكتب عليه " رحم الله امرأ عرف قدر نفسه " .
الثامنة : من حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا لم يحنث ، وبه قال أبو حنيفة . قال ابن خويز منداد : لأن هذا وإن كان الاسم اللغوي يتناوله فلم يقصده باليمين ، والأيمان تخص بالعرف ، ألا ترى أنه لو حلف ألا ينام على فراش فنام على الأرض لم يحنث ، وكذلك لا يستضيء بسراج فجلس في الشمس لا يحنث ، وإن كان الله تعالى قد سمى الأرض فراشا والشمس سراجا . وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : من حلف ألا يلبس حليا ولبس اللؤلؤ فإنه يحنث ؛ لقوله تعالى : " وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " والذي يخرج منه : اللؤلؤ والمرجان .
التاسعة : قوله تعالى : " وترى الفلك مواخر فيه " قد تقدم ذكر الفلك وركوب البحر في البقرة{[9835]} وغيرها . وقوله : " مواخر " قال ابن عباس : جواري ، من جرت تجري . سعيد بن جبير : معترضة . الحسن : مواقر . قتادة والضحاك : أي تذهب وتجيء ، مقبلة ومدبرة بريح واحدة . وقيل : " مواخر " ملججة في داخل البحر ، وأصل المخر شق الماء عن يمين وشمال . مخرت السفينة تمخر وتمخر مخرا ومخورا إذا جرت تشق الماء مع صوت ، ومنه قوله تعالى : " وترى الفلك مواخر فيه " يعني جواري . وقال الجوهري : ومخر السابح إذا شق الماء بصدره ، ومخر الأرض شقها للزراعة ، ومخرها بالماء إذا حبس الماء فيها حتى تصير أريضة ، أي خليقة بجودة نبات الزرع . وقال الطبري : المخر في اللغة صوت هبوب الريح ، ولم يقيد كونه في ماء ، وقال : إن من ذلك قول واصل مولى أبي عيينة : إذا أراد أحدكم البول فليتمخر الريح ، أي لينظر في صوتها في الأجسام من أين تهب ، فيتجنب استقبالها لئلا ترد عليه بوله . " ولتبتغوا من فضله " أي ولتركبوه للتجارة وطلب الربح . " ولعلكم تشكرون " تقدم