الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا} (79)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم قال الخضر لموسى، عليهما السلام: {أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها}، يعني: أن أخرقها،

{وكان ورائهم ملك}، يعني: أمامهم، كقوله سبحانه: {ويذرون وراءهم يوما ثقيلا}، [الإنسان:27]...

{يأخذ كل سفينة} صالحة صحيحة سوية،

{غصبا}... يعنى غصبا من أهلها، يقول: فعلت ذلك؛ لئلا ينتزعها من أهلها ظلما، وهم لا يضرهم خرقها.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول: أما فعلي ما فعلت بالسفينة، فلأنها كانت لقوم مساكين "يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا "بالخرق الذي خرقتها...

وقوله: "وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ" وكان أمامهم وقُدّامهم ملك...

عن قتادة، قال: كان في القراءة: وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا. وقد ذُكر عن ابن عُيينة، عن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قرأ ذلك: وكان أمامهم ملك...

وقد جعل بعض أهل المعرفة بكلام العرب "وراء" من حروف الأضداد، وزعم أنه يكون لما هو أمامه ولما خلفه...

وقوله: "يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا" فيقول القائل: فما أغنى خَرْق هذا العالم السفينة التي ركبها عن أهلها، إذ كان من أجل خرقها يأخذ السفن كلها، مَعِيبها وغير معيبها، وما كان وجه اعتلاله في خرقها بأنه خرقها، لأن وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا؟ قيل: إن معنى ذلك، أنه يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، ويدع منها كلّ معيبة، لا أنه كان يأخذ صحاحها وغير صحاحها. فإن قال: وما الدليل على أن ذلك كذلك؟ قيل: قوله: "فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا" فأبان بذلك أنه إنما عابها لأن المعيبة منها لا يعرض لها، فاكتفى بذلك من أن يقال: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا، على أن ذلك في بعض القراءات كذلك...

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير 456 هـ :

ذَهب ابن حزم – رحمه الله – إلى أن المِسْكين هو الذي لا يجد غنى يُغْنِيه، وأما الفقير فهو الذي لا يجد شيئاً أصلاً، فالمسكين أَيْسَرُ حالاً من الفقير. قال ابن حزم: الفقراء: هم الذين لا شيءَ لهم أصلاً، والمساكين: هم الذين لهم شيءٌ لا يَقومُ بهم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

لَمّا فارَقَ الخضرُ موسى عليه السلام لم يُرِدْ أَنْ يبقى في قلب موسى شِبْهُ اعتراضٍ؛ فأَزَالَ عن قلبه ذلك بما أَوْضَحَ له من الحال، وكَشَفَ له أنَّ السِّرَّ في قصْده من خَرْقِ السفينة سلامتُها وبقاؤُها لأهلها حيث لن يَطمعَ فيها المَلِكُ الغاصبُ، فبَقَاءُ السفينةِ لأهلها- وهي مَعِيبةٌ -كان خيراً لهم من سلامتها وهي مَغْصوبةٌ...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلتَ: قوله: {فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا} مُسَبَّبٌ عن خوفِ الغَصْبِ عليها فكان حقُّه أن يَتأخَّر عن السبب، فلِمَ قُدِّمَ عليه؟ قلتُ: النِّيَّةُ به التأخيرُ، وإنما قُدِّم للعِناية، ولأن خوفَ الغصْبِ ليس هو السبب وحده، ولكنْ مع كونِها للمساكين...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

فَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ، وَفَرَّ من ذَلِكَ قَوْمٌ حَتَّى قَرَءُوهَا لِمَسَّاكِينَ -بِتَشْدِيدِ السِّينِ- من الِاسْتِمْسَاكِ، وَهَذَا لَا حَاجَةَ إلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ إنَّمَا نَسَبَهُمْ إلَى الْمَسْكَنَةِ لِأَجْلِ ضَعْفِ الْقُوَّةِ، بَلْ عَدَمِهَا فِي الْبَحْرِ، وَافْتِقَارِ الْعَبْدِ إلَى الْمَوْلَى كَسْبًا وَخَلْقًا. وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ يَقِينًا أَنَّ الْحَوْلَ وَالْقُوَّةَ لِلَّهِ فَلْيَرْكَبْ الْبَحْرَ...

جهود القرافي في التفسير 684 هـ :

المُرادُ بالمساكين: المَقْهورون... معنى الآية: لا طاقةَ لهم بدَفْع المَلِك عن غَصْب سفينتِهم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{أما السفينة} التي أحسن إلينا أهلها فخرقتها {فكانت لمساكين} وهو دليل للشافعي على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين، لأن هؤلاء يملكون سفينة {يعملون في البحر} ليستعينوا بذلك على معاشهم.

ولما كان التعييب من فعله، أسنده إليه خاصة، تأدباً مع الله تعالى فقال: {فأردت أن أعيبها} فإن تفويت منفعتها بذلك ساعة من نهار وتكليف أهلها لوحاً يسدونها به أخف ضرراً من تفويتهم منفعتها أخذاً ورأساً بأخذ الملك لها، ولم أرد إغراق أهلها كما هو المتبادر إلى الفهم؛ ثم عطف على ذلك علة فعله فقال: {وكان وراءهم} أي أمامهم، ولعله عبر بلفظ (وراء) كناية عن الإحاطة بنفوذ الأمر في كل وجهة وارتهم و واروها، وفسره الحرالي في سورة البقرة بأنه وراءهم في غيبته عن علمهم وإن كان أمامهم في وجهتهم، لأنه فسر الوراء بما لا يناله الحس ولا العلم حيثما كان من المكان، قال: فربما اجتمع أن يكون الشيء، وراء من حيث إنه لا يعلم، ويكون أماماً في المكان. {ملك يأخذ} في ذلك الوقت {كل سفينة} ليس فيها عيب {غصباً} من أصحابها ولم يكن عند أصحابها علم به. ولما كان كل من الغصب والمسكنة سبباً لفعله، قدمها على الغصب، إشارة إلى أن أقوى السببين الحاملين على فعله الرأفة بالمساكين.

السراج المنير في تفسير القرآن الكريم للشربيني 977 هـ :

لَمّا... كان كلٌّ من الغصْب والمَسْكَنةِ سببَ الفعل قَدَّمَها على الغصْب إشارةً إلى أن أقوى السببيْن الحامليْن على فِعله الرَّأفةُ بالمساكين...

.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

وبدأت الإجابات على علامات الاستفهام التي ارتسمت في ذهن النبي موسى عليه السلام، ومضى العبد الصالح العالم يفسر أفعاله...فما فعلته لم يكن عدواناً على الراكبين فيها والعاملين عليها، بل صيانةً لحقوق أصحابها، مع ملاحظة أن الثغرة لم تعرّضها للخطر، ولم تغرق الراكبين فيها، ولهذا نزلنا منها، كما نزل الآخرون على خير وسلامة، فأيّة مشكلةٍ في هذا قد تنافي العقل والعدل والشريعة؟

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا} (79)

قوله تعالى : " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " استدل بهذا من قال : إن المسكين أحسن حالا من الفقير ، وقد مضى هذا المعنى مستوفى من سورة " براءة " {[10674]} . وقد وقيل : إنهم كانوا تجارا ولكن من حيث هم مسافرون عن قلة في لجة بحر ، وبحال ضعف عن مدافعة خطب عَبَّرَ عنهم بمساكين ، إذ هم في حالة يشفق عليهم بسببها ، وهذا كما تقول لرجل غني وقع في وهلة أو خطب : مسكين . وقال كعب وغيره : كانت لعشرة إخوة من المساكين ورثوها من أبيهم خمسة زمنى ، وخمسة يعملون في البحر . وقيل : كانوا سبعة لكل واحد منهم زمانة ليست بالآخر . وقد ذكر النقاش أسماءهم ، فأما العمال منهم فأحدهم كان مجذوما ، والثاني أعور ، والثالث أعرج ، والرابع آدر ، والخامس محموما لا تنقطع عنه الحمى الدهر كله وهو أصغرهم ، والخمسة الذين لا يطيقون العمل : أعمى وأصم وأخرس ومقعد ومجنون ، وكان البحر الذي يعملون فيه ما بين فارس والروم ، ذكره الثعلبي . وقرأت فرقة : " لمسَّاكين " بتشديد السين ، واختلف في ذلك فقيل : هم ملاحو السفينة ، وذلك أن المساك هو الذي يمسك رجل السفينة ، وكل الخدمة تصلح لإمساكه فسمي الجميع مسَّاكين . وقالت فرقة : أراد بالمسَّاكين دبغة المسوك وهي الجلود واحدها مَسْك والأظهر قراءة " مساكين " بالتخفيف جمع مسكين ، وأن معناها : إن السفينة لقوم ضعفاء ينبغي أن يشفق عليهم والله أعلم .

قوله تعالى : " فأردت أن أعيبها " أي أجعلها ذات عيب ، يقال : عبت الشيء فعاب إذا صار ذا عيب ، فهو معيب وعائب . " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " قرأ ابن عباس وابن جبير ( صحيحة ) وقرأ أيضا ابن عباس وعثمان بن عفان ( صالحة ) و( وراء ) أصلها بمعنى خلف ، فقال بعض المفسرين : إنه كان خلفه وكان رجوعهم عليه . الأكثر على أن معنى ( وراء ) هنا أمام ، يعضده قراءة ابن عباس وابن جبير " وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا " . قال ابن عطية : " وراءهم " هو عندي على بابه ، وذلك أن هذه الألفاظ إنما تجيء مراعى بها الزمان ، وذلك أن الحدث{[10675]} المقدم الموجود هو الأمام ، والذي يأتي بعده هو الوراء وهو ما خلف ، وذلك بخلاف ما يظهر بادي الرأي ، وتأمل هذه الألفاظ في مواضعها حيث وردت تجدها تطرد ، فهذه الآية معناها : إن هؤلاء وعملهم وسعيهم يأتي بعده في الزمان غصب هذا الملك ، ومن قرأ " أمامهم " أراد في المكان ، أي كأنهم يسيرون إلى بلد ، وقوله عليه الصلاة والسلام : ( الصلاة أمامك{[10676]} ) يريد في المكان ، وإلا فكونهم في ذلك الوقت كان أمام الصلاة في الزمان ، وتأمل هذه المقالة فإنها مريحة من شغب هذه الألفاظ ، ووقع لقتادة في كتاب الطبري " وكان وراءهم ملك " قال قتادة : أمامهم ألا تراه يقول : من " ورائهم جهنم{[10677]} " وهي بين أيديهم ، وهذا القول غير مستقيم ، وهذه هي العجمة التي كان الحسن بن أبي الحسن يضج منها ، قاله الزجاج .

قلت : وما اختاره هذا الإمام قد سبقه إليه في ذلك ابن عرفة ، قال الهروي قال ابن عرفة : يقول القائل كيف قال " من ورائه " وهي أمامه ؟ فزعم أبو عبيد وأبو علي قُطرُب أن هذا من الأضداد ، وأن وراء في معنى قدام ، وهذا غير محصل ؛ لأن أمام ضد وراء ، وإنما يصلح هذا في الأوقات ، كقولك للرجل إذا وعد وعدا في رجب لرمضان ثم قال : ومن ورائك شعبان لجاز وإن كان أمامه ، لأنه يخلفه إلى وقت وعده ، وأشار إلى هذا القول أيضا القشيري وقال : إنما يقال هذا في الأوقات ، ولا يقال للرجل أمامك إنه وراءك ، قال الفراء : وجوزه غيره ، والقوم ما كانوا عالمين بخبر الملك ، فأخبر الله تعالى الخضر حتى عيب السفينة ، وذكره الزجاج . وقال الماوردي : اختلف أهل العربية في استعمال وراء موضع أمام على ثلاثة أقوال : [ أحدها ] يجوز استعمالها بكل حال وفي كل مكان وهو من الأضداد قال الله تعالى : " ومن ورائهم " [ الجاثية : 10 ] أي من أمامهم : وقال الشاعر{[10678]} :

أترجو بنُو مروان سمعي وطاعتي *** وقومي تميمٌ والفلاة ورائيا

يعني أمامي ، [ والثاني ] أن وراء في موضع أمام في المواقيت والأزمان لأن الإنسان يجوزها فتصير وراءه ولا يجوز في غيرها الثالث : أنه يجوز في الأجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر ولا يجوز في غيرهما ، وهذا قول علي بن عيسى .

واختلف في اسم هذا الملك فقيل : هدد بن بدد . وقيل : الجلندي ، وقال السهيلي . وذكر البخاري اسم الملك الآخذ لكل سفينة غصبا فقال : هو [ هدد بن بدد والغلام المقتول{[10679]} ] اسمه جيسور ، وهكذا قيدناه في الجامع من رواية يزيد المروزي ، وفي غير هذه الرواية حيسور بالحاء وعندي في حاشية الكتاب رواية ثالثة : وهي حيسون وكان يأخذ كل سفينة جيدة غصبا فلذلك عابها الخضر وخرقها ، ففي هذا من الفقه العمل بالمصالح إذا تحقق وجهها ، وجواز إصلاح كل المال بإفساد بعضه ، وقد تقدم . وفي صحيح مسلم وجه الحكمة بخرق السفينة وذلك قوله :( فإذا جاء الذي يسخرها وجدها منخرقة فتجاوزها ، فأصلحوها بخشبة . . . ) الحديث . وتحصل من هذا الحض على الصبر في الشدائد ، فكم في ضمن ذلك المكروه من الفوائد ، وهذا معنى قوله : " وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم " {[10680]} [ البقرة : 216 ] .


[10674]:راجع جـ 8 ص 168 فما بعد.
[10675]:في جـ و ك وي: الحادث المقدم الوجود.
[10676]:الحديث في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة.
[10677]:راجع جـ 16 ص 159.
[10678]:هو سوار بن المضرب.
[10679]:الزيادة من صحيح البخاري.
[10680]:راجع جـ 3 ص 39 وص و137.