الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: فانطلق موسى والعالم "حَتّى إذَا أتَيَا أهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعمَا أهْلَها "من الطعام، فلم يطعموهما، واستضافاهم "فَأبَوْا أن يُضَيّفُوهُما فَوَجَدَا فِيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ" يقول: وجدا في القرية حائطا يريد أن يسقط ويقع يقال منه: انقضّت الدار: إذا انهدمت وسقطت... واختلف أهل العلم بكلام العرب في معنى قول الله عزّ وجلّ يَرِيدُ أنْ يَنْقَضّ فقال بعض أهل البصرة: ليس للحائط إرادة ولا للمَوَات، ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة فهو إرادته...

وقال آخر منهم: إنما كلم القوم بما يعقلون، قال: وذلك لما دنا من الانقضاض، جاز أن يقول: يريد أن ينقضّ، قال: ومثله "تَكادُ السّمَواتُ يَتَفَطّرْنَ" وقولهم: إني لأكاد أطير من الفرح، وأنت لم تقرب من ذلك، ولم تهمّ به، ولكن لعظيم الأمر عندك... والذي نقول به في ذلك أن الله عزّ ذكره بلطفه، جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم، ليبين بعضهم لبعض عما في ضمائرهم... وكذلك قوله: "جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقضّ" قد علمت أن معناه: قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب جلّ ثناؤه بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه، وقد عقلوا ما عنى به وإن استعجم عن فهمه ذوو البلادة والعمى، وضلّ فيه ذوو الجهالة والغبا.

وقوله: "فَأقامَهُ" ذكر عن ابن عباس أنه قال: هدمه ثم قعد يبنيه...

وقال آخرون في ذلك:... عن سعيد بن جبير "فوجدا فيها جِدَارا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضّ" قال: رفع الجدار بيده فاستقام.

والصواب من القول في ذلك أن يُقال: إن الله عزّ ذكره أخبر أن صاحب موسى وموسى وجدا جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه صاحب موسى، بمعنى: عَدَل مَيَله حتى عاد مستويا، وجائز أن يكون كان ذلك بإصلاح بعد هدم، وجائز أن يكون كان برفع منه له بيده، فاستوى بقدرة الله، وزال عنه مَيْلُه بلطفه، ولا دلالة من كتاب الله ولا خبر للعذر قاطع بأيّ ذلك كان من أيّ.

وقوله: "قالَ لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا" يقول: قال موسى لصاحبه: لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامتك أجرا، فقال بعضهم: إنما عَنَى موسى بالأجر الذي قال له "لَوْ شِئْتَ لاتّخَذْتَ عَلَيْهِ أجْرا" القِرى: أي حتى يَقْرُونا، فإنهم قد أبوا أن يضّيفونا.

وقال آخرون: بل عنى بذلك العِوَض والجزاء على إقامته الحائط المائل...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{فانْطَلَقا حتّى إذا أَتَيَا أهْلَ قريةٍ} سُمّي قريةً، وهي كانت مدينةً. ألا ترى أنه قال في آخره: {وأمّا الجِدارُ فكان لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ في المدينةِ} (الكهف: 82) دَلّ أنها كانت مدينةً. والعربُ قد تُسمِّي المدينةَ قريةً...

{اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفوهُما فَوَجَدَا فيها جِداراً يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ فأَقامَهُ} قال الحسن: كان الجِدارُ بهَيْئة عند الناظر أنّه يَسْقُط. وقال أبو بكر الأصم: {يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ} الإرادةُ صفةُ كلِّ فاعلٍ له حقيقةُ الفعلِ، أو ليس له حقيقةُ الفعلِ بعد أن يُضافَ إليه الفعلُ. ألا تَرى أنه (يقال عن الجِدار) سَقَطَ، وإن كان، في الحقيقة (لم) يَسقُطْ. وعندنا أنه إنما يقال ذلك لِقُرْبِ الحال وعند الإشراف على الهلاك والسُّقوط. ألا تَرى أن الرَّجل يقول: إني أردتُ أن أموتَ، وأردتُ أنْ أَهْلِكَ، وأردتُ أنْ أَسْقُطَ، وهو لا يريد الموتَ ولا السُّقوطَ، ولكنه يَذْكُر ذلك لإشرافه على الهلاك وقُرْبِ الحال إليه ليس على حقيقة الإرادة. فعلى ذلك قوله: {يُريدُ أَنْ يَنْقَضَّ} أي أَشْرَفَ، وقَرُبَ، على حال السُّقوطِ، والله أعلم...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

كان واجباً في مِلَّتِهم على أهل القرية إطعامُهما، ولم يَعلَم موسى أنه لا جدوى من النَّكير عليهم؛ ولو كان أَغْضَى على ذلك منهم لكان أحسَن. فلمَّا أقام الخضرُ جدارَهم ولم يَطلب عليه أجراً لم يَقُل موسى إنك قُمْتَ بمَحظورٍ، ولكنه قال له: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} أي إنْ لم تَأخذْ بسببك فلو أخذتَ بسببِنا لَكان أَخْذُكَ خيراً لنا من ترْكك ذلك، ولئن وَجَبَ حقُّهم فَلِمَ أخللتَ بحقِّنا؟ ويقال إنَّ سَفَرَه ذلك كان سفرَ تأديبٍ فَرُدَّ إلى تَحَمُّلِ المشقّة، وإلاَّ فهو حين سَقى لِبَنات شُعَيْبٍ فإنَّ ما أصابه من التعبِ وما كان فيه من الجوع كان أكثرَ، ولكنه كان في ذلك الوقت محمولاً وفي هذا الوقت مُتَحَمِّلاً...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

كانت الحال حال اضطرار وافتقار إلى المطعم، ولقد لزتهما الحاجة إلى آخر كسب المرء وهو المسألة، فلم يجدا مواسياً، فلما أقام الجدار لم يتمالك موسى لما رأى من الحرمان ومساس الحاجة أن {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} وطلبت على عملك جعلاً حتى ننتعش ونستدفع به الضرورة...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

وَصَلَا إلَى الْقَرْيَةِ مُحْتَاجَيْنِ إلَى الطَّعَامِ، فَعَرَضُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً، فَأَبَوْا عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهُمْ، وَهَذَا سُؤَالٌ، وَهُوَ عَلَى مَرَاتِبَ فِي الشَّرْعِ، وَمَنَازِلَ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ شَرْحِ الصَّحِيحَيْنِ. وَهَذَا السُّؤَالُ من تِلْكَ الْأَقْسَامِ هُوَ سُؤَالُ الضِّيَافَةِ، وَهِيَ فَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ كَمَا بَيَّنَّاهُ هُنَالِكَ، وَسُؤَالُهَا جَائِزٌ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمْ نَزَلُوا بِقَوْمٍ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ، فَسَأَلُوهُمْ: هَلْ من رَاقٍ، فَجَعَلُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ من الْغَنَمِ.. الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ. وَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَوَّزَ الْكُلَّ، وَقَدْ كَانَ مُوسَى حِينَ سَقَى لِبِنْتَيْ شُعَيْبٍ أَجْوَعَ مِنْهُ حِينَ أَتَى الْقَرْيَةَ مَعَ الْخَضِرِ، وَلَمْ يَسْأَلْ قُوتًا؛ بَلْ سَقَى ابْتِدَاءً، وَفِي الْقَرْيَةِ سَأَلَا الْقُوتَ، وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ انْفِصَالَاتٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا أَنَّ مُوسَى كَانَ فِي حَدِيثِ مَدْيَنَ مُنْفَرِدًا، وَفِي قِصَّةِ الْقَرْيَةِ تَبَعًا لِغَيْرِهِ. وَقِيلَ: كَانَ هَذَا سَفَرَ تَأْدِيبٍ فَوُكِلَ إلَى تَكْلِيفِ الْمَشَقَّةِ، وَكَانَ ذَلِكَ سَفَرَ هِجْرَةٍ فَوُكِلَ إلَى الْعَوْنِ وَالْقُوَّةِ...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فانطلقا} بعد قتله {حتى إذا أتيا أهل قرية} عبر عنها هنا بالقرية دون المدينة لأنه أدل على الذم، لأن مادة قرا تدور على الجمع الذي يلزمه الإمساك كما تقدم في آخر سورة يوسف عليه السلام؛ ثم وصفها ليبين أن لها مدخلاً في لؤم أهلها بقوله تعالى: {استطعما} وأظهر ولم يضمر في قوله: {أهلها} لأن الاستطعام لبعض من أتوه، أو كل من الإتيان والاستطعام لبعض ولكنه غير متحد، وهذا هو الظاهر، لأنه هو الموافق للعادة... {فأبوا} أي فتسبب عن استطعامهما أن أبى المستطعمون من أهل القرية {أن يضيفوهما} أي ينزلوهما ويطعموهما فانصرفا عنهم {فوجدا فيها} أي القرية، ولم يقل: فيهم، إيذاناً بأن المراد وصف القرية بسوء الطبع {جداراً} مشرفاً على السقوط، وكذا قال مستعيراً لما لا يعقل صفة ما يعقل: {يريد أن ينقض} أي يسقط سريعاً فمسحه الخضر بيده {فأقامه}. ولما انقضى وصف القرية وما تسبب عنه أجاب "إذا "بقوله: {قال} أي له موسى عليه السلام: {لو شئت لاتخذت} لكوننا لم يصل إلينا منهم شيء {عليه} أي على إقامة الجدار {أجراً} نأكل به، فلم يعترض عليه في هذه المرة لعدم ما ينكر فيها، وإنما ساق ما يترتب عليها من ثمرتها مساق العرض والمشورة غير أنه يتضمن السؤال...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وينطلق السياق فإذا نحن أمام المشهد الثالث: (فانطلقا. حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه). إنهما جائعان، وهما في قرية أهلها بخلاء، لا يطعمون جائعا، ولا يستضيفون ضيفا. ثم يجد أن جدارا مائلا يهم أن ينقض. والتعبير يخلع على الجدار حياة وإرادة كالأحياء فيقول: (يريد أن ينقض) فإذا الرجل الغريب يشغل نفسه بإقامة الجدار دون مقابل!!! وهنا يشعر موسى بالتناقض في الموقف. ما الذي يدفع هذا الرجل أن يجهد نفسه ويقيم جدارا يهم بالانقضاض في قرية لم يقدم لهما أهلها الطعام وهما جائعان، وقد أبوا أن يستضيفوهما؟ أفلا أقل من أن يطلب عليه أجرا يأكلان منه؟ (قال: لو شئت لاتخذت عليه أجرا)!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

نظم قوله: {فانطَلَقا حَتَّى إذا أَتَيَا أهْلَ قَرْيةٍ استَطْعَمَا أهْلَهَا} كنظم نظيريه السابقين.

والاستطعام: طلب الطعام. وموقع جملة {استَطْعَمَا أَهْلَهَا} كموقع جملة (خرقها) وجملة (فقتله)، فهو متعلق (إذَا). وإظهار لفظ {أَهْلَهَا} دون الإتيان بضميرهم بأن يقال: استطعماهم، لزيادة التصريح، تشنيعاً بهم في لؤمهم، إذ أبوا أن يضيفوهما. وذلك لؤم، لأنّ الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام وهي من المواساة المتبعة عند الناس. ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة، أو من أعدّ نفسه لذلك من كرام القبيلة؛ فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية...

وفي الآية دليل على إباحة طلب الطعام لعابر السبيل لأنه شَرْع من قبلنا، وحكاه القرآن ولم يرد ما ينسخه.

ودلّ لَوْم موسى الخضرَ، على أن لم يأخذ أجر إقامة الحائط على صاحبه من أهل القرية، على أنه أراد مقابلة حرمانهم لحق الضيافة بحرمانهم من إقامة الجدار في قريتهم.

وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحيّ أو القرية... والجدار: الحائط المبني. ومعنى {يُرِيدُ أن يَنقَضَّ} أشرف على الانقضاض، أي السقوط، أي: يكاد يسقط، وذلك بأن مال، فعبر عن إشرافه على الانقضاض بإرادة الانقضاض على طريقة الاستعارة المصرحة التبعية بتشبيه قرب انقضاضه بإرادة من يعقل فعلَ شيء فهو يوشك أن يفعله حيث أراده، لأن الإرادة طلب النفس حصول شيء وميل القلب إليه.

وإقامة الجدار: تسوية مَيله...

وقول موسى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرَاً} لَوْم، أي كان في مكنتك أن تجعل لنفسك أجراً على إقامة الجدار تأخذه ممن يملكه من أهل القرية ولا تقيمه مجاناً لأنهم لم يقوموا بحق الضيافة ونحن بحاجة إلى ما ننفقه على أنفسنا، وفيه إشارة إلى أن نفقة الأتباع على المتبوع.

وهذا اللوم يتضمن سؤالاً عن سبب ترك المشارطة على إقامة الجدار عند الحاجة إلى الأجر، وليس هو لوماً على مجرد إقامته مجاناً، لأن ذلك من فعل الخير وهو غير ملوم.

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

... فقد نسي موسى (عليه السلام) عهده مرّة أُخرى وبدأ بالاعتراض، إِلاَّ أنَّ اعتراضه هذه المرَّة بدا خفيفاً فقال:"قال لو شئت لاتّخذت عليه أجراً". وفي الواقع فإِنَّ موسى يعتقد بأنَّ قيام الإِنسان بالتضحية في سبيل أناس سيئين عمل مجاف لروح العدالة؛ بعبارة أُخرى: إِنَّ الجميل جيِّد وحسن، بشرط أن يكون في محلّه...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا} (77)

قوله تعالى : " فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما "

فيه ثلاث عشرة مسألة :

الأولى- قوله تعالى : { حتى إذا أتيا أهل قرية } في صحيح مسلم عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم : لئاما ، فطافا في المجالس ف " استطعما أهلها فأبوا أن يضيقوهما فوجدا فيها جدار يريد أن ينقض " يقول : مائل قال : " فأقامه " الخضر بيده قال له موسى : قوم أتيناهم فلم يضيفونا ، ولم يطعمونا " لو شئت لاتخذت عليه أجرا ، قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطيع عليه صبرا " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص علينا من أخبارهما ) .

الثانية- واختلف العلماء في القرية فقيل : هي أبلة ، قاله قتادة ، وكذلك قال محمد بن سيرين ، وهى أبخل قرية وأبعدها من السماء وقيل : أنطاكية وقيل : بجزيرة الأندلس ، روي ذلك عن أبي هريرة وغيره ، ويذكر أنها الجزيرة الخضراء وقالت فرقة : هي باجروان وهي بناحية أذربيجان ، وحكى السهيلي وقال : إنها برقة . الثعلبي : هي قرية من قرى الروم يقال لها ناصرة ، وإليها تنسب النصارى ، وهذا كله بحسب الخلاف في أي ناحية من الأرض كانت قصة موسى ، والله أعلم بحقيقة ذلك .

الثالثة : كان موسى عليه السلام حين سقى لبنتي شعيب أحوج منه حين أتى القرية مع الخضر ، ولم يسأل قوتا بل سقى ابتداء ، وفي القرية سألا القوت ، وفي ذلك للعلماء انفصالات كثيرة ، منها أن موسى كان في حديث مدين منفردا وفي قصة الخضر تبعا{[10641]} لغيره .

قلت : وعلى هذا المعنى يتمشى قوله في أول الآية لفتاه " آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " فأصابه الجوع مراعاة لصاحبه يوشع ، والله أعلم .

وقيل : لما كان هذا سفر تأديب وكل إلى تكلف المشقة ، وكان ذلك سفر هجرة فوكل إلى العون والنصرة بالقوت{[10642]} .

الرابعة-في هذه الآية دليل على سؤال القوت ، وأن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يرد جوعه ، خلافا لجهال{[10643]} المتصوفة والاستطعام سؤال الطعام ، والمراد به هنا سؤال الضيافة . بدليل قوله : " فأبوا أن يضيفوهما " فاستحق أهل القرية لذلك أن يذموا ، وينسبوا إلى اللؤم والبخل ، كما وصفهم بذلك نبينا عليه الصلاة والسلام قال قتادة في هذه الآية : شر القرى التي لا تضيف الضيف ولا تعرف لابن السبيل حقه . ويظهر من ذلك أن الضيافة كانت عليهم واجبة ، وأن الخضر وموسى إنما سألا ما وجب لهما من الضيافة ، وهذا هو الأليق بحال الأنبياء ، ومنصب الفضلاء والأولياء وقد تقدم القول في الضيافة في " هود " {[10644]} والحمد لله .

ويعفو الله عن الحريري{[10645]} حيث استخف في هذه الآية وتمجن ، وأتى بخطل من القول وزل ، فاستدل بها على الكدية{[10646]} والإلحاح فيها ، وأن ذلك ليس بمعيب على فاعله ، ولا منقصة عليه ، فقال :

وإن رُدِدْتَ فما في الرد منقصة*** عليك قد رُدَّ موسى قبلُ والخضرُ

قلت : وهذا لعب بالدين ، وانسلال عن احترام النبيين ، وهي شنشنة أدبية ، وهفوة سخافية ، ويرحم الله السلف الصالح ، فلقد بالغوا في وصية كل ذي عقل راجح ، فقالوا : مهما كنت لاعبا بشيء فإياك أن تلعب بدينك .

الخامسة-قوله تعالى : " فوجدا فيها جدارا " الجدار والجدْر بمعنى واحد ، وفي الخبر : ( حتى يبلغ الماء الجدر{[10647]} ) . ومكان جدير بُني حواليه جدار ، وأصله الرفع وأجدرت الشجرة طلعت ، ومنه الجدري .

السادسة-قوله تعالى : " يريد أن ينقض " أي قرب أن يسقط ، وهذا مجاز وتوسع وقد فسره في الحديث بقوله : ( مائل ) فكان فيه دليل على وجود المجاز في القرآن ، وهو مذهب الجمهور . وجميع الأفعال التي حقها أن تكون للحي الناطق متى أسندت إلى جماد أو بهيمة فإنما هي استعارة ، أي لو كان مكانهما إنسان لكان متمثلا لذلك الفعل ، هذا كلام العرب وأشعارها كثير ، فمن ذلك قول الأعشى :

أتنتهون ولا يَنْهَى ذوي شَطَطٍ{[10648]} *** كالطعن يذهب فيه الزيتُ والفُتُلُ

فأضاف النهي إلى الطعن . ومن ذلك قول الآخر :

يريدُ الرمحُ صدرَ أبي براء *** ويرغب عن دماء بني عقيل

وقال آخر :

إن دهرا يَلُفُّ شملي بِجُمْلِ *** لَزَمَانٌ يَهُمُّ بالإحسان

وقال آخر :

في مهمه فُلِقَت به هاماتُها *** فَلَقَ الفُؤس إذا أردن نُصُولا

أي ثبوتا في الأرض ، من قولهم : نصل السيف إذا ثبت في الرمية ، فشبه وقع السيوف على رؤوسهم بوقع الفؤوس في الأرض فإن الفأس يقع فيها ويثبت لا يكاد يخرج . وقال حسان بن ثابت :

لو أن اللوم يُنْسَبُ كان عبدا *** قبيحَ الوجه أعورَ من ثقيفِ

وقال عنترة :

فازْوَرَّ من وَقْعِ القَنَا بِلَبَانِهِ *** وشَكَا إليّ بعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ

وقد فسر{[10649]} هذا المعنى بقوله :

لو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى

وهذا في هذا المعنى كثير جدا ومنه قول الناس : إن داري تنظر إلى دار فلان وفي الحديث : ( اشتكت النار إلى ربها ) وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن ، منهم أبو إسحاق الإسفرايني وأبو بكر محمد بن داود الأصبهاني وغيرهما ، فإن كلام الله عز وجل وكلام رسوله حمله على الحقيقة أولى بذي الفضل والدين ؛ لأنه الحق كما أخبر الله تعالى في كتابه .

ومما احتجوا به أن قالوا : لو خاطبنا الله تعالى بالمجاز لزم وصفه بأنه متجوز أيضا ، فإن العدول عن الحقيقة إلى المجاز يقتضي العجز عن الحقيقة ، وهو على الله تعالى محال ، قال الله تعالى : " يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون{[10650]} " [ النور : 24 ] وقال تعالى : " وتقول هل من مزيد " {[10651]}[ ق : 30 ] وقال تعالى : " إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا " {[10652]} [ الفرقان : 12 ] وقال تعالى : " تدعو من أدبر وتولى " {[10653]} [ المعارج : 17 ] و( اشتكت النار إلى ربها ) ( واحتجت النار والجنة ) وما كان مثلها حقيقة ، وأن خالقها الذي أنطق كل شيء أنطقها . وفي صحيح مسلم من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( فيختم على فيه ويقال لفخذه انطقي فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله وذلك ليعذر{[10654]} من نفسه ، وذلك المنافق وذلك الذي يسخط الله عليه ) . هذا في الآخرة .

وأما في الدنيا ، ففي الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى تكلم السباع الإنسان ، وحتى تكلم الرجل عَذَبَةُ سوطه وشراك نعله وتخبره فخذه بما أحدث أهله من بعده ) [ قال أبو عيسى ]{[10655]} : وفي الباب عن أبي هريرة ، وهذا حديث حسن غريب .

السابعة-قوله تعالى : " فأقامه " قيل : هدمه ثم قعد يبنيه . " قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا " فقال موسى للخضر : " قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا " لأنه فعل يستحق أجرا ، وذكر أبو بكر الأنباري عن ابن عباس عن أبي بكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قرأ " فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فهدمه ثم قعد يبنيه " قال أبو بكر : وهذا الحديث إن صح سنده فهو جار من الرسول عليه الصلاة والسلام مجرى التفسير للقرآن ، وأن بعض الناقلين أدخل [ تفسير ]{[10656]} قرآن في موضع فسرى أن ذلك قرآن نقص من مصحف عثمان ، على ما قاله بعض الطاعنين ، وقال سعيد بن جبير : مسحه بيده وأقامه فقام ، وهذا القول هو الصحيح ، وهو الأشبه بأفعال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بل والأولياء ، وفي بعض الأخبار : إن سمك ذلك الحائط كان ثلاثين ذراعا بذراع ذلك القرن ، وطوله على وجه الأرض خمسمائة ذراع ، وعرضه خمسون ذراعا ، فأقامه الخضر عليه السلام أي سواه بيده فاستقام ؛ قال الثعلبي في كتاب العرائس : فقال موسى للخضر " لو شئت لاتخذت عليه أجرا " أي طعاما تأكله ، ففي هذا دليل على كرامات الأولياء ، وكذلك ما وصف من أحوال الخضر عليه السلام في هذا الباب كلها أمور خارقة للعادة ، هذا إذا تنزلنا على أنه ولي لا نبي . وقوله تعالى : " وما فعلته عن أمري " [ الكهف : 82 ] يدل علي نبوته وأنه يوحى إليه بالتكليف والأحكام ، كما أوحى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير أنه ليس برسول ، والله أعلم .

الثامنة-واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحث جدار مائل يخاف سقوطه ، بل يسرع في المشي إذا كان مارا عليه ؛ لأن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام ( إذا مر أحدكم بطربال مائل فليسرع المشي ) . قال أبو عبيد القاسم بن سلام : كان أبو عبيدة يقول : الطربال شبيه بالمنظرة من مناظر العجم كهيئة الصومعة ، والبناء المرتفع ، قال جرير :

ألوَى{[10657]} بها شَذْبُ العروق مُشَذَّبٌ *** فكأنما وَكَنَتْ على طِرْبَالِ

يقال منه : وكَنَ يكِنُ إذا جلس ، وفي الصحاح : الطربال القطعة العالية من الجدار ، والصخرة العظيمة المشرفة من الجبل ، وطرابيل الشام صوامعها . ويقال : طَرْبَلَ بولَه إذا مده إلى فوق .

التاسعة-كرامات الأولياء ثابتة ، على ما دلت عليه الأخبار الثابتة ، والآيات المتواترة ، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد ، أو الفاسق الحائد ، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف ، والصيفية في الشتاء - على ما تقدم - وما ظهر على يدها حيث أمرت النخلة وكانت يابسة فأثمرت ، وهي ليست بنبية ، على الخلاف ويدل عليها ما ظهر على يد الخضر عليه السلام من خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وإقامة الجدار . قال بعض العلماء : ولا يجوز أن يقال كان نبيا ؛ لأن إثبات النبوة لا يجوز بأخبار الآحاد ، لا سيما وقد روي من طريق التواتر - من غير أن يحتمل تأويلا - بإجماع الأمة قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا نبي بعدي ) وقال تعالى : " وخاتم النبيين " {[10658]} [ الأحزاب : 40 ] والخضر وإلياس{[10659]} جميعا باقيان مع هذه الكرامة ، فوجب أن يكونا غير نبيين ؛ لأنهما لو كانا نبيين لوجب أن يكون بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي ، إلا ما قامت الدلالة في حديث عيسى أنه ينزل بعده .

قلت : الخضر كان نبيا على ما تقدم وليس بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي ، أي يدعي النبوة بعده أبدا والله أعلم . .

العاشرة-اختلف الناس هل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي أم لا ؟ على قولين : [ أحدهما ] أنه لا يجوز ، وأن ما يظهر على يديه يجب أ ن يلاحظه بعين خوف المكر ؛ لأنه لا يأمن أن يكون مكرا واستدراجا له ، وقد حكي عن السري أنه كان يقول : لو أن رجلا دخل بستانا فكلمه من رأس كل شجرة طير بلسان فصيح : السلام عليك يا ولي الله فلو لم يخف أن يكون ذلك مكرا لكان ممكورا به ، ولأنه لو علم أنه ولي لزال عنه الخوف ، وحصل له الأمن . ومن شرط الولي أن يستديم الخوف إلى أن تتنزل عليه الملائكة ، كما قال عز وجل : " تنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا " {[10660]} [ فصلت : 30 ] ولأن الولي من كان مختوما له بالسعادة ، والعواقب مستورة ولا يدري أحد ما يختم له به ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام ( إنما الأعمال بالخواتيم ) . [ القول الثاني ] أنه يجوز للولي أن يعلم أنه ولي ، ألا ترى أن النبي عليه الصلاة والسلام يجوز أن يعلم أنه ولي ، ولا خلاف أنه يجوز لغيره أن يعلم{[10661]} أنه ولي الله تعالى ، فجاز أن يعلم ذلك . وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام من حال العشرة من أصحابه أنهم من أهل الجنة ، ثم لم يكن في ذلك زوال خوفهم ، بل كانوا أكثر تعظيما لله سبحانه وتعالى ، وأشد خوفا وهيبة ، فإذا جاز للعشرة ذلك ولم يخرجهم عن الخوف فكذلك غيرهم . وكان الشبلي يقول : أنا أمان هذا الجانب ، فلما مات ودفن عبر الديلم دجلة ذلك اليوم ، واستولوا على بغداد ، ويقول الناس : مصيبتان موت الشبلي وعبور الديلم . ولا يقال : إنه يحتمل أن يكون ذلك استدراجا لأنه لو جاز ذلك لجاز ألا يعرف النبي أنه نبي وولي الله ، لجواز أن يكون ذلك استدراجا ، فلما لم يجز ذلك لأن فيه إبطال المعجزات لم يجز هذا ، لأن فيه إبطال الكرامات . وما روي من ظهور الكرامات على يدي بلعام وانسلاخه عن الدين بعدها لقوله : " فانسلخ منها . . . " {[10662]} [ الأعراف : 175 ] فليس في الآية أنه كان وليا ثم انسلخت عنه الولاية . وما نقل أنه ظهر على يديه ما يجري مجرى الكرامات هو أخبار آحاد لا توجب العلم ، والله أعلم .

والفرق بين المعجزة والكرامة أن الكرامة من شرطها الاستتار ، والمعجزة من شرطها الإظهار . وقيل : الكرامة ما تظهر من غير دعوى والمعجزة ما تظهر عند دعوى الأنبياء فيطالبون بالبرهان فيظهر أثر ذلك . وقد تقدم في مقدمة الكتاب شرائط المعجزة ، والحمد لله تعالى وحده لا شريك له . وأما الأحاديث الواردة في الدلالة على ثبوت الكرامات ، فمن ذلك ما خرجه البخاري من حديث أبي هريرة قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة رهط سرية عيناً وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري{[10663]} وهو جد{[10664]} عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهَدْأَة وهي بين عسفان ومكة ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا إليهم قريبا من مائتي راجل كلهم رام ، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة ، فقالوا هذا تمر يثرب ، فاقتصوا آثارهم ، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد{[10665]} وأحاط بهم القوم ، فقالوا لهم : انزلوا فأعطونا أيديكم ولكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم أحدا ، فقال عاصم بن ثابت أمير السرية : أما فوالله لا أنزل اليوم في ذمة الكافر ، اللهم أخبر عنا نبيك ، فرموا بالنبل فقتلوا عاصما في سبعة ، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد والميثاق ، وهم خبيب الأنصاري وابن الدثنة ورجل آخر{[10666]} ، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فأوثقوهم ، فقال الرجل الثالث : هذا أول الغدر والله لا أصحبكم ، إن لي في هؤلاء لأسوة - يريد القتلى - فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه ، فانطلقوا بخبيب وابن الدثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقعة بدر ، فابتاع خبيبا بنو الحرث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، وكان خبيب هو الذي قتل الحرث بن عامر يوم بدر ، فلبث خبيب عندهم أسيرا ، فأخبر عبيد الله بن عياض أن بنت الحرث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته ، فأخذ ابن لي وأنا غافلة حتى أتاه ، قالت : فوجدته مُجْلِسَه على فخذه والموسى بيده ، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي ، فقال : أتخشين أن أقتله ؟ ما كنت لأفعل ذلك . قالت : والله ما رأيت أسيرا قط خيرا من خيب ، والله لقد وجدته يوما يأكل قطف عنب في يده ، وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر ، وكانت تقول : إنه لرزق رزقه الله تعالى خبيبا ، فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب : دعوني أركع ركعتين ، فتركوه فركع ركعتين ثم قال : لولا أن تظنوا أن ما بي جزع من الموت لزدت{[10667]} ، ثم قال : اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، ثم قال :

ولست أبالي حين أقتل مسلما *** على أي شِقٍّ كان لله مصرعي

وذلك في ذات إلاله وإن يشأ *** يبارك على أوصال شِلْوٍ مُمَزَّعِ

فقتله بنو الحرث ، وكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا ، فاستجاب الله تعالى لعاصم يوم أصيب ، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه خبرهم وما أصيبوا . وبعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشيء منه يعرفونه ، وكان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر ، فبعث الله على عاصم مثل الظلة من الدَّبْر{[10668]} فحمته من رسلهم ، فلم يقدروا على أن يقطعوا من لحمه شيئا . وقال ابن إسحاق في هذه القصة : وقد كانت هذيل حين قتل عاصم بن ثابت أرادوا رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد{[10669]} ، وقد كانت نذرت حين أصاب ابنيها بأحد لئن قدرت على رأسه لتشربن في قَحْفِه{[10670]} الخمر فمنعهم الدَّبْر ، فلما حالت بينه وبينهم قالوا : دعوه حتى يمسي فتذهب عنه فنأخذه ، فبعث الله تعالى الوادي فاحتمل عاصما فذهب ، وقد كان عاصم أعطى الله تعالى عهدا ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك أبدا في حياته ، فمنعه الله تعالى بعد وفاته مما امتنع منه في حياته . وعن عمرو بن أمية الضمري : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه عينا وحده فقال : جئت إلى خشبة خبيب فرقيت فيها وأنا أتخوف العيون فأطلقته ، فوقع في الأرض ، ثم اقتحمت فانتبذت قليلا ، ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض . وفي رواية أخرى زيادة : فلم نذكر لخبيب رِمَّةً حتى الساعة ، ذكره البيهقي .

الحادية عشرة-ولا ينكر أن يكون للولي مال وضيعة يصون بها ماله وعياله ، وحسبك بالصحابة وأموالهم مع ولايتهم وفضلهم ، وهم الحجة على غيرهم . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بينما رجل بفلاة من أرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان ، فتنحى ذلك السحاب فأفرغ ماءه في حرة{[10671]} فإذا شَرْجَةٌ من تلك الشِّرَاج قد استوعبت ذلك الماء كله ، فتتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته يحول الماء بمِسْحَاتِه{[10672]} فقال : يا عبد الله ما اسمك ؟ قال : فلان الاسم الذي سمعه في السحابة فقال له : يا عبد الله لم سألتني عن اسمي قال : إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك ، فما فيها ؟ قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما يخرج منها فأتصدق بثلثه ، وآكل أنا وعيالي ثلثا وأرد فيها ثلثه ) وفي رواية ( وأجعل ثلثه في المساكين والسائلين وابن السبيل ) .

قلت : وهذا الحديث لا يناقضه قوله عليه الصلاة والسلام : ( لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا ) خرجه الترمذي من حديث ابن مسعود وقال فيه حديث حسن ، فإنه محمول على من اتخذها مستكثرا أو متنعما ومتمتعا بزهرتها ، وأما من اتخذها معاشا يصون بها دينه وعياله فاتخاذها بهذه النية من أفضل الأعمال ، وهي من أفضل الأموال ، قال عليه الصلاة والسلام : ( نعم المال الصالح للرجل الصالح ) ، قد أكثر الناس في كرامات الأولياء وما ذكرناه فيه كفاية ، والله الموفق للهداية .

الثانية عشرة-قوله تعالى : " لاتخذت عليه أجرا " فيه دليل على صحة جواز الإجارة ، وهى سنة الأنبياء والأولياء على ما يأتي بيانه في سورة " القصص{[10673]} " إن شاء الله تعالى . وقرأ الجمهور " لاتخذت " وأبو عمرو " لتخذت " وهي قراءة ابن مسعود والحسن وقتادة ، وهما لغتان بمعنى واحد من الأخذ ، مثل قولك : تبع واتبع ، وتقى واتقى وأدغم بعض القراء الذال في التاء ، ولم يدغمها بعضهم وفي حديث أبي بن كعب :( لو شئت لأوتيت أجرا ) وهذه صدرت من موسى سؤالا على جهة العرض لا الاعتراض .


[10641]:في ك: متبعا.
[10642]:في ك: والقوة.
[10643]:في ك: للجهال من المتصوفة.
[10644]:راجع جـ 9 ص 64 فما بعد.
[10645]:هو صاحب المقامات المشهورة والبيت الذي لمح فيه إلى الآية من مقامته "الصعدية" في ك: تسخف.
[10646]:الكدية: تكفف الناس.
[10647]:الحديث في مخاصمة الزبير لرجل من الأنصار في سيول شريج الحرة فقال صلى الله عليه وسلم: "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" أراد ما رفع حول المزرعة كالجدار.
[10648]:الشطط: الجور والظلم؛، يقول لا ينهى الظالم عن ظلمه إلا الطعن الجائف الذي يغيب فيه الفتل.
[10649]:أي عنترة، وتمام البيت: * ولكان لو علمَ الكلامَ مكلِّمي *
[10650]:راجع جـ 12 ص 210.
[10651]:راجع جـ 17 ص 18.
[10652]:راجع جـ 13 ص 6.
[10653]:راجع جـ 18 ص 286 فما بعد.
[10654]:ليعذر: بالبناء للفاعل من الأعذار، والمعنى: ليزيل الله عذره من قبل نفسه.
[10655]:الزيادة من صحيح الترمذي.
[10656]:زيادة يقتضيها السياق وفي الأصول: "داخل قرآنا . . . الخ".
[10657]:ألوى: ذهب بها حيث أراد. شذب العروق: ظاهر العروق لقلة اللحم: من قولهم: رجل مشذب أي خفيف قليل اللحم.
[10658]:راجع جـ 14 ص 196.
[10659]:في الأصول: "دانيال" وهو تحريف.
[10660]:راجع جـ 15 ص 357.
[10661]:في ك وي: أن يعرفه.
[10662]:راجع جـ ص 319.
[10663]:وقيل: أمر عليهم مرثد بن أبي الغنوي.
[10664]:قال القسطلاني: هذا وهم، وإنما خال عاصم، لأن أم عاصم جميلة بنت ثابت.
[10665]:فدفد: رابية مشرفة.
[10666]:الرجل الآخر عبد الله بن طارق.
[10667]:في ك: لطولتهما.
[10668]:الدبر: الزنابير أو ذكور النحل.
[10669]:في جـ و ي: الشهيد.
[10670]:القحف: الجمجمة.
[10671]:حرة: أرض ذات حجارة سود. والشرجة: طريق الماء ومسيله.
[10672]:المسحاة: المجرفة من الحديد.
[10673]:راجع جـ 13 ص 267.