الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ} (279)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{فإن لم تفعلوا}: وتقروا بتحريمه، {فأذنوا}: فاستيقنوا {بحرب من الله ورسوله}، يعني الكفر. {وإن تبتم} من استحلال الربا وأقررتم بتحريمه، {فلكم رؤوس أموالكم} التي أسلفتم لا تزدادوا؛ {لا تظلمون} أحدا إذا لم تزدادوا على أموالكم، {ولا تظلمون} فتنقصون من رءوس أموالكم.

فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلى عتاب بن أسيد بمكة، فأرسل عتاب إلى بني عمرو بن عمير، فقرأ عليهم الآية، فقالوا: بل نتوب إلى الله عز وجل، ونذر ما بقى من الربا، فإنه لا يدان لنا بحرب الله ورسوله، فطلبوا رءوس أموالهم إلى بني المغيرة، فاشتكوا العسرة، فقال الله عز وجل: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ..}

تفسير الإمام مالك 179 هـ :

195- القرطبي: ذكر ابن بكير قال: جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبد الله، إني رأيت رجلا سكرانا يتعاقر يريد أن يأخذ القمر، فقلت: امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر. فقال: ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه. من الغد فقال له: ارجع حتى أنظر في مسألتك. فأتاه من الغد، فقال له: امرأتك طالق، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أكثر من الربا لأن الله أذن فيه بالحرب...

قوله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون} [البقرة: 279]. 196- ابن أبي حاتم: قال مالك، وسئل عن قول الله: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}، قال: إنما ذلك في أهل الإسلام. 197- يحيى: قال مالك: ومن البيوع ما يجوز إذا تفاوت أمره وتفاحش رده فأما الربا فإنه لا يكون فيه إلا الرد أبدا ولا يجوز منه قليل ولا كثير ولا يجوز فيه ما يجوز في غيره لأن الله تبارك وتعالى قال في كتابه: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

{فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا}: فإن لم تذروا ما بقي من الربا.

(واختلف القراء في قراءة قوله: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ}؛ فقرأته عامة قرّاء أهل المدينة: {فأْذَنُوا} -بقصر الألف من فأذنوا وفتح ذالها- بمعنى: وكونوا على علم وإذْن. وقرأه آخرون وهي قراءة عامة قراء الكوفيين: «فَآذِنُوا» -بمدّ الألف من قوله: «فآذِنوا» وكسر ذالها- بمعنى: فآذنوا غيركم، أعلموهم وأخبروهم بأنكم على حربهم.

وأولى القراءتين بالصواب في ذلك، قراءة من قرأ: {فأذَنُوا} بقصر ألفها وفتح ذالها، بمعنى: اعلموا ذلك واستيقنوه، وكونوا على إذن من الله عزّ وجل لكم بذلك. وإنما اخترنا ذلك، لأن الله عزّ وجلّ أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينبذ إلى من أقام على شركه الذي لا يقرّ على المقام عليه، وأن يقتل المرتدّ عن الإسلام منهم بكل حال إلا أن يراجع الإسلام، أذنه المشركون بأنهم على حربه أو لم يأذنوه، فإذ كان المأمور بذلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون كان مشركا مقيما على شركه الذي لا يقرّ عليه، أو يكون كان مسلما فارتدّ وأذن بحرب، فأيّ الأمرين كان، فإنما نبذ إليه بحرب، لا أنه أمر بالإيذان بها إن عزم على ذلك، لأن الأمر إن كان إليه فأقام على أكل الربا مستحلاً له، ولم يؤذن المسلمون بالحرب، لم يلزمهم حربه، وليس ذلك حكمه في واحدة من الحالين، فقد علم أنه المأذون بالحرب لا الآذن بها. {وَإنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أمْوَالِكُمْ}: إن تبتم فتركتم أكل الربا، وأنبتم إلى الله عزّ وجلّ، فلكم رءوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم. {لا تَظْلِمُونَ}: بأخذكم رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل الإرباء على غرمائكم منهم دون أرباحها التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم، فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذه، أو لم يكن لكم قبل. {وَلا تُظْلَمُونَ}: ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الربا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل يبخسكم حقا لكم عليه فيمنعكموه، لأن ما زاد على رؤوس أموالكم، لم يكن حقا لكم عليه، فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم.

الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي 427 هـ :

{بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}... قال أهل المعاني: حرب الله النار، وحرب رسوله السيف.

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" بحرب من الله "فالحرب: القتال. والحرب: الشدة.

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

إن صاحب الإصرار ليس له عندنا وزن ولا مقدار، ولا قَدْرٌ ولا أخطار...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟ قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله...

فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين.

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

اختلفوا في أن الخطاب بقوله {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله} خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا، أو هو خطاب مع الكفار المستحلين للربا، الذين قالوا إنما البيع مثل الربا، قال القاضي: والاحتمال الأول أولى، لأن قوله {فأذنوا} خطاب مع قوم تقدم ذكرهم، وهم المخاطبون بقوله {يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقى من الربا} وذلك يدل على أن الخطاب مع المؤمنين.

فإن قيل: كيف أمر بالمحاربة مع المسلمين؟... قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل، كما جاء في الخبر « من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة» وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم: « من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله» وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله} [المائدة: 33] أصلا في قطع الطريق من المسلمين، فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وفي سنة رسوله...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

ثم أكد عليهم التحريم بأغلظ شيء وأشده. وهي محاربة المرابي لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. ففي ضمن هذا الوعيد: أن المرابي محارب لله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قد آذنه الله بحربه، ولم يجيء هذا الوعيد في كبيرة سوى الربا، وقطع الطريق، والسعي في الأرض بالفساد، لأن كل واحد منهما مفسد في الأرض قاطع الطريق على الناس: هذا بقهره لهم وتسلطه عليهم، وهذا بامتناعه من تفريج كرباتهم إلا بتحميلهم كربات أشد منها، فأخبر عن قطاع الطريق بأنهم يحاربون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. وأذن هؤلاء إن لم يتركوا الربا بحربه وحرب رسوله صلى الله عليه وسلم...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{فأذنوا بحرب}: عظيمة. قال الحرالي: والحرب مدافعة بشدة عن اتساع المدافع بما يطلب منه الخروج عنه فلا يسمح به ويدافع عنه بأشد مستطاع؛ ثم عظم أمرها بإيراد الاسم الأعظم فقال: {من الله} العظيم الجليل {ورسوله} صلى الله عليه وسلم الذي هو أعظم الخلائق بتشريفه بالإضافة إليه. وقال الحرالي: الذي هيأه للرحمة، فكان نبي الرحمة محارباً له، فانقطعت وصلته من الرحيم والشفيع...

{وإن تبتم} أي فعلتم بعد الإذن بالقتال أو قبله ما أمركم الله به من ترك ما بقي منه {فلكم رؤوس أموالكم}: كما هو حال البيع.

ولما كان ذلك هو العدل لأنه الحق قال: {لا تظلمون}: بأخذ شيء مما بقي من الربا، {ولا تظلمون}: بنقص من رأس المال أو دفع بمطال لأنه الحق...

محاسن التأويل للقاسمي 1332 هـ :

والحرب نقيض السلم. ومن حاربه الله ورسوله لا يفلح أبدا. وفيه إيماء إلى سوء الخاتمة إن دام على أكله...

{وإن تبتم} من الربا {فلكم رؤوس أموالكم} أي أصولها {لا تظلمون} بطلب الزيادة {ولا تظلمون} بالنقص والمطل...

تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :

فسر الأستاذ الإمام حرب الله لهم ببغضه وانتقامه، قال: نحن إن لم نر أثر هذا في الماضين، فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون ومن باتوا والمسألة الاجتماعية (مناصبة العمال لأرباب الأموال) تهددهم بالويل والثبور. وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه {وإن تبتم} ورجعتم عن الربا امتثالا وخضوعا {فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون} غرماءكم بأخذ الزيادة {ولا تظلمون} بنقص شيء من رأس المال بل تأخذونه كاملا... وفي الآية أن الربا حرم لأنه ظلم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

فهذه صفحة الترغيب.. وإلى جوارها صفحة الترهيب.. الترهيب الذي يزلزل القلوب: {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}.. يا للهول! حرب من الله ورسوله.. حرب تواجهها النفس البشرية.. حرب رهيبة معروفة المصير، مقررة العاقبة.. فأين الإنسان الضعيف الفاني من تلك القوة الجبارة الساحقة الماحقة؟! ولقد أمر رسول الله [ص] عامله على مكة بعد نزول هذه الآيات التي نزلت متأخرة أن يحارب آل المغيرة هناك إذا لم يكفوا عن التعامل الربوي. وقد أمر [ص] في خطبته يوم فتح مكة بوضع كل ربا في الجاهلية -وأوله ربا عمه العباس- عن كاهل المدينين الذي ظلوا يحملونه إلى ما بعد الإسلام بفترة طويلة، حتى نضج المجتمع المسلم، واستقرت قواعده، وحان أن ينتقل نظامه الاقتصادي كله من قاعدة الربا الوبيئة... وقال [ص] في هذه الخطبة:"وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين. وأول ربا أضع ربا العباس".. ولم يأمرهم برد الزيادات التي سبق لهم أخذها في حالة الجاهلية... فالإمام مكلف -حين يقوم المجتمع الإسلامي- أن يحارب الذين يصرون على قاعدة النظام الربوي، ويعتون عن أمر الله، ولو أعلنوا أنهم مسلمون. كما حارب أبو بكر -رضي الله عنه- مانعي الزكاة، مع شهادتهم أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقامتهم للصلاة. فليس مسلما من يأبى طاعة شريعة الله، ولا ينفذها في واقع الحياة!... على أن الإيذان بالحرب من الله ورسوله أعم من القتال بالسيف والمدفع من الإمام. فهذه الحرب معلنة -كما قال أصدق القائلين- على كل مجتمع يجعل الربا قاعدة نظامه الاقتصادي والاجتماعي. هذه الحرب معلنة في صورتها الشاملة الداهمة الغامرة. وهي حرب على الأعصاب والقلوب. وحرب على البركة والرخاء. وحرب على السعادة والطمأنينة.. حرب يسلط الله فيها بعض العصاة لنظامه ومنهجه على بعض. حرب المطاردة والمشاكسة. حرب الغبن والظلم. حرب القلق والخوف.. وأخيرا حرب السلاح بين الأمم والجيوش والدول. الحرب الساحقة الماحقة التي تقوم وتنشأ من جراء النظام الربوي المقيت. فالمرابون أصحاب رؤوس الأموال العالمية هم الذين يوقدون هذه الحروب مباشرة أو عن طريق غير مباشر. وهم يلقون شباكهم فتقع فيها الشركات والصناعات. ثم تقع فيها الشعوب والحكومات. ثم يتزاحمون على الفرائس فتقوم الحرب! أو يزحفون وراء أموالهم بقوة حكوماتهم وجيوشها فتقوم الحرب! أو يثقل عبء الضرائب والتكاليف لسداد فوائد ديونهم، فيعم الفقر والسخط بين الكادحين والمنتجين، فيفتحون قلوبهم للدعوات الهدامة فتقوم الحرب! وأيسر ما يقع -إن لم يقع هذا كله- هو خراب النفوس، وانهيار الأخلاق، وانطلاق سعار الشهوات، وتحطم الكيان البشري من أساسه، وتدميره بما لا تبلغه أفظع الحروب الذرية الرعيبة! إنها الحرب المشبوبة دائما. وقد اعلنها الله على المتعاملين بالربا.. وهي مسعرة الآن؛ تأكل الأخضر واليابس في حياة البشرية الضالة؛ وهي غافلة تحسب أنها تكسب وتتقدم كلما رأت تلال الإنتاج المادي الذي تخرجه المصانع.. وكانت هذه التلال حرية بأن تسعد البشر لو أنها نشأت من منبت زكي طاهر؛ ولكنها -وهي تخرج من منبع الربا الملوث- لا تمثل سوى ركام يخنق أنفاس البشرية، ويسحقها سحقا؛ في حين تجلس فوقه شرذمة المرابين العالميين، لا تحس آلام البشرية المسحوقة تحت هذا الركام الملعون! لقد دعا الإسلام الجماعة المسلمة الأولى، ولا يزال يدعو البشرية كلها إلى المشرع الطاهر النظيف، وإلى التوبة من الإثم والخطيئة والمنهج الوبيء: وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم. لا تظلمون ولا تظلمون).. فهي التوبة عن خطيئة. إنها خطيئة الجاهلية. الجاهلية التي لا تتعلق بزمان دون زمان، ولا نظام دون نظام.. إنما هي الانحراف عن شريعة الله ومنهجه متى كان وحيث كان.. خطيئة تنشئ آثارها في مشاعر الأفراد وفي أخلاقهم وفي تصورهم للحياة. وتنشئ آثارها في حياة الجماعة وارتباطاتها العامة. وتنشئ آثارها في الحياة البشرية كلها، وفي نموها الاقتصادي ذاته. ولو حسب المخدوعون بدعاية المرابين، إنها وحدها الأساس الصالح للنمو الاقتصادي!... واسترداد رأس المال مجردا، عدالة لا يظلم فيها دائن ولا مدين.. فأما تنمية المال فلها وسائلها الأخرى البريئة النظيفة. لها وسيلة الجهد الفردي. ووسيلة المشاركة على طريقة المضاربة وهي إعطاء المال لمن يعمل فيه، ومقاسمته الربح والخسارة. ووسيلة الشركات التي تطرح أسهمها مباشرة في السوق -بدون سندات تأسيس تستأثر بمعظم الربح- وتناول الأرباح الحلال من هذا الوجه. ووسيلة إيداعها في المصارف بدون فائدة -على أن تساهم بها المصارف في الشركات والصناعات والأعمال التجارية مباشرة أو غير مباشرة- ولا تعطيها بالفائدة الثابتة -ثم مقاسمة المودعين الربح على نظام معين أو الخسارة إذا فرض ووقعت.. وللمصارف أن تتناول قدرا معينا من الأجر في نظير إدارتها لهذه الأموال.. ووسائل أخرى كثيرة ليس هنا مجال تفصيلها.. وهي ممكنة وميسرة حين تؤمن القلوب، وتصح النيات على ورود المورد النظيف الطاهر، وتجنب المورد العفن النتن الآسن!...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

يعني: إن تمسكتم بالشرط فقد انتقض الصلح بيننا، فاعلموا أنّ الحرب عادت جذعة، فهذا كقوله: « وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء». وتَنكير حرب لقصد تعظيم أمرها؛ ولأجل هذا المقصد عدل عن إضافة الحرب إلى الله وجيء عوضاً عنها بمن ونسبت إلى الله؛ لأنّها بإذنه على سبيل مجاز الإسناد، وإلى رسوله لأنّه المبلغ والمباشر، وهذا هو الظاهر. فإذا صح ما ذكر في سبب نزولها فهو من تجويز الاجتهاد للنبيء صلى الله عليه وسلم في الأحكام إذْ قبل من ثقيف النزول على اقتضاء ما لَهم من الربا عند أهل مكة، وذلك قبل أن ينزل قوله تعالى: {وذروا ما بقي من الربوا}؛ فيحتمل أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى الصلح مع ثقيف على دخولهم في الإسلام مع تمكينهم مما لهم قبل قريش من أموال الربا الثابتة في ذممهم قبل التحريم مصلحة، إذ الشأن أنّ ما سبق التشريع لا ينقض كتقرير أنكحة المشركين، فلم يُقِرّه الله على ذلك وأمر بالانكفاف عن قبض مال الربا بعد التحريم ولو كان العقد قبل التحريم، ولذلك جعلهم على خيرة من أمرهم في الصلح الذي عقدوه.

ودلت الآية على أنّ مجرد العقد الفاسد لا يوجب فوات التدارك إلاّ بعد القبض، ولذلك جاء قبلها « فله ما سلف» وجاء هنا {وذروا ما بقي من الربوا}

إلى قوله {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم}. وهذه الآية أصل عظيم في البيوع الفاسدة تقتضي نقضها، وانتقالَ الضمان بالقبض، والفواتَ بانتقال الملك، والرجوع بها إلى رؤوس الأموال أو إلى القيم إن فاتت، لأنّ القيمة بدل من رأس المال. ورؤوس الأموال أصولها، فهو من إطلاق الرأس على الأصل، وفي الحديث "رأس الأمر الإسلام"...

تفسير الشعراوي 1419 هـ :

في هذه الآية قضية كونية يتغافل عنها كثير من الناس. لقد جاء نظام ليحمي طائفة من ظلم طائفة، ولم يأتي هذا النظام إلا بعد أن وجدت طائفة المرابين الذين ظلموا طائفة الفقراء المستضعفين. وحسب هؤلاء المستضعفين الذين استغِلوا من المرابين أن ينصفهم القرآن وأن يُنهي قضية الربا إنهاءً يعطي الذين رابوا ما سلف لأنهم بنوا حياتهم على ذلك...

ولذلك فالله يقول لمن لا يفعل ما أمر به الله في الربا؛ {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}. أما حرب الله فلا نقول فيها إلا قول الله: {وما يعلم جنود ربك إلا هو} (من الآية 31 سورة المدثر). ولا يستطيع أحد أن يحتاط لها. وأما حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه هي الأمر الظاهر. كأن الله سبحانه وتعالى يجرد على المرابين تجريدة هائلة من جنوده التي لا يعلمها إلا هو، وحرب رسول الله جنودها هم المؤمنون برسوله، وعليهم أن يكونوا حربا على كل ظاهرة من ظواهر الفساد في الكون؛ ليطهّروا حياتهم من دنس الربا...

وكثير من النظريات التي تأتي لتقلب نظاما في مجتمع ما تعمد إلى الطائفة التي ظَلمت، فلا تكتفي بأن تكفها عن الظلم، ولكن تمكن للمظلوم أن يظلم من ظلمه، وذلك هو الإجحاف في المجتمع، وهذا ما يجب أن يتنبه إليه الناس جيدا؛ لأن الله الذي أنصفك أيها المظلوم من ظالمك، فمنع ظلمه لك، هنا يجب أن تحترم حكمه حينما قال: {فله ما سلف} وبهذا القول انتهت القضية...

ويستأنف سبحانه الأمر بعدالة جديدة تجمعك وتجمعه على قدم المساواة بدون ظلم منك أيها المظلوم سابقا بحجة أنه طالما ظلمك. والمجتمعات حين تسير على هذا النظام {لا تظلمون ولا تُظلمون} إنما تسير على نمط معتدل لا على ظلم موجه. فنحن نعيب على قوم أنهم ظلموا، ثم نأتي بقوم لنجعلهم يظلمون، لا.. إن الجميع على قدم المساواة من الآن. وفساد أي نظام في المجتمع يأتي من توجيه الظلم من فئة جديدة إلى فئة قديمة، فبذلك يظل الظلم قائما، طائفة ظَلمت، وتأتي طائفة كانت مظلومة لتظلم الطائفة الظالمة سابقا، نقول لهم: ذلك ظلم موجه، ونحن نريد أن تنتظم العدالة وتشمل كل أفراد المجتمع بأن يأخذ كل إنسان حقه، فالذي ظلم سابقا منعناه عن ظلمه، والمغلوب سابقا أنصفناه، وبذلك يصير الكل على قدم المساواة؛ ليسير المجتمع مسيرة عادلة تحكمه قضية إيمانية. إننا لا نكافئ من عصى الله فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

تتغيّر في هذه الآية لهجة السياق القرآني، فبعد أن كانت الآيات السابقة تنصح وتعظ، تهاجم هذه الآية المرابين بكلّ شدة، وتنذرهم بلهجة صارمة أنّهم إذا واصلوا عملهم الربوي ولم يستسلموا لأوامر الله في الحقّ والعدل واستمرّوا في امتصاص دماء الكادحين المحرومين فلا يسع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاَّ أن يتوسّل بالقوّة لإيقافهم عند حدّهم وإخضاعهم للحق، وهذا بمثابة إعلان الحرب عليهم. وهي الحرب التي تنطلق من قانون: {قاتلوا التي تبغي حتّى تفيء إلى أمر الله}... يتّضح من [ذلك] أنّ هذا الحكم يخصّ الذين ينكرون تحريم الربا في الإسلام. على كلّ حال يستفاد من هذه الآية أنّ للحكومة الإسلامية أن تتوسّل بالقوّة لمكافحة الربا... {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تَظلِمون ولا تُظلَمون}. أمّا إذا تبتم ورجعتم عن غيّكم وتركتم تعاطي الربا فلكم أن تتسلّموا من الناس المدينين لكم رؤوس أموالكم فقط «بغير [زيادة]». وهذا قانون عادل تماماً، لأنّه يحول دون أن تظلموا الناس ودون أن يصيبكم ظلم. إنّ تعبير {لا تَظلِمون ولا تُظلَمون} وإن كان قد جاء بشأن المرابين، ولكنّه في الحقيقة شعار إسلامي واسع وعميق، يعني أنّ المسلمين بقدر ما يجب عليهم تجنّب الظلم، يجب عليهم كذلك أن لا يستسلموا للظلم. وفي الحقيقة لو قلّ الذين يتحمّلون الظلم لقلّ الظالمون أيضاً، ولو أنّ المسلمين أعدّوا العدّة الكافية للدفاع عن حقوقهم لما تمكّن أحد أن يعتدي على تلك الحقوق ويظلمهم. فقبل أن نقول للظالم: لا تظلم، علينا أن نقول للمظلوم: لا تستسلم للظلم...

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ} (279)

الحادية والثلاثون : قوله تعالى : " فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله " هذا وعيد إن لم يذروا الربا ، والحرب داعية القتل . وروى ابن عباس أنه يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب . وقال ابن عباس أيضا : من كان مقيماً على الربا لا ينزع عنه فحق على إمام المسلمين أن يستثيبه ، فإن نزع وإلا ضرب عنقه . وقال قتادة : أوعد الله أهل الربا بالقتل فجعلهم بَهْرجاً{[2613]} أينما ثقفوا{[2614]} . وقيل : المعنى إن لم تنتهوا فأنتم حرب لله ولرسوله ، أي أعداء . وقال ابن خويز منداد : ولو أن أهل بلد اصطلحوا على الربا استحلالاً كانوا مرتدين ، والحكم فيهم كالحكم في أهل الردة ، وإن لم يكن ذلك منهم استحلالاً جاز للإمام محاربتهم ، ألا ترى أن الله تعالى قد أذن في ذلك فقال : " فأذنوا بحرب من الله ورسوله " [ البقرة : 279 ] . وقرأ أبو بكر عن عاصم " فآذنوا " على معنى فأعلموا غيركم أنكم على حربهم .

الثانية والثلاثون : ذكر ابن بكير قال : جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال : يا أبا عبدالله ، إني رأيت رجلاً سكراناً يتعاقر يريد أن يأخذ القمر ، فقلت : امرأتي طالق إن كان يدخل جوف ابن آدم أشر من الخمر . فقال : ارجع حتى أنظر في مسألتك . فأتاه من الغد فقال له : ارجع حتى أنظر في مسألتك فأتاه من الغد فقال له : امرأتك طالق ، إني تصفحت كتاب الله وسنة نبيه فلم أر شيئا أشر{[2615]} من الربا ؛ لأن الله أذن فيه بالحرب .

الثالثة والثلاثون : دلت هذه الآية على أن أكل الربا والعمل به من الكبائر ، ولا خلاف في ذلك على ما نبينه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا ومن لم يأكل الربا أصابه غباره ) وروى الدارقطني عن عبدالله بن حنظلة{[2616]} غسيل الملائكة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لدرهم ربا أشد عند الله تعالى من ست وثلاثين زنية في الخطيئة ) وروي عنه عليه السلام أنه قال : ( الربا تسعة وتسعون بابا أدناها كإتيان الرجل بأمه ) يعني الزنا بأمه . وقال ابن مسعود : آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم . وروى البخاري عن أبي جحيفة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الدم{[2617]} وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور{[2618]} . وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اجتنبوا السبع الموبقات . . . - وفيها - وآكل الربا ) . وفي مصنف أبي داود عن ابن مسعود قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهده .

الرابعة والثلاثون : قوله تعالى : " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " الآية . روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع : ( ألا إن كل رباً من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تَظْلِمون ولا تُظْلَمون ) وذكر الحديث . فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم : " لا تَظْلِمون " في أخذ الربا " ولا تُظْلَمون " في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم . ويحتمل أن يكون " لا تُظْلَمون " في مطل ، لأن مطل الغني ظلم ، فالمعنى أنه يكون القضاء مع وضع الربا ، وهكذا سنة الصلح ، وهذا أشبه شيء بالصلح . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أشار إلى كعب بن مالك في دَيْن ابن أبي حدرد بوضع الشطر فقال كعب : نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للآخر : ( قم فاقضه ) . فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات . وسيأتي في " النساء " {[2619]} بيان الصلح وما يجوز منه وما لا يجوز ، إن شاء الله تعالى .

الخامسة والثلاثون : قوله تعالى : " وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم " تأكيد لإبطال ما لم يُقْبَض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه . فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد ، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع ؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد ، كما أبطل الله تعالى ما لم يقبض ؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض ، ولو كان مقبوضا لم يؤثر . هذا مذهب أبي حنيفة ، وهو قول لأصحاب الشافعي . ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف ، ويروى هذا الخلاف عن أحمد . وهذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا ، وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض . وأما من منع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا ، وذلك أن الربا كان محرما في الأديان ، والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين ، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أموال وصلت إليهم بالغصب{[2620]} والسلب فلا يتعرض له . فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل . واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى ، كما حكي عن اليهود في قوله تعالى " وأخذهم الربا وقد نهوا عنه " {[2621]} [ النساء : 161 ] . وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا :

" أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء " {[2622]} [ هود : 87 ] فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به . نعم ، يفهم من هذا أن العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إن كانت معقودة على فساد .

السادسة والثلاثون : ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ، ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب ؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام . قال ابن العربي : وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه ، ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه كما أن الإهلاك إتلاف لعينه والمثل قائم مقام الذاهب وهذا بين حسا بين معنى . والله أعلم .

قلت : قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من رباً فليردها على من أربى عليه ، ويطلبه إن لم يكن حاضراً ، فإن أيس من وجوده فليتصدق بذلك عنه . وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه . فإن التبس عليه الأمر ولم يدرِ كَمْ الحرام من الحلال مما بيده ، فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده ، حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عُرف ممن ظلمه أو أربى عليه . فإن أيس من وجوده تصدق به عنه . فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبداً لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين وإما إلى ما فيه صلاح المسلمين ، حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبتيه ، وقوت يومه ؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه ، وإن كره ذلك من يأخذه منه . وفارق ههنا المفلس في قول أكثر العلماء ؛ لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه ، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة لباسه . وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته ، ثم كلما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا ، حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه .

السابعة والثلاثون : هذا الوعيد الذي وعد الله به في الربا من المحاربة ، قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله في المخابرة . وروى أبو داود قال : أخبرنا يحيى بن معين قال أخبرنا ابن رجاء{[2623]} قال ابن خيثم حدثني عن أبي الزبير عن جابر بن عبدالله قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من لم يذر المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله ) . وهذا دليل على منع المخابرة وهي أخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع ، ويسمى المزارعة . وأجمع أصحاب مالك كلهم والشافعي وأبو حنيفة وأتباعهم وداود ، على أنه لا يجوز دفع الأرض على الثلث والربع ، ولا على جزء مما تخرج ؛ لأنه مجهول ، إلا أن الشافعي وأصحابه وأبا حنيفة قالوا بجواز كراء الأرض بالطعام إذا كان معلوماً ، لقوله عليه السلام : ( فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به ) خرجه مسلم . وإليه ذهب محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، ومنعه مالك وأصحابه ، لما رواه مسلم أيضا عن رافع بن خديج قال : ( كنا نحاقل بالأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنكريها بالثلث والربع والطعام المسمى ، فجاءنا ذات يوم رجل من عمومتي فقال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعاً ، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا ، نهانا أن نحاقل بالأرض فنكتريها على الثلث والربع والطعام المسمى ، وأمر رب الأرض أن يزرعها أو يزارعها{[2624]} . وكره كراءها وما سوى ذلك ) . قالوا : فلا يجوز كراء الأرض بشيء من الطعام مأكولا كان أو مشروبا على حال ؛ لأن ذلك في معنى بيع الطعام بالطعام نسيئا . وكذلك لا يجوز عندهم كراء الأرض بشيء مما يخرج منها وإن لم يكن طعاما مأكولا ولا مشروبا ، سوى الخشب والقصب والحطب ؛ لأنه عندهم في معنى المزابنة{[2625]} . هذا هو المحفوظ عن مالك وأصحابه . وقد ذكر ابن سحنون عن المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي المدني أنه قال : لا بأس بإكراء الأرض بطعام لا يخرج منها . وروى يحيى بن عمر عن المغيرة أن ذلك لا يجوز ، كقول سائر أصحاب مالك . وذكر ابن حبيب أن ابن كنانة كان يقول : لا تكرى الأرض بشيء إذا أعيد فيها نبت ، ولا بأس أن تكرى بما سوى ذلك من جميع الأشياء مما يؤكل ومما لا يؤكل خرج منها أو لم يخرج منها ، وبه قال يحيى بن يحيى ، وقال : إنه من قول مالك . قال : وكان ابن نافع يقول : لا بأس بأن تكرى الأرض بكل شيء من طعام وغيره خرج منها أو لم يخرج ، ما عدا الحنطة وأخواتها فإنها المحاقلة{[2626]} المنهي عنها . وقال مالك في الموطأ : فأما الذي يعطي أرضه البيضاء بالثلث والربع مما يخرج منها فذلك مما يدخله الغَرَر ؛ لأن الزرع يقل مرة ويكثر أخرى ، وربما هلك رأسا فيكون صاحب الأرض قد ترك كراء معلوما ، وإنما مثل ذلك مثل رجل استأجر أجيرا لسفر بشيء معلوم ، ثم قال الذي استأجر للأجير : هل لك أن أعطيك عشر ما أربح في سفري{[2627]} هذا إجارة لك . فهذا لا يحل ولا ينبغي . قال مالك : ولا ينبغي لرجل أن يؤاجر نفسه ولا أرضه ولا سفينته ولا دابته إلا بشيء معلوم لا يزول . وبه يقول الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما . وقال أحمد بن حنبل والليث والثوري والأوزاعي والحسن بن حي وأبو يوسف ومحمد : لا بأس أن يعطي الرجل أرضه على جزء مما تخرجه نحو الثلث والربع ، وهو قول ابن عمر وطاوس . واحتجوا بقصة خيبر وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عامل أهلها على شطر ما تخرجه أرضهم وثمارهم . قال أحمد : حديث رافع بن خديج في النهي عن كراء المزارع مضطرب الألفاظ ولا يصح ، والقول بقصة خيبر أولى وهو حديث صحيح . وقد أجاز طائفة من التابعين ومن بعدهم أن يعطى الرجل سفينته ودابته ، كما يعطى أرضه بجزء مما يرزقه الله في العلاج بها . وجعلوا أصلهم في ذلك القراض{[2628]} المجمع عليه على ما يأتي بيانه في " المزمل " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : " وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " {[2629]} [ المزمل : 20 ] وقال الشافعي في قول ابن عمر : كنا نخابر ولا نرى بذلك بأساً حتى أخبرنا رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها ، أي كنا نكري الأرض ببعض ما يخرج منها . قال : وفي ذلك نسخ لسنة خيبر .

قلت : ومما يصحح قول الشافعي في النسخ ما رواه الأئمة واللفظ للدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة وعن الثنيا{[2630]} إلا أن تُعلم . صحيح . وروى أبو داود عن زيد بن ثابت قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المخابرة . قلت : وما المخابرة ؟ قال : أن تأخذ الأرض بنصف أو ثلث أو ربع .

الثامنة والثلاثون : في القراءات . قرأ الجمهور " ما بقي " بتحريك الياء ، وسكنها الحسن ، ومثله قول جرير :

هو الخليفة فارضوا ما رضِي لكم *** ماضي العزيمة ما في حكمه جَنَفُ

وقال عمر بن أبي ربيعة :

كم قد ذكرتك لو أُجْزَى بذكركم *** يا أشبهَ الناس كلَّ الناس بالقمرِ

إني لأَجْذَلُ أن أُمْسِي مقابله *** حبّاً لرؤية من أشبهتَ في الصورِ

أصله " ما رضي " و " أن أمسي " فأسكنها وهو في الشعر كثير . ووجهه أنه شبه الياء بالألف فكما لا تصل الحركة إلى الألف ، فكذلك لا تصل هنا إلى الياء . ومن هذه اللغة أحب أن أدعوك ، وأشتهي أن أقضيك{[2631]} ، بإسكان الواو والياء . وقرأ الحسن " ما بقى " بالألف ، وهي لغة طيء ، يقولون للجارية : جاراة{[2632]} ، وللناصية : ناصاة ، وقال الشاعر :

لعمركَ لا أخشى التَّصَعْلُكَ ما بقى *** على الأرض قَيْسِيٌ يسوق الأباعرا

وقرأ أبو السمال من بين جميع القراء " من الربو " بكسر الراء المشددة وضم الباء وسكون الواو . وقال أبو الفتح عثمان بن جني : شذ هذا الحرف من أمرين ، أحدهما : الخروج من الكسر إلى الضم ، والآخر وقوع الواو بعد الضم في آخر الاسم . وقال المهدوي . وجهها أنه فخم الألف فانتحى بها نحو الواو التي الألف منها ، ولا ينبغي أن يحمل على غير هذا الوجه ، إذ ليس في الكلام اسم آخره واو ساكنة قبلها ضمة . وأمال الكسائي وحمزة " الربا " لمكان الكسرة في الراء . الباقون بالتفخيم لفتحة الباء . وقرأ أبو بكر عن عاصم وحمزة " فآذنوا " على معنى فآذنوا غيركم ، فحذف المفعول . وقرأ الباقون " فأذنوا " أي كونوا على إذن ، من قولك : إن على علم ، حكاه أبو عبيد{[2633]} عن الأصمعي . وحكى أهل اللغة أنه يقال : أذنت به إذنا ، أي علمت به . وقال ابن عباس وغيره من المفسرين : معنى " فأذنوا " فاستيقنوا الحرب من الله تعالى ، وهو بمعنى الإذن . ورجح أبو علي وغيره قراءة المد قال : لأنهم إذا أمروا بإعلام غيرهم ممن لم ينته عن ذلك علموا هم لا محالة . قال : ففي إعلامهم علمهم وليس في علمهم إعلامهم . ورجح الطبري قراءة القصر ، لأنها تختص بهم . وإنما أمروا على قراءة المد بإعلام غيرهم . وقرأ جميع القراء " لا تظلمون " بفتح التاء " ولا تظلمون " بضمها . وروى المفضل عن عاصم " لا تظلمون " " ولا تظلمون " بضم التاء في الأولى وفتحها في الثانية على العكس . وقال أبو علي : تترجح قراءة الجماعة بأنها تناسب قوله : " وإن تبتم " في إسناد الفعلين إلى الفاعل ، فيجيء " تظلمون " بفتح التاء أشكل بما قبله .


[2613]:- البهرج: الشيء المباح.
[2614]:- ثقفه: أخذه أو ظفر به أو صادفه.
[2615]:- في جـ و هـ وب: أشد.
[2616]:- في الاستيعاب: أن حنظلة الغسيل قتل يوم أحد شهيدا قتله أبو سفيان. كان قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد ثم هجم عليه من الخروج في النفير ما أنساه الغسل وأعجله عنه، فلما قتل شهيدا أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة غسلته.
[2617]:- أي أجرة الحجامة، وأطلق عليه الثمن تجوزا.
[2618]:- اعتمدنا الحديث كما في صحيح البخاري راجع العسقلاني جـ10 ص 330.
[2619]:- راجع جـ5 ص 385، 405.
[2620]:- في أ: بالهبة فلا يتعرض له، فلا معنى له، وإنما لا يتعرض له؛ لأن الإسلام يجب ما قبله، وفي جـ: بالنهب.
[2621]:- راجع جـ6 ص 12.
[2622]:- راجع جـ9 ص 86 و 87.
[2623]:- كذا في جـ، هـ. وهو الصواب كما في سنن أبو داود، وفي ا، ب، جـ: أبو رجاء.
[2624]:- كذا في ا: وهو ما نهى عنه، والذي في ب، جـ، حـ، هـ: يزرعها أو يُزرعها. أي أمكن غيره من زرعها وهذا في معنى الحديث "من كانت له فليزرعها أو ليمنحها أخاه"
[2625]:- المزابنة: كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده يتبع بشيء مسمى من الكيل أو الوزن أو العدد. وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام المصير الذي لا يعلم كيله من الحنطة أو التمر أو ما أشبه ذلك من الأطعمة. أو يكون للرجل السلعة من الخبط أو النوى أو القضب أو العصفر أو الكرسف أو الكتان أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شيء، من ذلك لا وزنه ولا عدده، فيقول الرجل لرب تلك السلعة: كِل سلعتك هذه أو مر من يكيلها أو زن من ذلك بوزن أو اعدد منها ما كان يعد فما نقص عن كيل كذا وكذا صاعا، لتسمية يسميها. أو وزن كذا وكذا رطلا أو عدد كذا وكذا فما ينقص من ذلك فعلى غرمه حتى أوفيك تلك التسمية، وما زاد على تلك التسمية فهو لي أضمن ما نقص من ذلك، على أن يكون لي ما زاد، وليس ذلك بيعا ولكنه المخاطرة، والغرر والقمار يدخل هذا. وقيل: المزابنة اسم لبيع التمر بالتمر كيلا، ورطب كل جنس بيابسه، ومجهول منه بمعلوم (عن الموطأ).
[2626]:- المحاقلة: بيع الزراع قبل بدو صلاحه. وقيل: بيع الزرع في سنبله بالحنطة. وقيل: المزارعة على نصيب معلوم بالثلث أو الربع أو أقل من ذلك أو أكثر. وقيل اكتراء الأرض بالحنطة.
[2627]:- في جـ: سفرك.
[2628]:- القراض (بكسر القاف) عند المالكية هو ما يسمى بالمضاربة عند الحنفية، وهو إعطاء المقارض (بكسر الراء وهو رب المال) المقارض (بفتح الراء وهو العمل) مالا ليتجر به على أن يكون له جزء معلوم من الربح.
[2629]:- راجع جـ19 ص 54.
[2630]:- الثنيا: هي أن يستثني في عقد البيع شيء مجهول فيفسده. وقيل: هو أن يباع شيء جزافا، فلا يجوز أن يستثنى منه شيء قل أو كثر. وتكون "الثنيا" في المزارعة أن يستثنى بعد النصف أو الثلث كيل معلوم. (عن النهاية).
[2631]:- في جـ: أوصيك.
[2632]:- في جـ وب: جاراه، ناصاه.
[2633]:-في ب: أبو عل.