تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس} يعني مشركي العرب، والنجس: الذي ليس بطاهر، الأنجاس: الأخباث، {فلا يقربوا المسجد الحرام}، يعني أرض مكة، {بعد عامهم هذا}، يعني بعد عام كان أبو بكر على الموسم. قال ابن ثابت: قال أبي: في السنة التاسعة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: {وإن خفتم عيلة}، وذلك أن الله عز وجل أنزل بعد غزاة تبوك: {فاقتلوا المشركين...} إلى قوله: {... كل مرصد}، فوسوس الشيطان إلى أهل مكة، فقال: من أين تجدون ما تأكلون، وقد أمر أنه من لم يكن مسلما أن يقتل ويؤخذ الغنم، ويقتل من فيها، فقال الله تعالى: امضوا لأمري وأمر رسولي، {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء}، ففرحوا بذلك، فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون، فأسلم أهل نجد، وجرش وأهل صنعاء، فحملوا الطعام إلى مكة على الظهر، فذلك قوله: {وإن خفتم عيلة}، يعنى الفقر، {فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} {إن الله عليم حكيم}...
الجصاص: قال مالك: لا يدخل المشرك المسجد الحرام ولا غيره من المساجد إلا لحاجة من نحو الذمي يدخل إلى الحاكم في المسجد للخصومة.
قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا اَلْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} الآية... فسمعت بعض أهل العلم يقول: المسجد الحرام: الحَرَم... وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا ينبغي لمسلم أن يؤدي الخراج ولا لمشرك أن يدخل الحرم»...
وسمعت عددا من أهل العلم بالمغازي يروون أنه كان في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم: « لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا». فإن سأل أحد ممن تؤخذ منه الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يترك يدخل الحرم بحال، فليس للإمام أن يقبل منه على ذلك شيئا، ولا أن يدع مشركا يطأ الحرم بحال من الحالات طبيبا كان أو صانعا بنيانا، أو غيره، لتحريم الله عز وجل دخول المشركين المسجد الحرام، وبعده تحريم رسوله ذلك...
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله وأقرّوا بوحدانيته: ما المشركون إلا نجس.
واختلف أهل التأويل في معنى النجَس وما السبب الذي من أجله سماهم بذلك؛ فقال بعضهم: سماهم بذلك لأنهم يُجْنِبون فلا يغتسلون، فقال: هم نجس، ولا يقربوا المسجد الحرام، لأن الجنب لا ينبغي له أن يدخل المسجد... وقال آخرون: معنى ذلك: ما المشركون إلا رجس خنزير أو كلب. وهذ قول رُوي عن ابن عباس من وجه غير حميد، فكرهنا ذكره.
وقوله:"فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا" يقول للمؤمنين: فلا تدعوهم أن يقربوا المسجد الحرام بدخولهم الحرَم، وإنما عني بذلك منعهم من دخول الحرَم، لأنهم إذا دخلوا الحرَم فقد قربوا المسجد الحرام.
وقد اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم فيه نحو الذي قلناه... إنما عنى مكة والحرَم... وأما قوله: "بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا "فإنه يعني: بعد العام الذي نادى فيه عليّ رحمة الله عليه ببراءة، وذلك عامَ حجّ بالناس أبو بكر، وهي سنة تسع من الهجرة. كما:
حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله: فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا وهو العام الذي حجّ فيه أبو بكر، ونادى عليّ رحمة الله عليهما بالأذان وذلك لتسع سنين مضين من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحجّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم من العام المقبل حِجة الوداع لم يحجّ قبلها ولا بعدها.
وقوله: "وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً" يقول للمؤمنين: وإن خفتم فاقة وفقرا، بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام. "فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شَاءَ" يقال منه: عال يَعِيل عَيْلَةً وعُيُولاً،... وذكر عن عمر بن فائد أنه كان تأوّل قوله: "وَإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً" بمعنى: وإذ خفتم، ويقول: كان القوم قد خافوا، وذلك نحو قول القائل لأبيه: إن كنت أبي فأكرمني، بمعنى: إذ كنت أبي. وإنما قيل ذلك لهم، لأن المؤمنين خافوا بانقطاع المشركين عن دخول الحرم انقطاع تجاراتهم ودخول ضرر عليهم بانقطاع ذلك، وأمّنهم الله من العَيْلة وعوّضهم مما كانوا يكرهون انقطاعه عنهم ما هو خير لهم منه، وهو الجزية، فقال لهم: "قاتلُوا الّذِينَ لا يُؤْمنُونَ باللّهِ وَلا باليَوْمِ الاَخِرِ وَلا يُحَرّمُونَ ما حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ..." إلى: "صَاغِرُونَ"،وقال قوم بإدرار المطر عليهم.
عن ابن عباس، قوله: يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا إنّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرَامِ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا قال: لما نفى الله المشركين عن المسجد الحرام ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين الحزن، قال: من أين تأكلون وقد نُفي المشركون وانقطعت عنكم العِير؟ فقال الله: "وَإنْ خِفْتُمْ عَيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ إنْ شاءَ" فأمرهم بقتال أهل الكتاب، وأغناهم من فضله.
وأما قوله: "إنّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" فإن معناه: إن الله عليم بما حدثْتكم به أنفسكم أيها المؤمنون من خوف العيلة عليها بمنع المشركين من أن يقربوا المسجد الحرام، وغير ذلك من مصالح عباده، "حكيم" في تدبيره إياهم وتدبير جميع خلقه.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
النهي الذي ورد عن دخول المسجد إنما هو نهي عن الحج نفسه؛ لأن البيت هو الذي يُقصد إليه فيه. ألا ترى أنه قال: (ولله على الناس حج البيت) الآية [آل عمران: 93] وقال (فمن حج البيت أو اعتمر) الآية [البقرة: 158] وقال (وليطوفوا بالبيت العتيق)؟ [الحج: 29] ذكر البيت، وهو المقصود بالحج في الإسلام والكفر جميعا. فعلى ذلك خرج النهي
وقوله تعالى: (إنما المشركون نجس) أي أفعال المشركين نجس، والعبادات التي يأتون فيها نجس، وهو ما ذكر حين قال: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) [المائدة: 90] صير عمل الشيطان رجسا. فعلى ذلك العبادات التي يقيمونها نجس، فالنهي عن الحج نهي عن إقامة العبادات لغير الله لأن تلك البقعة نزهت عن إقامة العبادات لغير الله.
وفي قوله تعالى: (وإن خفتم عيلة) دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم لأنه معلوم أنهم أضمروا ذلك في أنفسهم، ثم أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، دل أنه إنما عرف ذلك بالله.
إطلاق اسم النجس على المشرك من جهة أن الشرك الذي يعتقده يجب اجتنابه كما يجب اجتناب النجاسات والأقذار؛ فلذلك سماهم نَجَساً. والنجاسة في الشرع تنصرف على وجهين، أحدهما: نجاسة الأعيان، والآخر: نجاسة الذنوب. وإنما كانت خشية العَيْلَةِ لانقطاع تلك المواسم بمنعهم من الحج لأنهم كانوا ينتفعون بالتجارات التي كانت تكون في مواسم الحج، فدلّ ذلك على أن مراد الآية الحج. ويدل عليه اتفاق المسلمين على منع المشركين من الحج والوقوف بعرفة والمزدلفة وسائر أفعال الحج وإن لم يكن في المسجد قوله تعالى: {وإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ}؛ فإن العَيْلَةَ الفقرُ.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
قوله عز وجل: {يَا أيُّهَا الذين آمنوا إنما المشركون نجس} فيه أربعة أقاويل: أحدها أنهم أنجاس الأبدان كنجاسة الكلب والخنزير، قاله عمر بن عبد العزيز رحمه الله
والثاني أنه سماهم أنجاسا لأنهم يجنبون ولا يغتسلون، فصاروا لوجوب الغسل عليهم كالأنجاس وإن لم تكن أبدانهم أنجاسا، قاله قتادة.
و الثالث أنه لما كان علينا أن نتجنبهم كما نتجنب الأنجاس ونمنعهم من مساجدنا كما نمنعها من الأنجاس، فصاروا بالاجتناب في حكم الأنجاس. وهذا قول كثير من أهل العلم.
و الرابع: أن النجس هاهنا بمعنى الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر، وخبث الباطن بالعداوة، قاله مقاتل.
وقوله تعالى: {إن شاء} يعلمهم أن الغنى لا يكون بالاجتهاد والسعي و إنما هو من الله سبحانه في إغناء من شاء حثا على طاعته وتحذيرا من معصيته.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
قوله جلّ ذكره: {وَإِنْ خِفْتُمْ عِيلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}. تَوَقُّعُ الأرزاقِ من الأسبابِ من قضايا انغلاق باب التوحيد، فَمَنْ لم يفْرِدْ معبودَه بالقسمة بَقِيَ في فقرٍ مُسَرْمَدٍ.
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي 468 هـ :
{إن الله عليم} بما يصلحكم {حكيم} فيما حكم في المشركين..
جهود الإمام الغزالي في التفسير 505 هـ :
تنبيها للعقول على أن الطهارة والنجاسة غير مقصورة على الظواهر بالحس، فالمشرك قد يكون نظيف الثوب مغسول البدن ولكنه نجس الجوهر، أي باطنه ملطخ بالخبائث. والنجاسة عبارة عما يجتنب ويطلب البعد منه، وخبائث صفات الباطن أهم بالاجتناب، فإنها مع خبثها في الحال مهلكات في المآل. [نفسه: 1/62]
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{إِنَّ الله عَلِيمٌ} بأحوالكم {حَكِيمٌ} لا يعطي ولا يمنع إلاّ عن حكمة وصواب.
أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قَوْله تَعَالَى {إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ}:
اعْلَمُوا -وَفَّقَكُمْ اللَّهُ- أَنَّ النَّجَاسَةَ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ حِسِّيَّةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، أَمَرَ اللَّهَ بِإِبْعَادِهَا، كَمَا أَمَرَ بِإِبْعَادِ الْبَدَنِ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَدَثِ، وَكِلَاهُمَا أَمْرٌ شَرْعِيٌّ لَيْسَ بِعَيْنٍ حِسِّيَّةٍ...
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}:
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَقْرَبُونَ مَسْجِدًا سِوَاهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ -وَهِيَ النَّجَاسَةُ- مَوْجُودَةٌ فِيهِمْ، وَالْحُرْمَةُ مَوْجُودَةٌ فِي الْمَسْجِدِ...
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: هَذَا الْقَوْلُ وَالْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ.
فَأَمَّا مَسْجِدُ الْمَدِينَةِ فَلَا يَزِيدُ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِ؛ إذْ قَدْ دَخَلَ أَبُو سُفْيَانَ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ مُشْرِكٌ عِنْدَ إقْبَالِهِ لِتَجْدِيدِ الْعَهْدِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ حِينَ خَشِيَ نَقْضَ الصُّلْحِ بِمَا أَحْدَثَهُ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ.
قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا ضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ فَإِنَّ الْجَوَابَ عَنْهُ ظَاهِرٌ، وَذَلِكَ أَنَّ دُخُولَ ثُمَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَدُخُولَ أَبِي سُفْيَانَ فِيهِ عَلَى الْحَدِيثِ الْآخَرِ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ قَوْله تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا}؛ فَمَنَعَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ من دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ نَصًّا، وَمَنَعَ من دُخُولِ سَائِرِ الْمَسَاجِدِ تَعْلِيلًا بِالنَّجَاسَةِ، وَلِوُجُوبِ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ كُلِّ نَجَسٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: قَوْلُهُ {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ من فَضْلِهِ}:
الْمَعْنَى: إنْ خِفْتُمْ الْفَقْرَ بِانْقِطَاعِ مَادَّةِ الْمُشْرِكِينَ عَنْكُمْ بِالتِّجَارَةِ الَّتِي كَانُوا يَجْلِبُونَهَا فَإِنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُ عَنْهَا؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِالْأَسْبَابِ فِي الرِّزْقِ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الرِّزْقُ مَقْدُورًا، وَأَمْرُ اللَّهِ وَقَسْمُهُ لَهُ مَفْعُولًا، وَلَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِالْأَسْبَابِ حِكْمَةً؛ لِتَعْلَمَ الْقُلُوبُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْأَسْبَابِ من الْقُلُوبِ الَّتِي تَتَوَكَّلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْبَابِ، وَلَيْسَ يُنَافِي النَّظَرَ إلَى السَّبَبِ التَّوَكُّلُ من حَيْثُ إنَّهُ مُسَخَّرٌ مَقْدُورٌ؛ وَإِنَّمَا يُضَادُّ التَّوَكُّلَ النَّظَرُ إلَيْهِ بِذَاتِهِ، وَالْغَفْلَةُ عَنْ الَّذِي سَخَّرَهُ فِي أَرْضِهِ وَسَمَاوَاتِهِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا).
فَأَخْبَرَ أَنَّ التَّوَكُّلَ الْحَقِيقِيَّ لَا يُضَادُّهُ الْغُدُوُّ وَالرَّوَاحُ فِي طَلَبِ الرِّزْقِ... الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ: قَوْلُهُ: {مِنْ فَضْلِهِ}:
الْأَوَّلُ: من حَيْثُ شَاءَ، وَعَلِمَ؛ لِعُمُومِ فَضْلِهِ، وَسَعَةِ رِزْقِهِ وَرَحْمَتِهِ.
الثَّانِي: بِالْمَطَرِ وَالنَّبَاتِ وَخِصْبِ الْأَرْضِ، فَأَخْصَبَ تَبَالَةُ وَجُرَشُ، فَحَمَلُوا إلَى مَكَّةَ الطَّعَامَ وَالْوَدَكَ، وَأَسْلَمَ أَهْلُ نَجْدٍ وَصَنْعَاءَ.
وَهَذَا كُلُّهُ من الْمَعَانِي الَّتِي يَحْتَمِلُهَا اللَّفْظُ وَيُرَادُ بِهِ جَمِيعُهَا، وَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ عَنْ الْكُفَّارِ فِيمَا يَجْلِبُونَ من التِّجَارَةِ وَالرِّزْقِ إلَيْكُمْ بِجَلْبِكُمْ أَنْتُمْ لَهَا وَاسْتِغْنَائِكُمْ عَنْهَا بِأَنْفُسِكُمْ فِي كُلِّ وَجْهٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ: قَوْلُهُ: {إنْ شَاءَ}:
قَالَ عُلَمَاؤُنَا: لِيَعْلَمَ الْخَلْقُ أَنَّ الرِّزْقَ لَيْسَ بِالِاجْتِهَادِ، وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ من اللَّهِ تَعَالَى تَوَلَّى قِسْمَتَهُ، وَذَلِكَ بَيِّنٌ فِي قَوْلِهِ: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ...} الآية.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه إذ أمَّره على الحج سنة تسع أن يبلغ الناس أنه لا يحج بعد ذك العام مشرك، ثم أمر علياً رضي الله عنه أن يتبع أبا بكر فيقرأ على الناس أوائل سورة براءة يوم الحج الأكبر، وأن ينادي بأن لا يحج بعد ذلك العام مشرك. وقد كانت هذه الآية من الآيات الأربعين التي أمر علي كرم الله وجهه بالنداء بها وهي أبلغ من منع المشركين من الحج كما سيأتي.
ولفظ (نجس) فيها بالتحريك مصدر نجس الشيء (من باب تعب)، فهو نجس- بكسر الجيم إذا كان قذراً غير نظيف، والاسم النجاسة. والوصف بالمصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع من كل منهما، ويراد به المبالغة في الوصف بجعل الموصوف كأنه عين الصفة. وإذا وصف الإنسان بأنه نجس أريد به أنه شرير خبيث النفس، وإن كان طاهر البدن والثوب في الحس. وإذا وصف به الداء أو صاحبه أريد به أنه عضال لا يبرأ، ولم يذكر هذا اللفظ ولا كلمة من هذه المادة في غير هذه الآية من التنزيل، وهو يستعمل في اللغة بمعنى القذر والخبيث حسا أو معنى كالرجس الذي تكرر ذكره فيه كما تقدم في تفسير آية التحريم الخمر من سورة المائدة (ج7 تفسير).
وفي لسان العرب: النجس والنجس (بالفتح والكسر) والنجس بالتحريك القذر من الناس ومن كل شيء قذرته، ثم قال: وداء نجس وناجس ونجيس عقام لا يبرأ منه، وقد يوصف به صاحب الداء. والنجس اتخاذ عوذة للصبي وقد نجَّس له ونجَّسه عوذه. (قال) الجوهري: والتنجيس شيء كانت العرب تفعله كالعوذة تدفع بها العين. (وقال) الليث: المنجس الذي يعلق عليه عظام أو خرق. ويقال للمعوذ: منجّس، وكان أهل الجاهلية يعلقون على الصبي ومن يخاف عليه عيون الجن الأقذار من خرق المحيض ويقولون الجن لا تقربها اه ملخصا بحروفه، وفيه أن المراد من التنجس رفع النجس يعني ضرر الجن كالتحرج والتأثم والتحنث، وهو الفعل الذي يخرج به فاعله من الحرج والإثم والحنث.
وقال الراغب: النجاسة القذارة، وذلك ضربان: ضرب يدرك بالحاسة وضرب يدرك بالبصيرة. والثاني وصف الله به المشركين فقال: {إنما المشركون نجس} ويقال نجسه إذا جعله نجساً، ونجسه أيضا أزال نجسه. ومنه تنجيس العرب، وهو شيء كانوا يفعلونه من تعليق عوذة على الصبي ليدفعوا عنه نجاسة الشيطان. والناجس والنجيس داء خبيث لا دواء له اه.
أقول: لا تزال سلائل العرب في البدو والحضر يقولون فلان نجس بمعنى خبيث ضار مؤذ. كما أن الجاهلين منهم بالإسلام لا يزالون يعلقون التناجيس والتعاويذ على الأولاد لوقايتهم من الجن والعين الخبيثة من الإنس. وكذلك العبرانيون يسمون الداء العضال نجساً وصاحبه نجساً وشفاءه طهارة.
وظاهر كلام الراغب وغيره أن إطلاق النجس على القذر والخبث الحسي والمعنوي حقيقة فيهما، وهو الذي أفهمه، ومنه المعاصي والداء العضال، وقد ذكرهما الزمخشري في قسم الحقيقة، ونقل قول الحسن في رجل تزوج امرأة قد زنى بها: هو أنجسها، فهو أحق بها. وقولهم في الداء وذكر منها شاهداً في البيت قول ساعدة بن جؤية:
والشيب داء نجيس لا دواء له للمرء كان صحيحا صائب القحَم 200
وفسره بقوله: أي هو داء عياء للرجل الصحيح الجلد الذي إذا تقحم في الشدائد صاب فيها ولم يخطئ.
قال: ومن المجاز الناس أجناس، وأكثرهم أنجاس، ونجسته الذنوب {إنما المشركون نجس} وتقول لا ترى أنجس من الكافر، ولا أنجس من الفاجر اه.
هذا تحقيق معنى النجس والنجاسة في اللغة. وأما في عرف الفقهاء فالنجس ما يجب التطهير لما يصيبه، سواء أكان قذراً في الحس كالبول والغائط أم لا كالخمر والخنزير والكلب عند من يقول بنجاسة أعيانها وهم الأكثرون. ومن ثم قال بعضهم بنجاسة أعيان المشركين ووجوب تطهير ما تصيبه أبدانهم مع البلل. وحكي هذا القول عن ابن عباس والحسن البصري ومالك، وعن الهادي والقاسم والناصر من أئمة العترة، وهو مذهب جمهور الظاهرية والشيعة الإمامية. وجمهور السلف والخلف على خلافه، ومنهم أهل المذاهب الأربعة، والآية ليست نصا ولا ظاهراً راجحاً فيه، والسنة العملية لا تؤيده بل تنفيه، ولا سيما قول من يجعل أهل الكتاب مشركين كالإمامية، فإن إباحة طعام أهل الكتاب ونكاح نسائهم نزل في سورة المائدة وهي آخر ما نزل، فهي بعد سورة التوبة بالإجماع، وإباحتهما تستلزم طهارتهما.
ومن المعلوم القطعي لكل مطلع على السيرة النبوية وتاريخ ظهور الإسلام بالضرورة أن المسلمين كانوا يعاشرون المشركين ويخالطونهم- ولا سيما بعد صلح الحديبية- إذ امتنع اضطهاد المشركين وتعذيبهم لمن لا عصبية له ولا جوار يمنعه منهم، وكانت رسلهم ووفودهم ترد على النبي صلى الله عليه وسلم ويدخلون مسجده، وكذلك أهل الكتاب كنصارى نجران واليهود، ولم يعامل أحد أحداً منهم معاملة الأنجاس، ولم يأمر بغسل شيء مما أصابته أبدانهم، بل روي عنه ما يدل على خلاف ذلك مما احتج به الجمهور على طهارة أبدانهم من الأحاديث الصحيحة، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم توضأ من مزادة مشركة، وأكل من طعام اليهود، وربط ثمامة بن أثال وهو مشرك بسارية من سواري المسجد، ومنها إطعامه هو وأصحابه للوفد من الكفار ولم يأمر صلى الله عليه وسلم بغسل الأواني التي كانوا يأكلون ويشربون فيها، وروى أحمد وأبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك علينا.
وقد استدل القائلون بنجاسة الكافر بمفهوم حديث (إن المؤمن لا ينجس) 201، وقد رواه الجماعة كلهم من حديث أبي هريرة وجاء بلفظ «المسلم» من حديث حذيفة رواه الجماعة إلا البخاري والترمذي، وهو مفهوم لقب وليس بحجة عند الجمهور القائلين بمفهوم المخالفة، وأبو حنيفة لا يقول به. واستدلوا أيضا بحديث الأمر بغسل آنية أهل الكتاب والأكل فيها إن لم يوجد غيرها وهو في الصحيحين من حديث أبي ثعلبة، وقد بين أبو داود علته وهو قوله: إنهم يأكلون لحم الخنزير ويشربون الخمر. وكذا حديث إنقاء أواني المجوس غسلاً والطبخ فيها، وهذا كله من الأمر بالنظافة، ولا دلالة فيه على نجاسة أعيان الناس بمعنى القذر الذي يزال بالغسل.
وجملة القول: إن لفظ النجس في القرآن جاء بالمعنى اللغوي المعروف عند العرب لا بالمعنى العرفي عند الفقهاء، وكانت العرب تصف بعض الناس بالنجس وتريد به الخبث المعنوي كالشر والأذى، وإلا لما وصفوا به بعض الناس دون بعض، كما تقدم في قول الأساس: الناس أجناس، وأكثرهم أنجاس. ولا يطلقون النجس بمعنى القذر الذي يطلب غسله حتى إذا زال سمي طاهراً إلا فيما يدرك قذره وخبثه بالحس كالرائحة القبيحة.
هذا هو الحق الظاهر. وما أفك عنه من أفك إلا بتحكيم الاصطلاحات الفقهية وغيرها في استعمال اللغة الفصحى التي نزل بها القرآن، ومن الغريب أخذ الرازي الشافعي المذهب بالقول الشاذ المخالف للحس، واستعمال اللغة في نجاسة المشركين بعد بيان الشافعي العربي وأصحابه لبطلانه، وقد اتبعه الألوسي في ذلك على سعة اطلاعه في الفقه واللغة وكان شافعيا ثم صار مفتيا للحنفية. وما أطلت في هذا البحث اللغوي، إلا لتفنيد رأيهما حتى لا يغتر به أحد في هذا العصر الذي صار فيه الكثيرون من الشعوب غير الإسلامية أشد عناية من المسلمين بالنظافة التي جعلها المقلدون أحكاما تعبدية يكابرون فيها الحس واللغة والقياس وحكمة الشارع. ويوقعون مقلديهم في أشد الحرج في السفر، وفي عداوة البشر. إذا فهمت هذا فهاك تفسير الآية.
{يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} أي ليس المشركون كما تعلمون من حالهم إلا أنجاسا فاسدي الاعتقاد، يشركون بالله ما لا ينفع ولا يضر، فيعبدون الرجس من الأوثان والأصنام، ويدينون بالخرافات والأوهام، ولا يتنزهون عن النجاسات ولا الآثام، ويأكلون الميتة والدم من الأقذار الحسية، ويستحلون القمار والزنا من الأرجاس المعنوية، ويستبيحون الأشهر الحرم. وقد تمكنت صفات النجس منهم حساً ومعنى حتى كأنهم عينه وحقيقته، فلا تمكنوهم بعد هذا العام أن يقربوا المسجد الحرام بدخول أرض الحرم فضلاً عن دخول البيت نفسه وطوافهم عراة فيه، يشركون بربهم في التلبية، وإذا صلوا لم تكن صلاتهم عنده إلا مكاء وتصدية. وقيل المراد بنجاستهم تلبسهم بها دائما لعدم تعبدهم بالطهارة كالمسلمين، وقول الجمهور بأن المراد النجاسة المعنوية أظهر، والجمع بين القولين أولى لأنه أعم.
وأما القول بنجاسة أعيانهم فهو لا معنى له في لغة القرآن إلا قذارتها الذاتية ونتنها، وذوات المشركين كذوات سائر البشر بشهادة الحس، ومن كابر شهادة الحس كابر دلالة النظر العقلي واللغوي بالأولى. ولا يصح أن تكون نجاسة تعبدية إلا بنص صريح في إيجاب غسل ما اتصل بها مع البلل، وهو لا وجود له وإنما الموجود خلافه كما تقدم. وقد اتبع القائلون به سنن بعض وثنيي الهند وبعض متعصبي النصارى الذين يعدون كل من لم يعتمد نجساً وما هذا بمذهب، ولكنه من سخافات التعصب، وقد كان هؤلاء ولا يزالون يرون أن هذه المعمودية 202 تغني صاحبها على الغسل من الجنابة أو مطلقا، وحكي لنا عن كثير منهم أنه تمر عليه الشهور والأحوال ولا يغتسل فيها لأجل ذلك، ويعلل بعض قسوسهم المتعصبين عناية المسلمين بالطهارة من الأحداث والأنجاس بأن أبدانهم يخرج منها الدود دائما لعدم تعمدهم، وقد حدثنا فضلاء المصريين أنه كان في فرنسة فرأى أن غلاما لصاحب الفندق الذي كان فيه ينظر في الماء الذي يتوضأ فيه الوضوء الشرعي أو اللغوي ثم يذهب إلى والدته فيوشوشها، فلما تكرر ذلك منه سأل والدته عن ذلك وما يقوله لها؟ فتمنعت فألح فأخبرته أنه يقول لها يا أمي إنني لا أرى في الماء الذي يغسل فيه هذا المسلم وجهه ويديه دودا كما قال لنا معلمنا القسيس!!!.
وقد اختلف الفقهاء في دخول غير المشركين من الكفار المسجد الحرام وغيره من المساجد وبلاد الإسلام، وقد لخص أقوالهم البغوي في تفسير الآية، ونقله عنه الخازن ببعض تصرف وبغير عزو، فقال:
وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أقسام:
أحدها: الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، ذمياً كان أو مستأمناً، لظاهر هذه الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك، فلو جاء رسول من دار الكفر والإمام في الحرم فلا يأذن له في دخول الحرم؛ بل يخرج إليه بنفسه، أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم، وجوز أبو حنيفة وأهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم.
القسم الثاني من بلاد الإسلام: الحجاز، وحده ما بين اليمامة واليمن ونجد، والمدينة الشريفة قيل: نصفها تهامي ونصفها حجازي، وقيل: كلها حجازي. وقال الكلبي: حد الحجاز ما بين جبلي طيء وطريق العراق، سمي حجازا لأنه حجز بين تهامة ونجد، وقيل: لأنه حجز بين نجد والسراة، وقيل: لأنه حجز بين نجد وتهامة والشام. قال الحربي: وتبوك من الحجاز. فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن، ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر، وهو ثلاثة أيام.
(روى مسلم) عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب فلا أترك فيها إلا مسلماً) 203. زاد في رواية لغير مسلم: وأوصى فقال: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) 204، فلم يتفرغ لذلك أبو بكر، وأجلاهم عمر في خلافته، وأجل لمن يقدم تاجرا ثلاثا.
عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) 205 أخرجه مالك في الموطأ مرسلا. (وروى مسلم) عن جابر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم) 206. قال سعيد بن عبد العزيز: جزيرة العرب ما بين الوادي إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر، وقال غيره: حد جزيرة العرب من أقصى (عدن أبين) إلى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام عرضا.
القسم الثالث: سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان وذمة، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم اه.
وقد ذكرنا الأحاديث الصحيحة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإخراج المشركين وأهل الكتاب من جزيرة العرب، وأن لا يبقى فيها دينان، مع بيان حكمة ذلك في خاتمة الكلام على معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لليهود في السلم والحرب، وإجلائهم من جواره في المدينة، وإجلاء عمر ليهود خيبر وغيرهم ونصارى نجران عملاً بوصيته في مرض موته صلى الله عليه وسلم (ج 10).
{وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء} العيلة الفقر. يقال عال الرجل يعيل عيلا وعيلة (ككال يكيل) إذا افتقر فهو عائل، وأعال كثر عياله، وهو يعول عيالا كثيرين أي يمونهم ويكفيهم أمر معاشهم. ونكر العيلة لأن المراد بها ضرب من ضروبها التي يخشاها أهل مكة وهي ما يحدث من قلة جلب الأرزاق إليها، والمتاع بالتجارة، وإنما كان يجلبها المشركون من تجارها وممن حولها من أصحاب المزارع في شعابها ووديانها وما يقرب منها من البلاد ذات البساتين والمزارع كالطائف، وكذا ما كانوا يسوقونه من الهدي للحرم ويتمتع به فقراؤه، فأزال تعالى ما كانوا يخافون من العيلة بقلة مواد المعيشة إذا منع المشركون من المجيء إليها بوعدهم بأن يغنيهم من فضله إن شاء، وفضله كثير، فقد صاروا بعد الإسلام ومنع المشركين من الحرم أغنى مما كانوا قبل ذلك، وقد جاءهم الغنى من طرق كثيرة، أسلم أهل اليمن فصاروا يجلبون لهم الميرة، بل أسلم أولئك المشركون ولم يبق أحد منهم يمنع من الحرم ولا من المسجد، ثم تفجرت ينابيع الغنى والثروة من كل جانب كما سيأتي.
قال ابن عباس: كان المشركون يجيئون إلى البيت ويجيئون معهم بالطعام يتجرون فيه. فلما نهوا أن يأتوا البيت قال المسلمون: فمن أين لنا الطعام؟ فأنزل الله {وإن خفتم عيلة} الخ قال: فأنزل الله عليهم المطر وكثر خيرهم حين ذهب المشركون عنهم. وفي رواية عنه: ألقى الشيطان في قلوب المؤمنين فقال: من أين تأكلون وقد نفي المشركون وانقطعت عنكم العير؟ قال الله تعالى: {وإن خفتم عيلة} الخ فأمرهم بقتال أهل الكفر وأغناهم من فضله اه. ويعني هنا الغنائم، وفي معناه عن سعيد بن جبير وقال: أغناهم الله تعالى بالجزية الجارية.
وليس المراد أن الجملة الأولى نزلت وحدها، فلما قالوا ما قالوا أو خافوا ما خافوا من عواقبها نزلت الجملة الشرطية التالية لها؛ بل نزلت الآية كلها مع ما قبلها وما بعدها دفعة واحدة (كما تقدم في غيرها)، وكان الله تعالى يعلم ما توسوس به أنفسهم وما يلقيه المنافقون والشيطان في قلوب بعضهم من ذلك إذا لم يكن النهي مقرونا بهذا الوعد فلم يدع لذلك مجالا.
وأما الغنى من فضل الله فهو أعم مما ورد في الروايات معينا ومبهما، فقد أغنى الله المؤمنين من العرب السابقين إلى الإسلام ثم من سائر المسلمين جميع أنواع الغنى، فتح لهم البلاد، وسخر لهم العباد، فكثرت الغنائم والخراج، ومهد لهم سبل المِلك والملك، وبسط لهم في الرزق، من إمارة وتجارة وزراعة وصناعة، وكان نصيب مكة نفسها من ذلك عظيما بكثرة الحاج وأمن طرق التجارة.
وقيد هذا الغنى بقوله: {فسوف يغنيكم الله من فضله} للدلالة على أن هذا الوعد إنما يكون أكثره في المستقبل لا في الحال، وعلى أنه واسع بسعة فضله تعالى وغيب لا يخطر لهم أكثره ببال، وقد صدق وعده به فكان من معجزات القرآن. وقيده بمشيئته التي لا يشك مؤمن في حصول كل ما تتعلق به- وإن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن- لتقوية إيمانهم، ونوط آمالهم بربهم، واتكالهم عليه دون مجرد كسبهم، وإن كانوا مأمورين بالكسب، لأنه من سننه تعالى في الخلق، ولكن لا يجوز أن ينسيهم توفيقه وتأييده لهم، فهو الذي نصرهم وأغناهم فيما مضى كما وعدهم، وسيزيدهم نصرا وغنى إذا هم وفوا بما شرطه عليهم بمثل قوله: {إن تنصروا الله ينصركم} [محمد: 7] وما في معناه مما سبق التذكير بمواضعه في تفسير سورة الأنفال وغيرها.
وإنما كان قيد المشيئة بالجملة الشرطية المصدرة بأن والأصل فيها عدم الجزم بوقوع شرطها لأن متعلقها مما مضت سنته تعالى فيه أن يكون بأسباب كسبية لا بد من قيامهم بها، وتوفيق منه تعالى لا تتم بدون مسبباتها، وكل من الأمرين مجهول عندهم لا يمكنهم القطع بحصوله، وحكمة إبهامه أن يوجهوا همتهم إلى القيام بما يجب عليهم لاستحقاقه. ولما كانت مشيئته تعالى تجري بمقتضى علمه وحكمته جعل فاصلة الآية قوله:
{إن الله عليم حكيم} أي عليم بما يكون من مستقبل أمركم في الغنى والفقر، حكيم فيما يشرعه لكم من نهي وأمر، كنهيه عن قرب المشركين للمسجد الحرام بعد ذلك العام (تسعة من الهجرة)، ونهيه قبله عن اتخاذ آبائكم وإخوانكم منهم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان، وأمركم قبل ذلك بقتال المشركين بعد انقضاء عهودهم بأربعة أشهر، وعلمه بمصالحكم ومنافعكم، وحكمته فيما يشرع من الأمر والنهي لكم، تامان كاملان متلازمان، فإذا علمتم ذلك وعلمتم ما شرعه لكم، وما قيد به وعده بالجزاء عليه والمزيد، من فضله، رأيتم مشيئته عز وجل موافقة لذلك كله.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
{فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} فليس الرزق مقصورا على باب واحد، ومحل واحد، بل لا ينغلق باب إلا وفتح غيره أبواب كثيرة، فإن فضل اللّه واسع، وجوده عظيم، خصوصا لمن ترك شيئا لوجهه الكريم، فإن اللّه أكرم الأكرمين. وقوله: {إِنْ شَاءَ} تعليق للإغناء بالمشيئة، لأن الغنى في الدنيا، ليس من لوازم الإيمان، ولا يدل على محبة اللّه، فلهذا علقه اللّه بالمشيئة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إن القمة التي كان المنهج القرآني ينقل خطى هذه الأمة لتبلغ إليها، هي قمة التجرد لله، والخلوص لدينه. وقمة المفاصلة على أساس العقيدة مع كل أواصر القربى وكل لذائذ الحياة. وكان هذا يتم من خلال ما يبثه المنهج القرآني من وعي لحقيقة الفوارق والفواصل بين منهج الله الذي يجعل الناس كلهم عبيدا لله وحده، ومنهج الجاهلية الذي يجعل الناس أربابا بعضهم لبعض.. وهما منهجان لا يلتقيان.. ولا يتعايشان.. وبدون هذا الفقه الضروري لطبيعة هذا الدين وحقيقته، وطبيعة الجاهلية وحقيقتها؛ لا يملك إنسان أن يقوم الأحكام الإسلامية، التي تقرر قواعد المعاملات والعلاقات بين المعسكر المسلم وسائر المعسكرات.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
... و {نجس} صفة مشبهة، اسم للشيء الذي النجاسة صفة ملازمة له، وقد أنيط وصف النجاسة بهم بصفة الإشراك، فعلمنا أنّها نجاسة معنوية نفسانية وليست نجاسة ذاتية.
والنجاسة المعنوية: هي اعتبار صاحب وصف من الأوصاف محقّراً متجنَّباً من الناس فلا يكون أهلاً لفضل ما دام متلبّساً بالصفة التي جعلته كذلك، فالمشرك نجَس لأجل عقيدة إشراكه، وقد يكون جسده نظيفاً مطيّباً لا يستقذر، وقد يكون مع ذلك مستقذرَ الجسد ملطخاً بالنجاسات لأنّ دينه لا يطلب منه التطهّر، ولكن تنظّفهم يختلف باختلاف عوائدهم وبيئتهم. والمقصود من هذا الوصف لهم في الإسلام تحقيرهم وتبعيدهم عن مجامع الخير، ولا شكّ أنّ خباثة الاعتقاد أدنى بصاحبها إلى التحقير من قذارة الذات، ولذلك أوجب الغسل على المشرك إذا أسلم انخلاعاً عن تلك القذارة المعنوية بالطهارة الحسّيّة لإزالة خباثة نفسه، وإنّ طهارة الحدث لقريب من هذا.
وقد فرّع على نجاستهم بالشرك المنع من أن يقربوا المسجد الحرام، أي المنع من حضور موسم الحجّ بعد عامهم هذا.
والإشارة إلى العام الذي نزلت فيه الآية وهو عام تسعة من الهجرة، فقد حضر المشركون موسم الحجّ فيه وأعلن لهم فيه أنّهم لا يعودون إلى الحجّ بعد ذلك العام، وإنّما أمهلوا إلى بقية العام لأنّهم قد حصَلوا في الموسم، والرجوع إلى آفاقهم متفاوت « فأريد من العام موسم الحجّ، وإلاّ فإنّ نهاية العام بانسلاخ ذي الحجّة وهم قد أمهلوا إلى نهاية المحرم بقوله تعالى: {فسيحوا في الأرض أربعة أشهر} [التوبة: 2].
... وقوله: {فلا يقربوا المسجد} ظاهره نهي للمشركين عن القرب من المسجد الحرام. ومواجهةُ المؤمنين بذلك تقتضي نهي المسلمين عن أن يقرب المشركون المسجد الحرام. جعل النهي عن صورة نهي المشركين عن ذلك مبالغة في نهي المؤمنين حين جُعلوا مكلّفين بانكفاف المشركين عن الاقتراب من المسجد الحرام من باب قول العرب: « لا أرينّك ههنا» فليس النهي للمشركين على ظاهره.
والمقصود من النهي عن اقترابهم من المسجد الحرام النهي عن حضورهم الحج لأنّ مناسك الحجّ كلّها تتقدّمها زيارة المسجد الحرام وتعقبها كذلك، ولذلك لمّا نزلت « براءة» أرسل النبي صلى الله عليه وسلم بأن ينادَى في الموسم أن لا يحجّ بعد العام مشرك وقرينة ذلك توقيت ابتداء النهي بما بعد عامهم الحاضر. فدلّ على أنّ النهي منظور فيه إلى عمل يكمل مع اقتراب اكتمال العام وذلك هو الحجّ. ولولا إرادة ذلك لما كان في توقيت النهي عن اقتراب المسجد بانتهاء العام حكمة ولكان النهي على الفور.
{وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
عطف على جملة النهي. والمقصود من هذه الجملة: وعد المؤمنين بأن يغنيهم الله عن المنافع التي تأتيهم من المشركين حين كانوا يفدون إلى الحجّ فينفقون ويهدُون الهدايا فتعود منهم منافع على أهل مكة وما حولها، وقد أصبح أهلها مسلمين فلا جرم أن ما يرد إليها من رزق يعود على المؤمنين.
والعَيْلة: الاحتياج والفقر أي إنْ خطر في نفوسكم خوف الفقر من انقطاع الإمداد عنكم بمنع قبائِل كثيرة من الحجّ فإنّ الله سيغنيكم عن ذلك. وقد أغناهم الله بأن هَدى للإسلام أهل تَبَالَة وجُرَش من بلاد اليمن، فأسلموا عقب ذلك، وكانت بلادهم بلاد خصب وزرع فحملوا إلى مكّة الطعام والمِيرة، وأسلم أيضاً أهل جُدَّة وبلدهم مرفأ ترد إليه الأقوات من مصر وغيرها، فحملوا الطعام إلى مكة، وأسلم أهل صنعاء من اليمن، وبلدهم تأتيه السفن من أقاليم كثيرة من الهند وغيرها.
وقوله: {إن شاء} يفتح لهم باب الرجاء مع التضرّع إلى الله في تحقيق وعده لأنّه يفعل ما يشاء.
وقوله: {إن الله عليم حكيم} تعليل لقوله: {وإن خفتم عيلة} أي أنّ الله يغنيكم لأنّه يعلم ما لكم من المنافع من وفادة القبائِل، فلمّا منعكم من تمكينهم من الحجّ لم يكن تاركاً منفعتكم فقَدر غناكم عنهم بوسائل أخرى عَلِمَها وأحكم تدبيرها.
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
وإن النهي عن دخول المسجد الحرام يدل على حرمة دخوله بالنص، وعلى حرمة دخول غيره ممن المساجد بالقياس عليه، وبالنص المشير إلى ذلك بقوله: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37)} (النور).
الأولى - قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس " ابتداء وخبر . واختلف العلماء في معنى وصف المشرك بالنجس ، فقال قتادة ومعمر بن راشد وغيرهما : لأنه جنب إذ غسله من الجنابة ليس بغسل . وقال ابن عباس وغيره : بل معنى الشرك هو الذي نجسه . قال الحسن البصري من صافح مشركا فليتوضأ . والمذهب كله على إيجاب الغسل على الكافر إذا أسلم إلا ابن عبدالحكم فإنه قال : ليس بواجب ، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله . وبوجوب الغسل عليه قال أبو ثور وأحمد . وأسقطه الشافعي وقال : أحب إلي أن يغتسل . ونحوه لابن القاسم . ولمالك قول : إنه لا يعرف الغسل ، رواه عنه ابن وهب وابن أبي أويس . وحديث ثمامة وقيس بن عاصم يرد هذه الأقوال . رواهما أبو حاتم البستي في صحيح مسنده . وأن النبي صلى الله عليه وسلم مر بثمامة يوما فأسلم فبعث به إلى حائط{[7906]} أبي طلحة فأمره أن يغتسل ، فاغتسل وصلى ركعتين . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقد حسن إسلام صاحبكم ) وأخرجه مسلم بمعناه . وفيه : أن ثمامة لما من عليه النبي صلى الله عليه وسلم انطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل . وأمر قيس بن عاصم أن يغتسل بماء وسدر . فإن كان إسلامه قبيل احتلامه فغسله مستحب . ومتى أسلم بعد بلوغه لزمه أن ينوي بغسله الجنابة . هذا قول علمائنا ، وهو تحصيل المذهب . وقد أجاز ابن القاسم للكافر أن يغتسل قبل إظهاره للشهادة بلسانه إذا اعتقد الإسلام بقلبه ، وهو قول ضعيف في النظر مخالف للأثر . وذلك أن أحدا لا يكون بالنية مسلما دون القول . هذا قول جماعة أهل السنة في الإيمان : إنه قول باللسان وتصديق بالقلب ، ويزكو بالعمل . قال الله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح{[7907]} يرفعه " [ فاطر : 10 ] .
الثانية - قوله تعالى : " فلا يقربوا المسجد الحرام " " فلا يقربوا " نهي ، ولذلك حذفت منه النون . " المسجد الحرام " هذا اللفظ يطلق على جميع الحرم ، وهو مذهب عطاء فإذا يحرم تمكين المشرك من دخول الحرم أجمع . فإذا جاءنا رسول منهم خرج الإمام إلى الحل ليسمع ما يقول . ولو دخل مشرك الحرم مستورا ومات نبش قبره وأخرجت عظامه . فليس لهم الاستيطان ولا الاجتياز . وأما جزيرة العرب ، وهي مكة والمدينة واليمامة واليمن ومخاليفها{[7908]} ، فقال مالك : يخرج من هذه المواضع كل من كان على غير الإسلام ، ولا يمنعون من التردد بها مسافرين . وكذلك قال الشافعي رحمه الله ، غير أنه استثنى من ذلك اليمن . ويضرب لهم أجل ثلاثة أيام كما ضربه لهم عمر رضي الله عنه حين أجلاهم ، ولا يدفنون فيها ويلجؤون إلى الحل .
الثالثة - واختلف العلماء في دخول الكفار المساجد والمسجد الحرام على خمسة أقوال ، فقال أهل المدينة الآية عامة في سائر المشركين وسائر المساجد . وبذلك كتب عمر بن عبدالعزيز إلى عماله ونزع في كتابه بهذه الآية . ويؤيد ذلك قوله تعالى : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه{[7909]} " [ النور : 36 ] . ودخول الكفار فيها مناقض لترفيعها . وفي صحيح مسلم وغيره : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من البول والقذر . . . ) الحديث . والكافر لا يخلو عن ذلك . وقال صلى الله عليه وسلم : ( لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب ) والكافر جنب وقوله تعالى : " إنما المشركون نجس " فسماه الله تعالى نجسا . فلا يخلو أن يكون نجس العين أو مبعدا من طريق الحكم . وأي ذلك كان فمنعه من المسجد واجب ؛ لأن العلة وهي النجاسة موجودة فيهم ، والحرمة موجودة في المسجد . يقال : رجل نجس ، وامرأة نجس ، ورجلان نجس ، وامرأتان نجس ، ورجال نجس ، ونساء نجس ، لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر . فأما النجس - بكسر النون وجزم الجيم - فلا يقال إلا إذا قيل معه رجس . فإذا أفرد قيل نجس - بفتح النون وكسر الجيم - ونجس - بضم الجيم - . وقال الشافعي رحمه الله : الآية عامة في سائر المشركين ، خاصة في المسجد الحرام ، ولا يمنعون من دخول غيره ، فأباح دخول اليهودي والنصراني في سائر المساجد . قال ابن العربي : وهذا جمود منه على الظاهر ؛ لأن قوله عز وجل : " إنما المشركون نجس " تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة . فإن قيل : فقد ربط النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد وهو مشرك . قيل له : أجاب علماؤنا عن هذا الحديث - وإن كان صحيحا - بأجوبة : أحدها : أنه كان متقدما على نزول الآية . الثاني : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد علم بإسلامه فلذلك ربطه . الثالث : أن ذلك قضية في عين فلا ينبغي أن تدفع بها الأدلة التي ذكرناها ، لكونها مقيدة حكم القاعدة الكلية . وقد يمكن أن يقال : إنما ربطه في المسجد لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها ، وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد ، فيستأنس بذلك ويسلم ، وكذلك كان . ويمكن أن يقال : إنهم لم يكن لهم موضع يربطونه فيه إلا في المسجد ، والله أعلم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يمنع اليهود والنصارى من دخول المسجد الحرام ولا غيره ، ولا يمنع دخول المسجد الحرام إلا المشركون وأهل الأوثان . وهذا قول يرده كل ما ذكرناه من الآية وغيرها . قال الكيا الطبري : ويجوز للذمي دخول سائر المساجد عند أبي حنيفة من غير حاجة . وقال الشافعي : تعتبر الحاجة ، ومع الحاجة لا يجوز دخول المسجد الحرام . وقال عطاء بن أبي رباح : الحرم كله قبلة ومسجد ، فينبغي أن يمنعوا من دخول الحرم ، لقوله تعالى : " سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام{[7910]} " [ الإسراء : 1 ] . وإنما رفع من بيت أم هانئ . وقال قتادة : لا يقرب المسجد الحرام مشرك إلا أن يكون صاحب جزية أو عبدا كافرا لمسلم . وروى إسماعيل بن إسحاق حدثنا يحيى بن عبدالحميد قال حدثنا شريك عن أشعث عن الحسن عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يقرب المسجد مشرك إلا أن يكون عبدا أو أمة فيدخله لحاجة ) . وبهذا قال جابر بن عبدالله فإنه قال : العموم يمنع المشرك عن قربان المسجد الحرام ، وهو مخصوص في العبد والأمة .
الرابعة - قوله تعالى : " بعد عامهم هذا " فيه قولان : أحدهما : أنه سنة تسع التي حج فيها أبو بكر . الثاني : سنة عشر قاله قتادة . ابن العربي : وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ وإن من العجب أن يقال : إنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان . ولو دخل غلام رجل داره يوما فقال له مولاه : لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه .
الخامسة - قوله تعالى : " وإن خفتم عيلة " قال عمرو بن فائد : المعنى وإذ خفتم . وهذه عجمة ، والمعنى بارع ب " إن " . وكان المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون الأطعمة والتجارات ، قذف الشيطان في قلوبهم الخوف من الفقر وقالوا : من أين نعيش . فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله . قال الضحاك : ففتح الله عليهم باب الجزية من أهل الذمة بقوله عز وجل : " قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر " [ التوبة : 29 ] الآية . وقال عكرمة : أغناهم الله بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض فأخصبت تبالة{[7911]} وجرش وحملوا إلى مكة الطعام والودك{[7912]} وكثر الخير وأسلمت العرب : أهل نجد وصنعاء وغيرهم فتمادى حجهم وتجرهم وأغنى الله من فضله بالجهاد والظهور على الأمم . والعيلة : الفقر . يقال : عال الرجل يعيل إذا افتقر . قال الشاعر{[7913]} :
وما يدري الفقير متى غناه *** وما يدري الغني متى يَعِيلُ
وقرأ علقمة وغيره من أصحاب ابن مسعود " عائلة " وهو مصدر كالقائلة من قال يقيل . وكالعافية . ويحتمل أن يكون نعتا لمحذوف تقديره : حالا عائلة ، ومعناه خصلة شاقة . يقال منه : عالني الأمر يعولني : أي شق علي واشتد . وحكى الطبري أنه يقال : عال يعول إذا افتقر .
السادسة - في هذه الآية دليل على أن تعلق القلب بالأسباب في الرزق جائز وليس ذلك بمناف للتوكل وإن كان الرزق مقدرا وأمر الله وقسمه مفعولا ولكنه علقه بالأسباب حكمة ليعلم القلوب التي تتعلق بالأسباب من القلوب التي تتوكل على رب الأرباب . وقد تقدم أن السبب لا ينافي التوكل قال صلى الله عليه وسلم : ( لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا{[7914]} ) . أخرجه البخاري . فأخبر أن التوكل الحقيقي لا يضاده الغدو والرواح في طلب الرزق . ابن العربي : ولكن شيوخ الصوفية قالوا : إنما يغدو ويروح في الطاعات فهو السبب{[7915]} الذي يجلب الرزق . قالوا : والدليل عليه أمران : أحدهما : قوله تعالى : " وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك{[7916]} " [ طه : 132 ] الثاني : قوله تعالى : " إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح برفعه{[7917]} " [ فاطر : 10 ] فليس ينزل الرزق من محله ، وهو السماء ، إلا ما يصعد وهو الذكر الطيب والعمل الصالح وليس بالسعي في الأرض فإنه ليس فيها رزق . والصحيح ما أحكمته السنة عند فقهاء الظاهر وهو العمل بالأسباب الدنيوية من الحرث والتجارة في الأسواق والعمارة للأموال وغرس الثمار . وقد كانت الصحابة تفعل ذلك والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم . قال أبو الحسن بن بطال : أمر الله سبحانه عباده بالإنفاق من طيبات ما كسبوا إلى غير ذلك من الآي . وقال : " فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه{[7918]} " [ البقرة : 173 ] . فأحل للمضطر ما كان حرم عليه عند عدمه للغذاء الذي أمره باكتسابه والاغتذاء به ، ولم يأمره بانتظار طعام ينزل عليه من السماء ، ولو ترك السعي في ترك ما يتغذى به لكان لنفسه قاتلا . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوى من الجوع ما يجد ما يأكله ، ولم ينزل عليه طعام من السماء ، وكان يدخر لأهله قوت سنته حتى فتح الله عليه الفتوح . وقد روى أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ببعير فقال : يا رسول الله ، أعقله وأتوكل أو أطلقه وأتوكل ؟ قال : ( اعقله وتوكل ) . قلت : ولا حجة لهم في أهل الصفة ، فإنهم كانوا فقراء يقعدون في المسجد ما يحرثون ولا يتجرون ، ليس لهم كسب ولا مال ، إنما هم أضياف الإسلام عند ضيق البلدان ، ومع ذلك فإنهم كانوا يحتطبون بالنهار ويسرقون الماء إلى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقرؤون القرآن بالليل ويصلون . هكذا وصفهم البخاري وغيره . فكانوا يتسببون . وكان صلى الله عليه وسلم إذا جاءته هدية أكلها معهم ، وإن كانت صدقة خصهم بها ، فلما كثر الفتح وانتشر الإسلام خرجوا وتأمروا - كأبي هريرة وغيره - وما قعدوا . ثم قيل : الأسباب التي يطلب بها الرزق ستة أنواع :
أعلاها : كسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : ( جعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري ) . خرجه الترمذي وصححه . فجعل الله رزق نبيه صلى الله عليه وسلم في كسبه لفضله ، وخصه بأفضل أنواع الكسب ، وهو أخذ الغلبة والقهر لشرفه . الثاني : أكل الرجل من عمل يده ، قال صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكل الرجل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده ) خرجه البخاري . وفي التنزيل " وعلمناه صنعة لبوس لكم{[7919]} " [ الأنبياء : 80 ] ، وروي أن عيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه .
الثالث : التجارة ، وهي كانت عمل جل الصحابة رضوان الله عليهم ، وخاصة المهاجرين ، وقد دل عليها التنزيل في غير موضع .
الرابع : الحرث والغرس . وقد بيناه في سورة " البقرة{[7920]} " .
الخامس : إقراء القرآن وتعليمه والرقية ، وقد مضى في الفاتحة{[7921]} السادس : يأخذ بنية الأداء إذا احتاج ، قال صلى الله عليه وسلم : ( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ) . خرجه البخاري . رواه أبو هريرة رضي الله عنه .
السابعة - قوله تعالى : " إن شاء " دليل على أن الرزق ليس بالاجتهاد ، وإنما هو من فضل الله تولى قسمته بين عباده وذلك بين في قوله تعالى : " نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا " {[7922]} [ الزخرف : 32 ] الآية .