المنتخب في تفسير القرآن الكريم للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - المنتخب [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ} (25)

25- لقد أرسلنا رسلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة ، وأنزلنا معهم الكتب المتضمنة للأحكام وشرائع الدين ، والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل ، ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل ، وخلقنا الحديد فيه عذاب شديد في الحرب ، ومنافع للناس في السلم ، يستغلونه في التصنيع ، لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم ، وليعلم الله من ينصر دينه ، وينصر رسله غائباً عنهم . إن الله قادر بذاته . لا يفتقر إلى عون أحد{[220]} .


[220]:الحديد أحد سبعة عناصر عرفها القدماء وهي الذهب والفضة والزئبق والنحاس والرصاص والحديد والقصدير وهو أكثر الفلزات انتشارا في الطبيعة، فيوجد أساسا في الحالة المركبة على هيئة أكاسيد وكبريتيد وكربونات وسليكات وتوجد كذلك مقادير ضغيرة من الحديد الخالص في الشهب والنيازك الحديدية. أشارت الآية إلى أن الحديد ذو بأس شديد ومنافع للناس، وليس أدل على ذلك من امتياز الحديد وسبائكه المتنوعة بخواص متعددة ومتفاوتة الدرجات في مقاومة الحرارة والشد والصدأ و البلى، وفي مرونة تقبل المغناطيسية وغيرها، ولذلك كان أنسب الفلزات لصناعة أسلحة الحروب وأدواتها وأساسا لجميع الصناعات الثقيلة والخفيفة ودعامة للحضارات. وللحديد منافع جمة للكائنات الحية إذ تدخل مركبات الحديد في عملية تكوين الكلورفيل وهو المادة الأساسية في عمليات التمثيل الضوئي التي ينشأ عنها تنفس النبات وتكوين البروتوبلازم الحي، وعن طريقه يدخل الحديد جسم الإنسان والحيوان. ويدخل الحديد في تركيب بروتينات النواة (المادة الكروماتينية) في الخلية الحية كما أنه يوجد في سوائل الجسم مع غيره من العناصر، وهي أحد مكونات الهيموجلوبين (المادة الأساسية في كرات الدم الحمراء) ويقوم بدور هام في عملية الاحتراق الداخلي للأنسجة والتمثيل الحيوي بها. والحديد يوجد كذلك في الكبد والطحال والكلي والعضلات والنخاع الأحمر، ويحتاج الجسم إلى كمية من الحديد يجب أن يزود بها من مصادره المختلفة فإذا نقصت تعرض الإنسان لعدة أمراض أهمها فقر الدم.
 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ} (25)

البينات : المعجزات والحجج .

الكتاب : جميع الكتب المنزلة .

الميزان : العدل .

القِسط : الحق .

أنزلنا الحديد : خلقناه .

فيه بأسٌ شديد : فيه قوة عظيمة .

لقد أرسلنا رسُلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة ، وأنزلنا معهم الكتب فيها الشرائع والأحكام ، والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل ، ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل . كما خلقنا الحديد فيه قوة ومنافع للناس في شتى مجالات الحياة ، في الحرب والسلم ، والمواصلات برا وبحرا وجوا ، ومنافعه لا تحصى ، لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم ، وليعلم الله من ينصر دينه ، وينصر رسله بالغيب ، { إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ } لا يفتقر إلى عون أحد .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ} (25)

قوله تعالى : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز } يبين الله للناس أنه أرسل إليهم رسلا لهدايتهم وقد أرسل معهم الدلائل والحجج من معجزات وأحكام . وكذلك أنزل الله الحديد ليتخذ منه المؤمنون السلاح فيردوا كيد الظالمين المجرمين ، وليدفعوا عن أنفسهم وعن دينهم عدوان المعتدين وطغيان المفسدين المتجبرين . وهو قوله : { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } أي بالمعجزات الباهرة والدلائل الظاهرة { وأنزلنا معهم الكتاب } أي الكتب التي فيها أخبار الآخرة وشرائع الدين { والميزان } أي العدل { ليقوم الناس بالقسط } يعني ليقوم الناس بينهم ، في معاملاتهم وشؤونهم بالحق والعدل .

قوله : { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } خلق الله الحديد ليصنع منه المسلمون ما يتقوون به ويعظم به بأسهم وشوكتهم وهو السلاح فيكفّون عن أنفسهم الشر والضّرّ والعدوان . وذلك عقب البيان للمشركين والتوضيح لهم بالحكمة والأسلوب الحسن أن منهج الله لهو الحق وأن ما دونه من مناهج لهي الضلال والباطل ، كيما يصدقوا ويوقنوا وتستقيم أحوالهم وأوضاعهم وتصلح حياتهم ومعايشهم ، فإذا لم تجد أسباب الحجة والبرهان في إقناعهم ودفع عدوانهم وكيدهم عن الإسلام والمسلمين فما حيلة المسلمين بعد ذلك إلا أن يزجروا المعتدين الأشرار بالحديد وما يستفاد منه من مختلف أصناف السلاح وفقا للأحوال والأعراف والظروف التي تتغير وتتطور . فقد كانت السيوف والأسنّة عماد الآلات للحرب في الأزمنة السالفة . أما في العصر الراهن فليس من بد من الاستفادة من الحديد في المخترعات الحديثة ومنها آلالات الحرب المستعملة في البر والبحر والجو . وإذا تخلف المسلمون في الاستفادة من الحديد وتطويره لأحدث الأسلحة النافعة الرادعة حتى فاتهم المشركون الظالمون ، واستغفلهم الطغاة والمعتدون ، فليس للمسلمين بعد ذلك إلا أن يلوموا أنفسهم ، ثم يعاودوا محاسبة أنفسهم في تخلّفهم وتقصيرهم وتفريطهم حتى إذا استحرّت فيهم حرارة العقيدة ، وهاجت في ضمائرهم جذوة العزم والجد والغيرة والحماسة انتقلوا بأنفسهم أعظم نقلة كيما يزهقوا الباطل ويدمروا الطغيان والشر تدميرا ويعرضوا ما فاتهم من تقصير وتفريط .

قوله : { ومنافع للناس } منافع الحديد المستفادة كثيرة وهي مما يستعمله الناس في بيوتهم من الأواني ، وفي مصانعهم ومزارعهم من آلالات والمعدات على اختلاف أشكالها ومنافعها ومسمياتهم .

قوله : { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } معطوف على قوله : { ليقوم الناس بالقسط } أي أرسل الله رسله للناس وأنزل معهم الكتب والحق والعدل وجعل لهم من الحديد ما فيه سلاح وبأس ليستبين المؤمنون الذين ينصرون الله ورسله بالغيب عنهم . أي وهم لا يرونهم . قال ابن عباس : ينصرونه ولا يبصرونه { إن الله قوي عزيز } الله قوي على أخذ من خالفه وبارزه بالمعصية والظلم وشاقّه بالجحود والعتو والفسق عن دينه وشرعه { عزيز } أي منيع الجانب لا يغلبه غالب{[4467]} .


[4467]:الكشاف جـ ص 66 وفتح القدير جـ 5 ص 178 وتفسير الطبري جـ 27 ص 137.