{ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ( 18 ) }
صفة أعمال الكفار في الدنيا كالبر وصلة الأرحام كصفة رماد اشتدت به الريح في يوم ذي ريح شديدة ، فلم تترك له أثرًا ، فكذلك أعمالهم لا يجدون منها ما ينفعهم عند الله ، فقد أذهبها الكفر كما أذهبت الريح الرماد ، ذلك السعي والعمل على غير أساس ، هو الضلال البعيد عن الطريق المستقيم .
ثم ضرب - سبحانه - مثلاً لأعمال الكافرين فى حبوطها وذهابها يوم القيامة ، وساق الأدلة الدالة على قدرته القاهرة ، وصور أحوال الكافرين يوم يقوم الناس لرب العالمين ، وحكى ما يقوله الضعفاء للمستكبرين وما يقوله الشيطان لأتباعه فى هذا اليوم العصيب ، وما أعده الله للمؤمنين الصادقين فى هذا اليوم فقال - تعالى - :
{ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ . . . } .
قال الإِمام الرازى : " اعلم أنه - تعالى - لما ذكر أنواع عذابهم فى الآية المتقدمة ، بين فى هذه الآية وهى قوله - تعالى - { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ . . . } أن أعمالهم بأسرها ضائعة باطلة ، لا ينتفعون بشئ منها . وعند هذا يظهر كمال خسرانهم ، لأنهم لا يجدون فى القيامة إلا العقاب الشديد وكل ما عملوه فى الدنيا وجدوه ضائعاً باطلاً " .
والمثل : النظير والشبيه . ثم أطلق على القول السائر المعروف ، لمماثلة مضربه بمورده ، ولا يكون إلا فيما فيه غرابة ، ثم استعير للصفة ، أو الحال ، أو القصة إذا كان لها شأن عجيب ، وفيها غرابة .
والمراد بأعمال الذين كفروا فى الآية الكريمة : ما كانوا يقومون به فى الدنيا من أعمال حسنة كإطعام الطعام ، ومساعدة المحتاجين ، وإكرام الضيف ، إلى غير ذلك من الأعمال الطيبة .
والرماد : ما يتبقى من الشئ بعد احتراق أصله ، كالمتبقى من الخشب أو الحطب بعد احتراقهما .
والعاصف : من العصف وهو اشتداد الريح ، وقوة هبوبها .
قال الجمل : " وقوله : { مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ . . . } فيه أوجه للإِعراب : أحدها وهو مذهب سيبويه : أنه مبتدأ محذوف الخبر تقديره : فيما يتلى عليكم مثل الذين كفروا ، وتكون الجملة من قوله { أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ . . . } مستأنفة جواب لسؤال مقدر ، كأنه قيل : كيف مثلهم . . ؟ فقيل : كيت وكيت .
والثانى : أن يكون " مثل " مبتدأ و " أعمالهم " مبتدأ ثان ، و " كرماد " خبر المبتدأ الثانى ، والمبتدأ الثانى وخبره خبر المبتدأ الأول . . . "
والمعنى : حال أعمال الذين كفروا فى حبوطها وذهابها وعدم انتفاعهم بشئ منها فى الآخرة ، كحال الرماد المكدس الذي أتت عليه الرياح العاصفة ، فمحقته وبددته ، ومزقته تمزيقاً لا يجرى معه اجتماع .
فالآية الكريمة تشبيه بليغ لما يعمله الكافرون فى الدنيا من أعمال البر والخير .
ووجه الشبه : الضياع والتفرق وعدم الانتفاع فى كل ، فكما أن الريح العاصف تجعل الرماد هباء منثورا ، فكذلك أعمال الكافرين فى الآخرة تصير هباء منثوراً ، لأنها أعمال بنيت على غير أساس من الإِيمان وإخلاص العبادة لله - تعالى - .
ووصف - سبحانه - اليوم بأنه عاصف - مع أن العصف شدة الريح - للمبالغة فى وصف زمانها - وهو اليوم - بذلك : ما يقال : يوم حار ويوم بارد ، مع أن الحر والبرد فيهما وليس منهما .
وقوله - سبحانه - { لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ } بيان للمقصود من التشبيه ، وهو أن هؤلاء الكافرين ، لا يقدرون يوم القيامة ، على الانتفاع بشئ مما فعلوه فى الدنيا من أفعال البر والخير ، لأن كفرهم أحبطها فذهب سدى دون أن يستفيدوا منها ثواباً ، أو تخفف عنهم عذاباً .
قال الآلوسى : " وفى الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - أنها قالت :
" يا رسول الله . إن ابن جدعان فى الجاهلية كان يصل الرحم ، ويطعم المسكين ، هل ذلك نافعة ؟ قال : " لا ينفعه ؛ لأنه لم يقل رب اغفر لى خطيئتى يوم الدين " " .
وقال الإِمام ابن كثير ما ملخصه : " هذا مثل ضربة الله - تعالى - لأعمال الكفار الذين عبدوا مع الله غيره ، وكذبوا رسله ، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح ، فانهارت وعدموها وهم أحوج ما كانوا إليها . . .
كما قال - تعالى - { وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً } وكما قال تعالى - { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } واسم الإِشارة فى قوله { ذلك هُوَ الضلال البعيد } يعود إلى ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم ، وذهاب أثرها .
أى : ذلك الحبوط لأعمالهم ، وعدم انتفاعهم بشئ منها ، هو الضلال البعيد .
أى : البالغ أقصى نهايته ، والذى ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين .
ووصف - سبحانه - الضلال بالبعد ، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه ، ولا يرجى الخلاص منه .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، بعض مظاهر قدرته التى لا يعجزها شئ فقال - تعالى - : { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هذه الحياة الدنيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظلموا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ } .
واسم الإِشارة فى قوله { ذلك هُوَ الضلال البعيد } يعود إلى ما دل عليه التمثيل من بطلان أعمالهم ، وذهاب أثرها .
أى : ذلك الحبوط لأعمالهم ، وعدم انتفاعهم بشئ منها ، هو الضلال البعيد .
أى : البالغ أقصى نهايته ، والذى ينتهى بصاحبه إلى الهلاك والعذاب المهين .
ووصف - سبحانه - الضلال البعيد ، لأنه يؤدى إلى خسران لا يمكن تداركه ، ولا يرجى الخلاص منه .
قوله تعالى : { مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد } في إعراب ( مثل ) عدة وجوه ، أهمها اثنان هما : الأول : أن ( مثل ) مبتدأ أول . و ( أعمالهم ) مبتدأ ثان . ( كرماد ) ، خبر المبتدأ الثاني . والمبتدأ الثاني وخبره خبر للمبتدأ الأول .
الثاني : أن ( مثل ) مبتدأ . ( أعمالهم ) بدل منه . و ( كرماد ) خبره{[2385]} . هذا مثل لأعمال الكافرين في الدنيا ؛ فإنها يمحقها الله في الآخرة ؛ إذ يأتي عليها الحبوط فلا تجديهم أيما نفع . مثل ضربه الله لأعمال الكافرين الجاحدين الذين يحادون الله ورسله ويستنكفون عن دعوة الله ومنهجه الحكيم . فبين الله في هذا المثل أن أعمال هؤلاء الجاحدين الخاسرين التي كانوا يعملونها في حياتهم كصلة الأرحام وإنفاق المال في الخير والإعمار وغير ذلك من وجوه الإصلاح والبر . كل ذلك مآله الحبوط لصدوره عن كافرين بالله ورسوله وكتابه أو لابتغائهم بذلك غير وجه الله ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) .
قوله : ( أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف ) ( يوم عاصف ) ، أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية . والعصف معناه شدة الريح . عصفت الريح عصفا وعصوفا : اشتد هبوبها فهي عاصف وعاصفة{[2386]} ؛ أي أن أعمال الكافرين باطلة كلها ؛ فهي مثل رماد عصفت ( اشتدت ) الريح عليه في يوم ريح عاصف فنسفته وذهبت به . فكذلك أعمال الكافرين يوم القيامة ، لا تنفعهم عند الله ولا تنجيهم .
قوله : ( لا يقدرون مما كسبوا على شيء ) أي لا يقدرون على الانتفاع بشيء من الثواب يوم القيامة على أعمالهم التي عملوها في الدنيا ، كعدم قدرتهم على الإمساك بالرماد إذا عصفت به الريح عصفا في يوم شديد الهبوب . قوله : ( ذلك هو الضلال البعيد ) أي الخسران الكبير . أو الإشارة إلى التيه البعيد عن الحق والصواب والجزاء الحسن{[2387]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.