تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

واتجه يوسف إلى الله بشكره قائلا : ربِّ ما أكثر نعمك عليَّ ، وما أعظَمها ! لقد منحتني المُلك ووهبتَني من العمل الكثير . يا خالق السماوات والأرض ، أنت مالكُ أمري ومتولي نعمتي في محيايَ وبعد مماتي { تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين } من آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم ، واحشُرني في زمرتهم .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

{ رَبّ قد ءاتيتني من الملك } أي بعضاً عظيماً منه فمن للتبعيض ويبعد القول بزيادتها أو جعلها لبيان الجنس والتعظيم من مقتضيات المقام ، وبعضهم قدر عظيماً في النظم الجليل على أن مفعول به كما نقل أبو البقاء وليس بشيء ، والظاهر أنه أراد من ذلك البعض ملك مصر ومن { الملك } ما يعم مصر وغيهرا ، ويفهم من كلام بعضهم جواز أن يراد من الملك مصر ومن البعض شيء منها وزعم أنه لا ينافي قوله تعالى : { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ في الارض يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء } [ يوسف : 56 ] لأنه لم يكن مستقلاً فيه وإن كان ممكناً فيه وفيه تأمل ، وقيل : أراد ملك نفسه من إنفاذ شهوته ، وقال عطاء ملك حساده بالطاعة ونيل الأماني وليس بذاك { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } أي بعضاً من ذلك كذلك ، والمراد بتأويل الأحاديث أما تعليم تعبي الرؤيا وهو الظاهر وإما تفهيم غوامض أسرار الكتب الإلهية ودقائق سنن الأنبياء ، وعلى التقديرين لم يؤت عليه السلام جميع ذلك ، والترتيب على غير الظاهر ظاهر وأما على الظاهر فلعل تقديم إيتاء الملك على ذلك في الذكر لأنه بمقام تعداد النعم الفائضة عليه من الله سبحانه والملك أعرق في كونه نعمة من التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضاً نعمة جليلة في نفسه فتذكر وتأمل( {[437]} ) . وقرأ عبد الله وابن ذر { *آتيتن وعلمتن } بحذف الياء فيهما اكتفاء بالكسرة ، وحكى ابن عطية عن الأخير { رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى } بغير { قَدْ } { فَاطِرَ * السموات والارض } أي مبدعهما وخالقهما ، ونصبه على أنه نعت لرب أو بدل أو بيان أو منصوب بأعني أو منادي ثان ، ووصفه تعالى به بعدو صفه بالربوبية مبالغة في ترتيب مبادىء ما يعقبه من قوله : { رَبّ قَدْ } متولى أموري ومتكفل بها أو موالي لي وناصر { فِى الدنيا والاخرة } فالولي إما من الولاية أو الموالاة ، وجوز أن كيون بمعنى الموالي كالمعطي لفظاً ومعنى أي الذي يعطيني نعم الدنيا والآخرة { تَوَفَّنِى } أقبضني { مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } من آبائي على ما روى عن ابن عباس أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامة كما قيل ، واعترض بأن يوسف عليه السلام من كبار الأنبياء عليهم السلام والصلاح أول درجات المؤمنين فكيف يليق به أن يطلق اللحاق بمن هو في البداية ؟ وأجيب بأنه عليه السلام طلبه هضماً لنفسه فسبيله سبيل استغفار الأنبياء عليهم السلام ، ولا سؤال ولا جواب إذا أريد من الصالحين آباؤه الكرام يعقوب وإسحق وإبراهيم عليه السلام ، وقال الإمام : ههنا وههنا مقام آخر في الآية على لسان أصحاب المكاشفات وهو أن النفوس المفارقة إذا أشرقت بالأنوار الإلهية واللوامع القدسية فإذا كانت متناسبة متشاكلة انعكس النور الذي في كل واحد منها إلى الأخرى بسبب تلك الملاءمة والمجانسة فعظمت تلك الأنوار وتقوت هاتيك الأضواء ، ومثال ذلك المرايا الصقيلة الصافية إذا وصفت وصفاً متى أشرقت الشمس عليها انعكس الضوء من كل واحد منها إلى الأخرى فهناك يقوى الضوء ويكمل النور وينتهي في الإشراق والبريق إلى حد لا تطيقه الأبصار الضعيفة فكذلك ههنا انتهى .

وهو كما ترى ، والحق أن يقال : إن الصلاح مقول بالتشكيك متفاوت قوة وضعفاً والمقام يقتضي أنه عليه السلام أراد بالصالحين المتصفين بالمرتبة المعتنى بها من مراتب الصلاح ، وقد قدمنا ما عند أهل المكاشفات في الصلاح فارجع إليه .

بقي أن المفسرين اختلفوا في أن هذا هل هو منه عليه السلام تمنى للموت وطلب منه أم لا ؟ فالكثير منهم على أنه طلب وتمنى لذلك ، قال الإمام : ولا يبعد من الرجل العاقل إذا كمل عقله أن يتمنى الموت وتعظم رغبته فيه لأنه حينئذ يحس بنقصانه مع شغفه بزواله وعلمه بأن الكمال المطلق ليس إلا لله تعالى فيبقى في قلق لا يزيله إلا الموت فيتمناه ، وأيضاً يرى أن السعادة الدنيوية سريعة الزوال مشرفة على الفناء والألم الحاصل عند زوالها أشد من اللذة الحاصلة عند وجدانها مع أنه ليس هناك لذة إلا وهي ممزوجة بما ينغصها بل لو حققت لا ترى لذة حقيقية في هذه اللذائذ الجسمانية وإنما حاصلها دفع الآلام ، فلذة الأكل عبارة عن دفع ألم الجوع ، ولذة النكاح عبارة عن دفع الألم الحاصل بسبب الدغدغة المتولدة من حصول المني في أوعيته ، وكذا الإمارة والرياسة يدفع بها الألم الحاصل بسبب شهوة الانتقام ونحو ذلك ، والكل لذلك خسيس وبالموت التخلص عن الاحتياج إليه ، على أن عمدة الملاذ الدنيوية الأكل والجماع والرياسة والكل في نفسه خسيس معيب ، فإن الأكل عبارة عن ترطيب الطعام بالبزاق المجتمع في الفم ولا شك أنه مستقذر في نفسه ؛ ثم حينما يصل إلى المعدة يظهر فيه الاستحالة والتعفن ومع ذا يشارك الإنسان فيه الحيوانات الخسيسة فيلتذ الجعل بالروث التذاذ الإنسان باللوزينج ، وقد قال العقلاء : من كان همته ما يدخل في بطنه فقيمته ما يخرج من بطنه ، والجماع نهاية ما يقال فيه : إنه إخراج فضلة متولدة من الطعام بمعونة جلدة مدبوغة بالبول ودم الحيض والنفاس مع حركات لو رأيتها من غيرك لأضحكتك ، وفيه أيضاً تلك المشاركة وغاية ما يرجى من ذلك تحصيل الولد الذي يجر إلى شغل البال والتحيل لجمع المال ونحو ذلك ، والرياسة إذا لم يكن فيها سوى أنها على شرف الزوال في كل آن لكثرة من ينازع فيها ويطمح نظره إليها فصاحبها لم يزل خائفاً وجلا من ذلك لكفاها عيباً ، وقد يقال أيضاً ؛ إن النفس خلقت مجبولة على طلب اللذات والعشق الشديد لها والرغبة التامة في الوصول إليها فما دام في هذه الحياة الجسمانية يكون طالباً لها وما دام كذلك فهو في عين الآفات ولجة الحسرات ، وهذا اللازم مكروه والملزوم مثله فلهذا يتمنى العاقل زوال هذه الحياة الجسمانية ليستريح من ذلك النصب ، ولله تعالى قول من قال : وقال :

ضجعة الموت رقدة يستريح ال *** جسم فيها والعيش مثل السهاد

تعب كلها الحياة فما أع *** ب إلا من راغب في ازدياد

إن حزناً فس ساعة الفوت أضعا *** ف سرور في ساعة الميلاد

وقد ذكر غير واحد أن تمني الموت حباً للقاء الله تعالى مما لا بأس به ، وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها : «من أحب لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءه » الحديث . نعم تمنى الموت عند نزول اللابء منتهى عنه ففي الخبر لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ، وقال قوم : إنه عليه السلام لم يتمن الموت وإنما عدد نعم الله تعالى عليه ثم دعا بأن تدوم تلك النعم في باقي عمره حتى إذا حان أجله قبضه على الإسلام وألحقه بالصالحين .

والحاصل أنه عليه السلام إنما طلب الموافاة على الإسلام لا الوفاة ، ولا يرد على القولين أنه من المعلوم أن الأنبياء عليهم السلام لا يموتون إلا مسلمين أما لأن الإسلام هنا بمعنى الاستسلام لكل ما قضاه الله تعالى أو لأن ذلك بيان لأنه وإن لم يتخلف ليس إلا بإرادة الله تعالى ومشيئته( {[438]} ) والذاهبون إلى الأول قالوا إنه عليه السلام لم يأت عليه أسبوع حتى توفاه الله تعالى وكان الحسن يذهب إلى القول الثاني ويقول : إنه عليه السلام عاش بعد هذا القول سنين كثيرة وروى المؤرخون أن يعقوب عليه السلام أقام مع يوسف أربعاً وعشرين سنة ثم توفى وأوصى أن يدفن بالشام إلى جنب أبيه فذهب به ودفنه ثمت وعاش بعده ثلاثاً وعشرين سنة وقيل : أكثر ثم تاقت نفسه إلى الملك المخلد فتمنى الموت فتوفاه الله تعالى طيباً طاهراً فتخاصم أهل مصر في مدفنه حتى هموا بالقتال فرأوا أن يجعلوه في صندوق من مرمر ويدفنوه في النيل بحيث يمر عليه الماء ثم يصل إلى مصل ليكونوا شرعاً فيه ففعلوا ثم أراد موسى عليه السلام نقله إلى مدفن آبائه فأخرجه بعد أربعمائة سنة على ما قيل : من صندوق المرمر لثقله وجعله في تابوت من خشب ونقله إلى ذلك ، وكان عمره مائة وعشرين سنة ، وقيل : مائة وسبع سنين ، وقد ولد له من امرأة العزيز افراثيم وهو جد يوشع عليه السلام . وميشا ورحمة زوجة أيوب عليه السلام ، ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه عليهم السلام إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه السلام فكان ما كان .

وفي التوراة أن يوسف عليه السلام أسكن أباه وإخوته في مكان يقال له عين شمس من أرض السدير وبقي هناك سبع عشرة سنة وكان عمره حين دخل مصر مائة وثلاثين سنة ولما قرب أجله دعا يوسف عليه السلام فجاء ومعه ولداه( {[439]} ) منشا وهو بكره وافرايم فقدمهما إليه ودعا لهما ووضع يده اليمنى على رأس الأصغر واليسرى على رأس الأكبر وكان يوسف يحب عكس ذلك فكلم أباه فيه فقال : يا بني إني لأعلم أن ما يتناسل من هذا الأصغر أكثر مما يتناسل من هذا الأكبر ودعا ليوسف عليه السلام وبارك عليه وقال ؛ يا بني إني ميت كان الله تعالى معكم وردكم إلى بلد أبيكم يا بني إذا أنا مت فلا تدفنني في مصر وادفني في مقبرة آبائي وقال : نعم يا أبا وحلف له ثم دعا سائر بنيه وأخبرهم بما ينالهم في أيامهم ثم أوصاهم بالدفن عند آبائه في الأرض التي اشتراها إبراهيم عليه السلام من عفرون الختى في أرض الشام وجعلها مقبرة ، وبعد أن فرغ من وصيته عليه السلام توفي فانكب يوسف عليه السلام عليه يقبله ويبكى وأقام له حزناً عظيماً وحزن عليه أهل مصر كثيراً ثم ذهب به يوسف وإخوته وسائر آله سوى الأطفال ومعهم قواد الملك ومشايخ أهل مصر ودفنوه في المكان الذي أراد ثم رجعوا ، وقد توهم إخوة يوسف منه عليه السلام أن يسيء المعاملة معهم بعد موت أبيهم عليه السلام فلماعلم ذلك منهم قال لهم : لا تخافوا إني أخاف الله تعالى ثم عزاهم وجبر قلوبهم ثم أقام هو وآل أبيه بمصر وعاش مائة وعشر سنين حتى رأى لافرايم ثلاثة بنين وولد بنو ماخير بن منشا في حجره أيضاً ، ثم لما أحس بقرب أجله قال لإخوته : إني ميت والله سبحانه سيذكركم ويردكم إلى البلد الذي أقسم أن يملكه إبراهيم وإسحق . ويعقوب فإذا ذكركم سبحانه وردكم إلى ذلك البلد فاحملوا عظامي معكم ثم توفى عليه السلام فحنطوه وصيروه في تابوت بمصر وبقى إلى زمن موسى عليه السلام فلما خرج حمله حسبما أوصى عليه السلام( {[440]} ) .

( ومن باب الإشارة { رَبّ قَدْ ءاتَيْتَنِى مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الأحاديث فَاطِرَ السموات والأرض أَنتَ وَلِيي في الدنيا والآخرة تَوَفَّنِى مُسْلِمًا } مفوضاً إليك شأني كله بحيث لا يكون لي رجوع إلى نفسي ولا إلى سبب من الأسباب بحال من الأحوال ، { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } [ يوسف : 101 ] بمن أصلحتهم لحضرتك وأسقطت عنهم سمات الخلق وأزلت عنهم رعونات الطبع ، ولا يخفى ما في تقديمه عليه السلام الثناء على الدعاء من الأدب وهو الذي يقتضيه المقام


[437]:- إشارة إلى ما قيل: أنه لا يمكن تمشية هذا الاعتذار فيما سبق لأن التعليم وارد على نهج العلة الغائية للتمكين فإن حمل على معنى التمليك لزم تأخره عنه وأما الواقع ههنا فمجرد التأخير في الذكر والعطف بالواو لا يستدعي ذلك الترتيب في الوجود فافهم اهـ منه.
[438]:- والآية دليل لأهل السنة في أن الإيمان من الله تعالى كما قرره الإمام فليراجع اهـ منه.
[439]:- بالنون في التوراة وافرايم بالياء بعد الألف والمضبوط عندنا غير ذلك والأمر سهل اهـ منه.
[440]:- وأخرجه ابن أبي حاتم عن سعيد بن عبد العزيز أنه عليه السلام لم يعرف موضعه ولم يجد أحد يخبره إلا امرأة يقال لها تارخ بنت شير بن يعقوب فاشترطت عليه أن تصير شابة كلما كبرت وأن تكون منه عليه السلام في درجته يوم القيامة ففعل بعد أن امتنع من الطلبة الثانية حتى أمر بإمضائها فدلته فأخرجه فعادت بنت ثلاثين وعمرت ألفا وستمائة أو أبعمائة سنة حتى أدركت سليمان عليه السلام فتزوجها اهـ منه.
 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{۞رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّـٰلِحِينَ} (101)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

... فلما جمع الله ليوسف شمله، فأقر بعينه، وهو مغموس في الملك والنعمة، اشتاق إلى الله وإلى آياته، فتمنى الموت...

قال: {رب قد ءاتيتني}، يعني قد أعطيتني {من الملك} على أهل مصر... {وعلمتني من تأويل الأحاديث}... يعني تعبير الرؤيا.

{فاطر السماوات والأرض}، يعني: خالق السماوات والأرض، كن {أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما}، يعني: مخلصا بتوحيدك، {وألحقني بالصالحين}، يعني: أباه يعقوب، وإسحاق، وإبراهيم...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال يوسف بعد ما جمع الله له أبويه وإخوته، وبسط عليه من الدنيا ما بسط من الكرامة، ومكنه في الأرض، متشوّقا إلى لقاء آبائه الصالحين:"رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ" يعني: من ملك مصر، "وَعَلّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ "يعني من عبارة الرؤيا، تعديدا لنعم الله وشكرا له عليها. "فاطِرَ السّمَوَاتِ والأرْضِ" يقول: يا فاطر السموات والأرض، يا خالقها وبارئها، "أنْتَ وَلِيّي في الدّنْيَا والاَخِرَةِ" يقول: أنت وليي في دنياي على من عاداني وأرادني بسوء بنصرك، وتغذوني فيها بنعمتك، وتليني في الآخرة بفضلك ورحمتك. "تَوَفّنِي مُسْلِما" يقول: اقبضني إليك مسلما، "وألْحِقْنِي بالصّالْحِينَ" يقول: وألحقني بصالح آبائي إبراهيم وإسحاق ومن قبلهم من أنبيائك ورسلك...

عن ابن إسحاق، قال: قال يوسف حين رأى ما رأى من كرامة الله وفضله عليه وعلى أهل بيته حين جمع الله له شمله، وردّه على والده، وجمع بينه وبينه فيما هو فيه من الملك والبهجة: "يا أبَتِ هَذَا تَأوِيلُ رُؤْياي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبّي حَقّا" إلى قوله: "إنّهُ هُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ"، ثم ارعوى يوسف، وذكر أن ما هو فيه من الدنيا بائد وذاهب، فقال: "رَبّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ المُلْكِ وعَلّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الأحادِيثِ فاطِرَ السّمَوَاتِ والأرْضِ أنْتَ وَلِيّي في الدّنْيا والاَخِرَةِ تَوَفّنِي مُسْلِما وألْحِقْنِي بالصّالِحِينَ"...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

(أَنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) يشبه أن يكون تأويله: أنت ولي نعمتي في الدنيا والآخرة... ويحتمل: أنت أولى بي في الدنيا والآخرة، أو أنت ربي وسيدي في الدنيا والآخرة...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

... الاعلام هو إيجاب العلم بإيجاده والتعريض له. والمعنى فهمتني تأويل الأحاديث التي تؤدي إلى العلم بما احتاج إليه...

"فاطر السموات والارض" فالفطر: الشق عن أمر باختراعه عند انشقاقه، ففطر السموات والأرض: اختراعهما بما هو كائن كالشق عما يظهر فيه. ومنه تفطر الشجر بالورق...

وقوله "أنت وليي" أي ناصري، والولي النصير بما يتولى من المعاونة، فإذا وصف تعالى بأنه ولي المؤمن، فلأنه ينصره بما يتولى من معونته وحياطته، وإذا وصف المؤمن بأنه ولي الله، فلأن الله ينصره بمعونته، فتجري الصفة على هذا المعنى. وقوله "توفني مسلما" معناه اقبضني إليك إذا أمتني وأنا مسلم أي الطف لي بما أموت معه على الإسلام.

"وألحقني بالصالحين" من آبائي إسحاق وإبراهيم، أي اجعلني من جملتهم و (من) في قوله "من الملك" وقوله "من تأويل الاحاديث" دخلتا للتبعيض لأنه لم يؤته الله جميع الملك، ولا علمه جميع الأشياء، ويحتمل أن تكون دخلت لتبيين الصفة، كما قال "اجتنبوا الرجس من الأوثان"...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{توفني مُسْلِماً}: قيل عَلِمَ أنه ليس بعد الكمال إلا الزوال فَسأَلَ الوفاة. وقيل من أمارات الاشتياق تمنِّي الموت على بساط العوافي مثل يوسف عليه السلام أُلقِيَ في الجُبِّ فلم يقل توفني مسلماً، وأقيم فيمن يزيد فلم يقل توفني مسلماً، وحُبِسَ في السجن سنين فلم يقل توفني مسلماً، ثم لما تمَّ له المُلْكُ، واستقام الأمر، ولَقِيَ الإخوةَ سُجَّداً، وأَلْفَى أبويه معه على العرش قال: {تَوَفَّنِي مُسْلِماً} فعُلِمَ أنه كان يشتاق للقائه سبحانه...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

... {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا} طلب للوفاة على حال الإسلام، ولأن يختم له بالخير والحسنى، كما قال يعقوب لولده {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

... ذكر المهدوي تأويلاً آخر -وهو الأقوى عندي- أن ليس في الآية تمني موت -وإنما عدد يوسف عليه السلام نعم الله عنده ثم دعا أن يتم عليه النعم في باقي عمره أي {توفني}- إذا حان أجلي -على الإسلام، واجعل لحاقي بالصالحين، وإنما تمنى الموافاة على الإسلام لا الموت...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

في الآية مسائل:...

المسألة الرابعة: لقائل أن يقول: الأنبياء عليهم السلام يعلمون أنهم يموتون لا محالة على الإسلام، فكان هذا الدعاء حاصله طلب تحصيل الحاصل وأنه لا يجوز. والجواب: أحسن ما قيل فيه أن كمال حال المسلم أن يستسلم لحكم الله تعالى على وجه يستقر قلبه على ذلك الإسلام ويرضى بقضاء الله وقدره، ويكون مطمئن النفس منشرح الصدر منفسح القلب في هذا الباب، وهذه الحالة زائدة على الإسلام الذي هو ضد الكفر، فالمطلوب ههنا هو الإسلام بهذا المعنى. المسألة الخامسة: أن يوسف عليه السلام كان من أكابر الأنبياء عليهم السلام، والصلاح أول درجات المؤمنين، فالواصل إلى الغاية كيف يليق به أن يطلب البداية، قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره من المفسرين: يعني بآبائه إبراهيم وإسمعيل وإسحق ويعقوب، والمعنى: ألحقني بهم في ثوابهم ومراتبهم ودرجاتهم...

التفسير القيم لابن القيم 751 هـ :

جمعت هذه الدعوة الإقرار بالتوحيد والاستسلام للرب وإظهار الافتقار إليه، والبراءة من موالاة غيره سبحانه، وكون الوفاة على الإسلام أجل غايات العبد، وأن ذلك بيد الله لا بيد العبد، والاعتراف بالمعاد وطلب مرافقة السعداء...

تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :

وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف، عليه السلام، قاله عند احتضاره... ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله، وانقضى عمره؛ لا أنه سأل ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره:"أماتك الله على الإسلام". ويقول الداعي: "اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين"...

ويحتمل أنه سأل ذلك منجزًا، وكان ذلك سائغا في ملتهم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

وقبل أن يسدل الستار على المشهد الأخير المثير، نشهد يوسف ينزع نفسه من اللقاء والعناق والفرحة والابتهاج والجاه والسلطان، والرغد والأمان... ليتجه إلى ربه في تسبيح الشاكر الذاكر! كل دعوته -وهو في أبهة السلطان، وفي فرحة تحقيق الأحلام- أن يتوفاه ربه مسلما وأن يلحقه بالصالحين: (رب قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث. فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة. توفني مسلما وألحقني بالصالحين).. (رب قد آتيتني من الملك).. آتيتني منه سلطانه ومكانه وجاهه وماله. فذلك من نعمة الدنيا. (وعلمتني من تأويل الأحاديث).. بإدراك مآلاتها وتعبير رؤاها. فذلك من نعمة العلم. نعمتك يا ربي أذكرها وأعددها.. (فاطر السماوات والأرض).. بكلمتك خلقتها وبيدك أمرها، ولك القدرة عليها وعلى أهلها.. (أنت وليي في الدنيا والآخرة).. فأنت الناصر والمعين.. رب تلك نعمتك. وهذه قدرتك. رب إني لا أسألك سلطانا ولا صحة ولا مالا. رب إني أسألك ما هو أبقى وأغنى: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين).. وهكذا يتوارى الجاه والسلطان، وتتوارى فرحة اللقاء واجتماع الأهل و لمة الإخوان. ويبدو المشهد الأخير مشهد عبد فرد يبتهل إلى ربه أن يحفظ له إسلامه حتى يتوفاه إليه، وأن يلحقه بالصالحين بين يديه. إنه النجاح المطلق في الامتحان الأخير...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

أعقب ذكر نعمة الله عليه بتوجهه إلى مناجاة ربه بالاعتراف بأعظم نعم الدنيا والنعمة العظمى في الآخرة، فذكر ثلاث نعم: اثنتان دنيويتان وهما: نعمة الولاية على الأرض ونعمة العلم، والثالثة: أخروية وهي نعمة الدين الحق المعبر عنه بالإسلام وجعل الذي أوتيه بعضاً من الملك ومن التأويل لأن ما أوتيه بعض من جنس الملك وبعض من التأويل إشعاراً بأن ذلك في جانب مُلك الله وفي جانب علمه شيء قليل. وعلى هذا يكون المراد بالمُلك التصرف العظيم الشبيه بتصرف المَلِك إذ كان يوسف عليه السلام هو الذي يُسير المَلك برأيه. ويجوز أن يراد بالمُلك حقيقته ويكون التبعيض حقيقياً، أي آتيتني بعض المُلك لأن المُلك مجموع تصرفات في أمر الرعية، وكان ليوسف عليه السلام من ذلك الحظُّ الأوفر، وكذلك تأويل الأحاديث. وتقدم معنى تأويل الأحاديث عند قوله تعالى: {ويعلمك من تأويل الأحاديث} [يوسف: 6] في هذه السورة. و {فاطر السماوات والأرض} نداء محذوف حرف ندائه. والفاطر: الخالق. وتقدم عند قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السماوات والأرض} في سورة الأنعام (14). والولي: الناصر، وتقدم عند قوله تعالى: {قل أغير الله أتخذ ولياً} في سورة الأنعام. وجملة {أنت وليي في الدنيا والآخرة} من قبيل الخبر في إنشاء الدعاء وإن أمكن حمله على الإخبار بالنسبة لولاية الدنيا، قيل لإثباته ذلك الشيء لولاية الآخرة. فالمعنى: كن وليي في الدنيا والآخرة. وأشار بقوله: {توفني مسلما} إلى النعمة العظمى وهي نعمة الدين الحق، فإن طلب توفّيه على الدين الحق يقتضي أنه متصف بالدين الحق المعبر عنه بالإسلام من الآن، فهو يسأل الدوام عليه إلى الوفاة. والمسلم: الذي اتصف بالإسلام، وهو الدين الكامل، وهو ما تعبّدَ اللّهَ به الأنبياء والرسل عليهم السلام. وقد تقدم عند قوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} في سورة آل عمران (102). والإلحاق: حقيقته جعل الشيء لاَ حقاً، أي مُدركاً من سبقه في السّيْر. وأطلق هنا مجازاً على المَزيد في عداد قوم. والصالحون: المتصفون بالصلاح، وهو التزام الطاعة. وأراد بهم الأنبياء. فإن كان يوسف عليه السلام يومئذٍ نبيئاً فدعاؤهُ لطلب الدوام على ذلك، وإن كان نُبّىء فيما بعد فهو دعاء لحصوله، وقد صار نبيئاً بعد ورسولاً...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

الربع الثالث من الحزب الخامس والعشرين في المصحف الكريم أول آية في هذا الربع هي آخر آية وردت في موضوع قصة يوسف بالذات، وهي تشير إلى الأثر العميق الذي تركه في نفس يوسف جمع شمله مع أبويه وإخوته، وتوذن ببالغ شكره لله على سابغ نعمته، واعتماده المطلق على رعايته وولايته: {رب قد آتيتني من الملك} في هذا إشارة إلى ولايته لمنصب العزيز لدى ملك مصر، وما أدركه من السلطة والنفوذ فيها بحكم ذلك المنصب. {وعلمتني من تأويل الأحاديث} في هذا إشارة إلى ما أكرمه الله به من نفاذ البصيرة، وصدق الفراسة، مما ظهر أثره في تعبيره رؤيا ملك مصر، وتعبير رؤيا صاحبيه في السجن، وتأويل رؤياه نفسه التي جاءت مثل فلق الصبح. {فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة} هذه مناجاة من يوسف لربه، وتضرع بين يديه، وتوكل عليه. {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} هذا دعاء من يوسف إلى الله بحسن الخاتمة والموت على الإسلام، واللحاق بالصالحين في دار السلام، حتى يتم الله عليه نعمته في الآخرة كما أتمها عليه في الدنيا. وكلمة {الصالحين} متى وردت في الذكر الحكيم فالمراد بها كل مؤمن أدى ما عليه من حقوق الله وحقوق العباد، من أي جيل كان، قديما أو حديثا، ولو كان مجهول القبة مجهول التاريخ، لا قبة عليه ولا ضريح، فالعبرة في هذا اللقب لقب "الصلاح "و {الصالحين} إنما هي بمجرد العمل الصالح المقبول عند الله، لا بما سواه. وقوله تعالى هنا حكاية عن يوسف عليه السلام {توفني مسلما} لا يلزم أن يكون سؤالا ناجزا للموت وتمنيا لها في الحين، كما فهمه بعض المفسرين، وإنما هو من باب الدعاء المعتاد كقول الداعي: {اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين}. وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سؤال الموت وتمنيها. روي في الصحيحين وفي مسند الإمام أحمد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، إما محسنا فيزداد، وإما مسيئا فلعله يستعتب –أي يسترضي ربه ويتوب- ولكن ليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي).

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

مناجاة يوسف (عليه السلام): وهكذا انفصل يوسف عن الجوّ الذي يحيط به، واستغرقت روحه في مناجاة لله، تنسى كل الناس وتغيب عن كامل أجوائهم، لتعيش الحضور مع الله في كل شيء، فبينما هو يخاطب أباه، إذا به ينسى ذلك ليخاطب الله سبحانه: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَني مِنَ الْمُلْكِ} في ما مكنتني من الوسائل الكثيرة التي قفزت بي إلى مواقع الحكم والسيطرة على مقاليد حياة الناس، {وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحَادِيثِ} وما استطعت به أن أفتح الحياة على مواقع الخير في الإنسان، وأدفع الإنسان إلى البحث عن الحقيقة في كل جوانب ذاته وحركة كيانه، {فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأرضِ} وخالقهما على أساس القدرة والحكمة، فكل شيءٍ فيهما مخلوقٌ لك، وكل مخلوق بينهما عبدٌ لك، وكل حركةٍ في داخلهما وخارجهما، خاضعةٌ لقدرتك...

{أَنتَ وَلِيِّ فِي الدُّنُيَا وَالآخرةِ} بما تملكه من ولاية الخلق والقدرة والنعمة واللطف والرحمة، فمنك أستمد سعادتي وهنائي في ما تتفضّل به عليّ من غفران ذنوبي وإدخالي الجنة التي وعدت بها عبادك المتقين، ولم تبخل بها على عبادك الخاطئين التائبين، الذين يتضرّعون إليك بقلوب نادمة على ما فرط منهم في جنب الله، وهذا ما أريد أن أطلبه منك، وأعيشه بين يديك، في ما أستقبل به حياتي ومماتي، {تَوَفَّنِى مُسْلِمًا} واجعل ختام حياتي إسلاماً بالروح والقلب واللسان، كما كانت بداية حياتي كذلك، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} الذين آمنوا بك من موقع الصدق في الإيمان، وأصلحوا أعمالهم من موقع الإخلاص في العمل، وساروا على منهجك في الحياة، في ما يعملون به، ويطرحونه من قضايا، وأوضاع ومشاريع...