وهكذا ، أدخل يوسف السجنَ ظلماً ، وهذه هي المحنة الثالثة والأخيرة من محن الشدة في حياة يوسف ، فكل ما بعدها رخاء .
ودخل معه السجنَ فَتَيان ، كان أحدهما رئيس الخبازين عند الملك ، والثاني رئيسَ السقاة . وقد سُجنا لخيانة نُسبت إليهما كانت ستؤدي بحياة الملك .
وبعد أن استقر يوسف في السجن ظهر أمره للناس ، وأنه يختلف عن السجناء الآخرين . وفي ذات يوم جاءه صاحب شراب الملك وأخبره أنه رأى في منامه أنه يعصر خمراً للملك ، وجاءه الخباز وقال له : إني رأيتُ فوق رأسي طبقاً من الخبز تأكل منه الطيور ، وطلبا إليه أن يفسر لكل واحد منهما ما رأى في منامه .
{ وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَان } غلامان كانا للملك الأكبر الريان بن الوليد أحدهما خبازه وصاحب طعامه والآخر ساقيه وصاحب شرابه ، وكان قد غضب عليهما الملك بسبب أن جماعة من أشراف مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله فضمنوا لهما مالاً على أن يسماه في طعامه وشرابه فأجابا إلى ذلك ثم إن الساقي ندم فرجع عن ذلك وقبل الخباز الرشوة وسم الطعام فلما حضر بين يدي الملك قال الساقي : لا تأكل أيها الملك فإن الطعام مسموم ، وقال الخباز : لا تشرب فإن
الشراب مسموم ، فقال للساقي : اشربه فشربه فلم يضره ، وقال للخباز : كل من طعامك فأبى فأطعم من ذلك لدابة فهلكت فأمر الملك بحبسهما فاتفق أن أدخلا معه السجن ، ولعله إنما عبر - بدخل - الظاهر في كون الدخول / بالاختيار مع أنه لم يكن كذلك للإشارة على ما قيل : إلى أنهما لما رأيا يوسف هان عليهما أمر السجن لما وقع في قلوبهما من محبته :
وهوى كل نفس حيث حل حبيبهارضي الله عنه *** فقد أخرج غير واحد عن ابن إسحق أنهما لما رأياه قالا له : يا فتى لقد والله أحببناك حين رأيناك ، فقال لهما عليه السلام : أنشدكما الله تعالى أن لا تحباني فوالله ما أحبني أحد قط الا دخل عليَّ من حبه بلاء ، لقد أحبتني عمتي فدخل عليَّ من حبها بلاء ، ثم أحبني أبي فدخل عليَّ من حبه بلاء ، ثم أحبتني زوجة صاحبي هذا فدخل عليَّ بحبها إياي بلاء فلا تحباني بارك الله تعالى فيكما فأبيا إلا حبه والله حيث كان . وقيل : عبر بذلك لما أن ذكر { معه } يفيد اتصافه عليه السلام
بما ينسب إليهما ، والمناسب في حقه نسبة الدخول لمكان قوله عليه السلام : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } [ يوسف : 33 ] لا الادخال المفيد لسلب الاختيار ، ولو عبر بأدخل لأفاد ذلك نسبة الإدخال إليه فلم يكن بدّ من التعبير بالدخول ترجيحاً لجانبه عليه السلام . والظاهر أن - مع - تدل على الصحبة والمقارنة لفاعل الفعل في ابتداء تلبسه بالفعل ، فتفيد أن دخولهما مصاحبين له وأنهم سجنوا الثلاثة في ساعة واحدة ، وتعقب بأن هذا منتقض بقوله سبحانه :
{ وأسلمت مع سليمان } [ النمل : 44 ] حكاية عن بلقيس إذ ليس إسلامها مقارناً لابتداء إسلام سليمان عليه السلام ، وأجيب بأن الحمل على المجاز هنالك للصارف ولا صارف فيما نحن فيه فيحمل على الحقيقة ، ويشهد لذلك ما ذكره الزمخشري في قوله سبحانه : { فلما بلغ معه السعي } [ الصافات : 102 ] من أنه بيان متعلق بمحذوف لتعذر التعلق - ببلغ - أو السعي معنى أو لفظاً وقال صاحب «الكشف » : إنه لا يتعين المحكي عنها لمعية الفاعل فجاز أن يراد أسلمت لله ولرسوله مثلاً ، وتقديم مع للإشعار بأنها كانت تظنّ أنها على دين قبل وأنها كانت مسلمة فيما كاتن تعبد من الشمس فدل على أنه إسلام يعتدّ به من أثر متابعة نبيه لا إسلام كالأول فاسد ، وهذا معنى صحيح حمل الآية عليه أولى ، وإن حمل على معية الفاعل لم يكن بدّ من محذوف نحو مع بلوغ دعوته وإظهار معجزته لأن فرق ما بين المعية ومطلق الجمع معلوم بالضرورة اه .
وفرق بعضهم بين الفعل الممتدّ كالإسلام وغيره كالدخول بأن الأول لا يقتضي مقارنتهما في ابتدائه بخلاف الثاني ، وهو على ما قيل : راجع إلى الجمع وليس من المعية في شيء على أنه حينئذ لا يحتاج إلى تأويل في آية { فلما بلغ معه السعي } [ الصافات : 102 ] واختير أن المقارنة هي الأصل ولا يعدل عنها ما أمكنت فتأمل .
وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده فضل تمكن ، ولعل تقديم الظرف على السجن لأن الاهتمام بأمر المعية اشدّ من الاهتمام بأمره لما أنها المنشأ لما كان ، وقيل : إنما قدم لأن تأخيره يوهم أن يكون خبراً مقدماً على المبتدأ ، وتكون الجملة حالاً من فاعل - دخل - وتعقب بأن حاصل التركيب الأول مصاحبة الفتيين له عند دخولهما ، وحاصل الثاني مصاحبة الفتيين له عند دخوله ، ويؤول الأمران إلى دخولهما ودخوله متصاحبين فافهم . والجملة على ما قيل : معطوف على محذوف ينساق إليه الذهن كأنه قيل : فلما بدا لهم ذلك سجنوه ودخل معه الخ . وقرأ { السجن } بفتح السين على معنى موضع السجن .
{ قَالَ } استئناف مبني على سؤال من يقول : ما صنعا بعدما دخلا ؟ فأجيب بأنه قال { أَحَدُهُمَا } وهو الشرابي واسمه بنو { إنِّي أَرَاني } أي رأيتني في المنام والتعبير بالمضارع لاستحضار الصور الماضية { أَعْصر خَمْراً } أي عنباً . روي أنه قال : رأيت حبلة ن كرم حسنة لها ثلاثة أغصان فيها عناقيد عنب فكنت أعصرها وأسقي الملك . وسماه بما يؤول إلى الخمر وكون الذي يؤول إليه ماؤه لا جرمه لا يضر لأنه المقصود منه فما عداه غير منظور إليه فليس فيه تجوزان
بالنظر إلى المتعارف فيه . وقيل : الخمر بلغة غسان اسم للعنب ، وقيل : في لغة أزدعمان( {[374]} ) . وقرأ أبيّ وعبد الله - أعصر عنباً - قال في «البحر » : وينبغي أن يحمل ذلك على التفسير لمخالفته لسواد المصحف والثابت عنهما بالتواتر قراءتهما { أعصر خمراً } انتهى ، وقد أخرج القراءة كذلك عن الثاني البخاري في «تاريخه » وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طرق ، وذكروا أنه قال : والله لقد أخذتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم هكذا فافهم .
وقال ابن عطية ( ( يجوز أن يكون وصف الخمر بأنها معصورة لأن العصر من أجلها ) ) فليس ذلك من مجاز الأول ، والمشهور أنه منه كما قال الفراء : مؤنثة وربما ذكرت ، وعن السجستاني أنه سمع التذكير ممن يوثق به من الفصحاء . ورأى الحلمية جرت مجرى أفعال القلوب في جواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متحدي المعنى ، ولا يجوز ذلك في غير ما ذكر ، فلا يقال : أضربني ولا أكرمني ، وحاصله أرى نفسي أعصر خمراً .
{ وَقَالَ الآخَرُ } وهو الخباز واسمه مجلث( {[375]} ) { إنّي أَراني أَحْملُ فَوْقَ رَأْسي خُبْزاً } ، وفي مصحف ابن مسعود - ثريداً . { تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ } وهذا كما قيل أيضاً : تفسير لا قراءة ، روي أنه قال : رايت أني أخرج من مطبخة الملك وعلى رأسي ثلاث سلال فيها خبز والطير تأكل من أعلاه .
والخبز معروف ، وجمعه أخباز وهو مفعول ( أحمل ) والظرف متعلق - بأحمل - وتأخيره عنه لما مرّ ، وقيل : متعلق بمحذوف وقع حالاً منه ، وجملة { تأكل } الخ صفة له أو استئناف مبني على السؤال { نَبِّئْنَا } أي أخبرنا { بتَأْويله } بتعبيره وما يؤول إليه أمره ، والضمير للرؤيتين بتأويل ما ذكر أو ما رؤي وقد أجري الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة( {[376]} ) فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما مرت الإشارة إليه غير مرة ؛ هذا إذا قالاه معاً أو قاله أحدهما من جهتهما معاً ، وأما إذا قاله كل منهما إثر ما قص ما رآه فالمرجع غير متعدد ولا يمنع من هذا الاحتمال صيغة المتكلم مع الغير لاحتمال أن تكون واقعة في الحكاية دون المحكي على طريقة قوله تعالى : { يا أيها الرسل كلوا من الطيبات } [ المؤمنون : 51 ] فإنهم لم يخاطبوا دفعة بل خوطب كل منهم في زمان بصيغة مفردة
{ إِنَّا نَرَاكَ } تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارهما منه عليه السلام أي إنا نعتقدك { منَ الْمُحْسِنِينَ } اي من الذين يحسنون تأويل الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها لهم تأويلاً حسناً ، وكان عليه السلام حين دخل السجن قد قال : إني أعبر الرؤيا وأجيد / أو من العلماء كما في قول علي كرم الله تعالى وجهه : قيمة كل امرئ ما يحسنه وذلك لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله . أخرج ابن أبي حاتم وغيره عن قتادة قال : لما انتهى يوسف إلى السجن وجد فيه قوماً قد انقطع رجاؤهم واشتد بلاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول : أبشروا واصبروا تؤجروا إن لهذا لأجراً فقالوا : يا فتى بارك الله تعالى فيك ما أحسن وجهك وأحسن خلقك وخلقك لقد بورك لنا في جوارك ما نحب أنا كنا في غير هذا منذ جئتنا لما تخبرنا من الأجر والكفارة و الطهارة ، فمن أنت يا فتى ؟ قال : أنا يوسف ابن صفي الله تعالى يعقوب ابن ذبيح الله تعالى إسحاق ابن خليل الله تعالى إبراهيم فقال له عامل السجن : يا فتى لو استطعت خليت سبيلك ولكن سأحسن جوارك فكن في أي بيوت السجن شئت ، أو من المحسنين إلى أهل السجن أي فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادراً على ذلك ، وإلى هذا ذهب الضحاك ، أخرج سعيد بن منصور والبيهقي وغيرهما عنه أنه سئل ما كان إحسان يوسف ؟ فقال : كان إذا مرض إنسان في
السجن قام عليه ، وإذا ضاق عليه مكان أوسع له ، وإذا احتاج جمع له .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: ودخل مع يوسف السجن فتيان، فدلّ بذلك على متروك قد ترك من الكلام، وهو: {ثُمّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الآياتِ لَيَسْجُنُنّهُ حتى حِينٍ}، فسجنوه، وأدخلوه السجن، ودخل معه فتيان، فاستغنى بدليل قوله: {وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيانِ}، على إدخالهم يوسف السجن من ذكره. وكان الفتيان فيما ذكر: غلامين من غلمان ملك مصر الأكبر: أحدهما: صاحب شرابه، والآخر: صاحب طعامه... وقوله: {قالَ أحَدُهُما إنّي أرَانِي أعْصِرُ خَمْرا}...
وعنى بقوله: {أعْصِرُ خَمْرا}، أي: إني أرى في نومي أني أعصر عنبا... وقوله: {وَقالَ الآخَرُ إني أرَانِي أحْمِلُ فَوْقَ رأسِي خُبْزا تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنا بتأْوِيلهِ}، يقول تعالى ذكره: وقال الآخر من الفتيين: إني أراني في منامي أحمل فوق رأسي خبزا، يقول: أحمل على رأسي، فوضعت «فوق» مكان «على»، {تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ}، يعني: من الخبز.
وقوله: {نَبّئْنا بتَأْوِيلِهِ}، يقول: أخبرنا بما يؤول إليه ما أخبرناك أنا رأيناه في منامنا ويرجع إليه...
وقوله: {إنّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}، اختلف أهل التأويل في معنى الإحسان الذي وصف به الفتيان يوسف؛
فقال بعضهم: هو أنه كان يعود مريضهم، ويعزي حزينهم، وإذا احتاج منهم إنسان جمَع له... سأل رجل الضحاك عن قوله: {إنّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}، ما كان إحسانه؟ قال: كان إذا مرض إنسان في السجن قام عليه، وإذا احتاج جمع له، وإذا ضاق عليه المكان أوسع له... عن قتادة، قوله: {إنّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}، قال: بلغنا أن إحسانه أنه كان يداوي مريضهم، ويعزّي حزينهم، ويجتهد لربه...
وقال آخرون: معناه: {إنّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ} إذا نبأتنا بتأويل رؤيانا هذه... وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب القول الذي ذكرناه عن الضحاك وقتادة.
فإن قال قائل: وما وجه الكلام إن كان الأمر إذن كما قلت، وقد علمت أن مسألتهما يوسف أن ينبئهما بتأويل رؤياهما ليست من الخبر عن صفته بأنه يعود المريض ويقوم عليه ويحسن إلى من احتاج في شيء، وإنما يقال للرجل: نبئنا بتأويل هذا فإنك عالم، وهذا من المواضع التي تحسن بالوصف بالعلم لا بغيره؟
قيل: إن وجه ذلك أنهما قالا له: نبئنا بتأويل رؤيانا محسنا إلينا في إخبارك إيانا بذلك، كما نراك تحسن في سائر أفعالك، {إنا نراك من المحسنين}.
النكت و العيون للماوردي 450 هـ :
{إني أراني أعصر خمراً} أي عنباً. وفي تسميته خمراً وجهان:
أحدهما: لأن عصيره يصير خمراً فعبر عنه بما يؤول إليه...
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
{إنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِينَ}: الشهادة بالإحسان ذريعةٌ، بها يَتَوسُّلُ إلى استجلاب إحسانه.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{مَّعَ} يدل على معنى الصحبة واستحداثها، تقول: خرجت مع الأمير، تريد مصاحباً له، فيجب أن يكون دخولهما السجن مصاحبين له {فَتَيَانَ} عبدان للملك: خبازه وشرابيه... أدخلا ساعة أدخل يوسف عليه السلام. {إِنّي أَرَانِي} يعني في المنام، وهي حكاية حال ماضية...
{مّنَ المحسنين} من الذين يحسنون عبارة الرؤيا، أي: يجيدونها، رأياه يقصّ عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤوّلها له، فقالا له ذلك. أو من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم. أو من المحسنين إلى أهل السجن. فأحسن إلينا بأن تفرّج عنا الغمة بتأويل ما رأينا إن كانت لك يد في تأويل الرؤيا...
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 671 هـ :
... يمكن أن يكون حبسهما مع حبس يوسف أو بعده أو قبله، غير أنهما دخلا معه البيت الذي كان فيه...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
لما ذكر السجن، وكان سبباً ظاهراً في الإهانة، شرع سبحانه يقص من أمره فيه ما حاصله أنه جعله سبب الكرامة، كل ذلك بياناً للغلبة على الأمر والاتصاف بصفات القهر، مع ما في ذلك من بيان تحقق ما تقدم به الوعد الوفي ليوسف عليه الصلاة والسلام وغير ذلك من الحكم، فقال تعالى: {ودخل} أي فسجنوه كما بدا لهم ودخل {معه السجن فتيان}: خباز الملك وساقيه، ورفع إليه أن الخباز أراد أن يسمه، وظن أن الساقي مالأه على ذلك، و "مع "تدل على الصحبة واستحداثها، فهي تدل على دخول الثلاثة السجن في آن واحد -قاله أبو حيان، فلما دخلوا السجن كان يوسف عليه الصلاة والسلام يحسن إلى أهله فيسلي حزينهم، ويعود مريضهم، ويسأل لفقيرهم، ويهديهم إلى الخير، ويذكرهم بالله، فمالت إليه القلوب وكلفت به النفوس لحسن حديثه ولطيف تأتيه وما حباه الله به من الفضل والنبل وحسن الخَلق والخُلق... فكأنه قيل: أيّ شيء اتفق لهما بعد الدخول معه؟ فقيل: {قال أحدهمآ} ليوسف عليه الصلاة والسلام... {إني أراني} حكى الحال الماضية في المنام {أعصر} والعصر: الاعتماد على ما فيه مائية ليحتلب منه {خمراً} أي عنباً يؤول إلى الخمر {وقال الآخر} مؤكداً لمثل ما مضى {إني أراني أحمل} والحمل: رفع الشيء بعماد نقله {فوق رأسي خبزاً} أي طعاماً مهيأ للأكل بالخبز، وهو عمل الدقيق المعجون بالبسط واللزق في حامٍ بالنار حتى يصلح للأكل {تأكل الطير منه}... فكأنه قيل: فماذا تريدان من الإخبار بهذا؟ فقالا: {نبئنا} أي أخبرنا إخباراً عظيماً {بتأويله} أي ما يرجع أمره ويصير إليه، فكأنه قيل: وما يدريكما أني أعرف تأويله؟ فقالا: {إنا نراك} على حالٍ علمنا بها علماً هو كالرؤية أنك {من المحسنين} أي العريقين في وصف الإحسان لكل أمر تعانيه، فلذلك لاح لنا أنك تحسن التأويل قياساً.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{ودخل معه السجن فتيان} هذا عطف على مفهوم ما قبله أي فسجنوه ودخل معه السجن بتقدير الله الخفي الذي يعبر عنه جاهلوه بالمصادفة والاتفاق: فتيان مملوكان تبين فيما بعد أنهما من فتيان ملك مصر. روي عن ابن عباس أن أحدهما خازن طعامه والآخر ساقيه، فماذا كان من شأنه معهما؟ {قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا} أي رأيت في المنام رؤيا واضحة جلية كأني أراها في اليقظة الآن، وقراءة ابن مسعود وأبي في الشواذ "أعصر عنبا "تفسير لا قرآن، وما كل العنب يعصر لأجل التخمير فما نقل من أن عرب غسان وعمان يسمون العنب خمرا فمحمول على هذا النوع المخصوص منه لكثرة مائه وسرعة اختماره، دون ما يؤكل في الغالب تفكها لكثرة حجمه واكتناز شحمه وقلة مائه، ولكل منها أصناف.
{وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه} الطير جمع واحده طائر، وتأنيثه أكثر من تذكيره، وجمع الجمع طيور وأطيار.
{نبئنا بتأويله} أي قال له كل واحد منهما نبئني بتأويل ما رأيت، أي بتفسيره الذي يؤول إليه في الخارج إذا كان حقا لا من أضغاث الأحلام...
{إنا نراك من المحسنين} عللوا سؤالهم إياه عن أمر يهمهم ويعنيهم دونه، برؤيتهم إياه من المحسنين بمقتضى غريزتهم الذين يريدون الخير والنفع للناس وإن لم يكن لهم فيه منفعة خاصة ولا هوى، وقيل من المحسنين لتأويل الرؤى، وما قالا هذا القول إلا بعد أن رأيا من سعة علمه وحسن سيرته مع أهل السجن وما وجه إليه وجوههما، وعلق به أملهما. وهذا من إيجاز القرآن الخاص به.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(ودخل معه السجن فتيان). سنعرف من بعد أنهما من خدم الملك الخواص.. ويختصر السياق ما كان من أمر يوسف في السجن، وما ظهر من صلاحه وإحسانه، فوجه إليه الأنظار، وجعله موضع ثقة المساجين، وفيهم الكثيرون ممن ساقهم سوء الطالع مثله للعمل في القصر أو الحاشية، فغضب عليهم في نزوة عارضة، فألقي بهم في السجن.. يختصر السياق هذا كله ليعرض مشهد يوسف في السجن وإلى جواره فتيان أنسا إليه، فهما يقصان عليه رؤيا رأياها. ويطلبان إليه تعبيرها، لما يتوسمانه فيه من الطيبة والصلاح وإحسان العبادة والذكر والسلوك...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
السجن ساحة للدعوة: ودخل يوسف السجن بروحيّة الإنسان المؤمن الذي لا يعتبر السجن مشكلةً ومأساةً، بل يرى فيه موقع الانتصار على النوازع الجسدية، وعلى الضغوط الخارجية التي تتحدى فيه إرادة الإيمان، وقوّة الالتزام. وفي هذا الجوّ كان يفكر بأنّ عليه إلاّ يتجمّد في مشاعر الوحشة والفراغ لينتهي إلى حالة كئيبة من الضياع الروحي، بل أن يستثمر فرص الحركة التي تتيحها الساحة له. وفكّر أنه ليس الوحيد الذي يدخل السجن، فهناك من دخلوا قبله، وهناك من سيدخلون بعده، وفيهم الكافرون والضالون، وحدّد دوره بأن يستفيد من الأجواء الهادئة التي يعيشها السجين، والمشاعر البائسة التي يخضع لها، والآمال الطيبة التي يرجوها في يقظته ونومه، والحالات النفسية الصعبة التي يحتاج فيها إلى من يساعده في مواجهتها مما يفسح المجال للهدوء في فكره، والحياد في موقفه، الأمر الذي يسهل على يوسف دخول قناعاته وتغييرها على أساس الحق والصواب، وذلك هو شأن المؤمن الداعية الذي يعيش همّ الدعوة إلى الله، وهداية الناس إلى طريق الحق، فلا يترك فرصةً إلا ويستفيد منها في حركته نحو الهدف الكبير، فهو في التفاتةٍ دائمةٍ لما حوله، ولمن حوله، وترقّب مستمر للأجواء الملائمة التي تفتح له قلوب الناس وعقولهم على الحق. {وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ} فتعرّف إليهما، وتعرّفا إليه، ونشأت بين الثلاثة صحبةٌ وإلفةٌ، لما تفرضه طبيعة الوجود في السجن من حاجة إلى من يستريح إليه السجين ويرتاح للحديث معه، ليخفّف من وحشته، وهكذا بدأ الحديث في شؤونٍ كثيرةٍ متنوّعة، وكان هذان الشخصان قد شاهدا في منامهما، حلمين غريبين أثارا في نفسيهما القلق والحيرة، لأنهما لم يستطيعا فهم السرّ الذي يكمن خلفهما فأحبّا أن يحدّثا يوسف عنهما، فلعلهما يجدان لديه التفسير الواضح الذي يكشف لهما هذا الغموض، فقد لاحظا امتلاكه لفكرٍ هادئ، وعقلٍ متحركٍ، وشخصيةٍ حكيمةٍ، وهذا ما جعلهما يمنحانه الثقة الكبيرة. إحسانه جذبهما إليه {قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ولم أستطع معرفة المضمون الواقعي لذلك في ما يحيط بحركة الحياة من حولي، {وَقَالَ الآخر إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ} فما معنى الخبز؟ وما سرّ حمله على الرأس؟ وماذا يمثل أكل الطير منه من رمز؟ فهل هو رمز للنعمة أو للعطاء، أو هو رمزٌ للنقمة والفناء؟ {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ} لأن للأحلام تأثيراً في الكشف عن حركة الإنسان في المستقبل، بما توحيه من تشاؤم أو تفاؤل يعرّف الإنسان كيف يحدد اتجاه موقفه، {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} الذين يحبون أن يعطوا من مواقع ما يعرفون، فلا يبخلون بالمعرفة على من يحتاج إليها، لأن ذلك هو معنى الإحسان الذي ينطلق من حسّ الخير في الإنسان، تجاه من حوله. وقد جاء في بعض الكلمات التفسيرية عن الإمام جعفر الصادق في ما روي عنه في قوله: {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} قال: «كان يقوم على المريض، ويلتمس المحتاج، ويوسّع على المحبوس». وربما كانت هذه الأمور وما يدخل في جوّها الأخلاقي، هي التي جعلتهما ينجذبان إليه، وينفتحان عليه هذا الانفتاح الروحي الذي يعيش فيه الإنسان جوع المعرفة إلى فكر العارفين. توسل التأويل لهداية الفَتَيان ولم يكن ليوسف شأنٌ بالجانب الذاتي لما سألاه عنه، ولم يكن في صدد الإيحاء بإمكاناته العلمية في تأويل الأحلام، أو في غيره من الأمور، بل كان يتوسّل هدايتهما إلى الصراط المستقيم من خلال ذلك ككل داعيةٍ إلى الله، يتحسس ضرورة استخدام كل طاقاته في سبيل الدعوة والهداية، وتحريك علاقاته بالناس، في هذا الاتجاه. وهذا ما أراد يوسف أن يثيره أمامهما عما وهبه الله من إمكانات علميّة، تمكنه من استيحاء الأحلام ومعرفة ما تحمله من أسرار المستقبل وخفاياه، أو في استلهام الإشراق الروحي الذي أودعه الله في قلبه، واستكشاف آفاق المستقبل في حياة الناس...