وأعتدت لهن متكأ : وهيأت لهن مجلسا مريحا فاخرا .
وأكبرنه : أعظمنه ودُهِشْنَ من جماله .
وقطّعن أيديهنّ : جرحن أيديهن من فرط الدهش .
وبلغ ذلك امرأة العزيز فأخذت تكيد لهن حتى يَعْذُرنها . وهكذا أرسلت الدعوة إلى طائفة من نساء علية القوم ، وأعدّت لهن مجلساً من الوسائد والنمارق وقدّمت إليهن طعاماً ، وأعطت كلاً منهن سكّينا تقشر بها الفاكهة . وحين اتخذْن مجالسهن قالت ليوسف : اخرج عليهن . فلما رأينه بهرهنّ جماله ، وألهاهن عن تقطيع الطعام والفاكهة ، وجرحن أيديهن من فرط الدهشة والذهول ، وأعلنَّ لذلك الجمال ، حتى قلن : { حاش لله ، ما هذا بشراً إن هذا إلا مَلَك كريم } .
قرأ أبو عمرو ونافع : «حاشا » بالألف . والباقون : «حاش » بدون ألف .
{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } أي باغتيابهن وسوء مقالتهن ، وتسمية ذلك مكراً لشبهه له في الإخفاء ، وقيل : كانت استكتمتهن سرها فأفشينه وأطلعن أمرها ، وقيل : إنهن قصدن بتلك المقالة إغضابها حتى تعرض عليهن يوسف لتبدي عذرها فيفزن بمشاهدته ، والمكر على هذين القولين حقيقة { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } تدعوهن ، قيل : دعت أربعين امرأة منهن الخمس أو الأربع المذكورات ، وروى ذلك عن وهب ، والظاهر عود الضمير على تلك النسوة القائلة ما قلن عنها { وَأَعْتَدَتْ } أي هيأت { لَهُنَّ مُتَّكَئًا } أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد كما روى عن ابن عباس ، وهو من الاتكاء الميل إلى أحد الشقين ، وأصله موتكأ لأنه من توكأت فأبدلت الواو تاءاً وأدغمت في مثلها ، وروى عن الحبر أيضاً أن المتكأ مجلس الطعام لأنهم كانوا يتكؤن له كعادة المترفين المكبرين ، ولذلك نهى عنه ، فقد أخرج ابن أبي شيبة عن جابر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل الرجل بشماله وأن يأكل متكئاً ، وقيل : أريد به نفس الطعام قال العتبي : يقال : اتكأنا عند فلان أي أكلنا ؛ ومن ذلك قول جميل :
فظللنا بنعمة واتكأنا *** وشربنا الحلال من قلله
وهو على هذا اسم مفعول أي متكئاً له أو مصدر أي اتكاء ، وعبر بالهيئة التي يكون عليها الآكل المترف عن ذلك مجازاً ، وقيل : هو من باب الكناية ، وعن مجاهد أنه الطعام يحز حزاً بالسكين واختلفوا في تعيينه ، فقيل : كان لحماً وكانوا لا ينهشون اللحم وإنما يأكلونه حزاً بالسكاكين ، وقيل : كان أترجا . وموزاً . وبطيخاً ، وقيل : الزماورد وهو الرقاق الملفوف باللحم وغيره أو شيء شبيه بالأترج ، وكأنه إنما سمي ما يقطع بالسكين بذلك لأن عادة من يقطع شيئاً أن يعتمد عليه فيكون متكأ عليه ، وقرأ الزهري . وأبو جعفر . وشيبة متكى مشدد التاء من غير همز بوزن متقى وهو حينئذ إما أن يكون من الاتكاء وفيه تخفيف الهمزة كما قالوا في توضأت : توضيت ، أو يكون مفتعلاً من أوكيت السقاء إذا شددته بالوكاء ، والمعنى أعتدت لهن ما يشتد عليه بالاتكاء أو بالقطع بالسكين ، وقرأ الأعرج متكأ على وزن مفعلاً من تكاء يتكأ إذا اتكأ ، وقرأ الحسن . وابن هرمز متكأ بالمد والهمز وهو مفتعل من الاتكاء إلا أنه أشبع الفتحة فتولدت منها الألف وهو كثير في كلامهم ، ومنه قوله :
وأنت من الغوائل حين ترمى *** وعن ذم الرجال بمنتزاح
ينباع من ذفرى عضوب حسرة *** زيافة مثل الفنيق المكرم( {[365]} )
وقرأ ابن عباس . وابن عمر . ومجاهد . وقتادة . وآخرون( {[366]} ) متكا بضم الميم وسكون التاء وتنوين الكاف ، وجاء ذلك عن ابن هرمز أيضاً ، وهو الأترج عند الأصمعي .
فأهدت ( متكة ) لبني أبيها *** تخب بها العثمثمة الوقاح
وقيل : هو اسم يعم جميع ما يقطع بالسكين كالأترج . وغيره من الفواكه ، وأنشد :
نشرب الاثم بالصواع جهارا *** ونرى ( المتك ) بيننا مستعاراً
وهو من متك الشيء بمعنى بتكه أي قطعه ، وعن الخليل تفسير المتك مضموم الميم بالعسل ، وعن أبي عمرو تفسيره بالشراب الخالص ، وحكى الكسائي تثليث ميمه ، وفسره بالفالوذج ، وكذا حكى التثليث المفضل لكن فسره بالزماورد ، وذكر أنه بالضم المائدة أو الخمر في لغة كندة ، وبالفتح قرأ عبد الله . ومعاذ رضي الله تعالى عنهما ، وفي الآية على سائر القراآت حذف أي فجئن وجلسن { وَءاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مّنْهُنَّ سِكّينًا } .
وقال بعض المحققين : لا يبعد أن تسم هذه الواو فصيحة ، وإنما أعطت كل وحدة ذلك لتستعمله في قطع ما يعهد قطعه مما قدم بين أيديهن وقرب إليهن ، وغرضها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن لتبكتهنّ بالحجة .
وقيل : غرضها ذاك والتهويل على يوسف عليه السلام من مكرها إذا خرج على أربعين نسوة مجتمعات في أيديهن الخناجر توهمه أنهن يثبت عليه فيكون خائفاً من مكرها دائماً فلعله يجيبها إلى مرادها ، والسكين مذكر عند السجستاني قال : وسألت أبا زيد الأنصاري . والأصمعي . وغيرهم ممن أدركناه فكلهم يذكره وينكر التأنيث فيه ، وعن الفراء أنه يذكر ويؤنث . وذلك حكى عن اللحياني . ويعقوب ، ومنع بعضهم أن يقال : سكينة ، وأنشد عن الكسائي ما يخالف ذلك وهو قوله :
الذئب سكينته في شدقه *** ثم قراباً نصلها في حلقه
{ وَقَالَتِ } ليوسف عليه السلام وهن مشغولات بمعالجة السكاكين وإعمالها فيما بأيدهن ، والعطف بالواو ربما يشير إلى أن قوله : { اخرج عَلَيْهِنَّ } أي ابرز لهن لم يكن عقيب ترتيب أمورهنّ ليتم غرضها بهن .
والظاهر أنها لم تأمره بالخروج إلا لمجرد أن يرينه فيحصل مرامها ، وقيل : أمرته بالخروج عليهن للخدمة أو للسلام ، وقد أضمرت مع ذلك ما أضمرت يحكى أنها ألبسته ثياباً بيضاً في ذلك اليوم لأن الجميل أحسن ما يكون في البياض { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ } عطف على مقدر يستدعيه الأمر بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه ، وإنما حذف على ما قيل : تحقيقاً لمفاجأة رؤيتهن كأنها تفوت عند ذكر خروجه عليهن( {[367]} ) ، وفيه إيذان بسرعة امتثاله عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرته من الأفاعيل . ونظير هذا آت كما مر آنفاً { أَكْبَرْنَهُ } أي أعظمنه ودهشن برؤية جماله الفائق الرائع الرائق ، فإن فضل جماله على جمال كل جميل كان كفضل القمر ليلة اليدر على سائر الكواكب .
وأخرج ابن جرير . وغيره عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : رأيت يوسف ليلة المعراج كالقمر ليلة البدر ، وحكى أنه عليه السلام كان إذا سار في أزقة مصر تلألأ وجهه على الجدران كما يرى نور الشمس ، وجاء عن الحسن أنه أعطى ثلث الحسن ، وفي رواية عن أنس مرفوعاً أنه عليه السلام أعطى هو وأمه شطر الحسن( {[368]} ) وتقدم خبر أنه عليه اللاسم كان يشبه آدم عليه السلام يوم خلقه ربه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى أكبرن حضن ، ومن ذلك قوله :
يأتي النساء على أطهارهن ولا *** يأتي النساء إذا أكبرن إكباراً
وكأنه إنما سمي الحيض إكباراً لكون البلوغ يعرف به فكأنه يدخل الصغار سن الكبر فيكون في الأصل كناية أو مجازاً ، والهاء على هذا إما ضمير المصدر فكأنه قيل : أكبرن إكباراً . وإما ضمير يوسف عليه السلام على أسقاط الجار أي حضن لأجله من شدّة شبقهن ، والمرأة كما زعم الواحدي إذا اشتدّ شبقها حاضت ومن هنا أخذ المتنبي قوله :
خف الله واستر ذا الجمال ببرقع *** إذا لحت حاضت في الخدور العواتق
وقيل : إن الهاء للسكت ، ورد بأنها لا تحرك ولا تثبت في الولص ، وءجراء الوصل مجرى الوقف وتحريكها تشبيهاً لها بالضمير كما في قوله :
واحر قلباه ممن قلبه شبم *** ضعيف في العربية
على تسليم صحته ضعيف في العربية واعترض في «الكشف » التخريجين الأولين فقال : إن نزع الخافض ضعيف لأنه إنما يجري في الظروف والصفات والصلات ، وذلك لدلالة الفعل على مكان الحذف ، وأما في مثل هذا فلا ، والمصدر ليس من مجازه إذ ليس المقام للتأكيد ، وزعم أن الوجه هو الأخير ، وكل ما ذكره في حيز المنع كما لا يخفى .
وأنكر أبو عبيدة مجيء أكبرن بمعنى حضن ، وقال : لا نعرف ذلك في اللغة ، والبيت مصنوع مختلق لا يعرفه العلماء بالشعر ، ونقل مثل ذلك عن الطبري . وابن عطية . وغير واحد من المحققين ، ورواية ذلك عن ابن عباس إنما أخرجها ابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم من طريق عبد الصمد ، وهو وإن روى ذلك عن أبيه علي عن أبيه ابن عباس لا يعول عليه فقد قالوا : إنه عليه الرحمة ليس من رواة العلم .
وعن الكميت الشاعر تفسير أكبرن بأمنين ، ولعل الكلام في ذلك كالكلام فيما تقدم تخريجاً وقبولاً ، وأنا لا أرى الكميت من خيل هذا الميدان وفرسان ذلك الشأن { وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أي جرحنها بما في أيديهن من السكاكين لفرط دهشتهن وخروج حركات جوارحهن عن منهاج الاختيار حتى لم يعلمن بما عملن ولم يشعرن بما ألم ما نالهن ، وهذا كما تقول : كنت أقطع اللحم فقطعت يدي ، وهو معنى حقيقي للتقطيع عند بعض .
وفي «الكشف » إنه معنى مجازي على الأصح ، والتضعيف للتكثير إما بالنسبة لكثرة القاطعات . وإما بالنسبة لكثرة القطع في يد كل واحدة منهن .
وأخرج ابن المنذر . وغيره عن مجاهد أنه فسر التقطيع بالإبانة ، والمعنى الأول أسرع تبادراً إلى الذهن ، وحمل الأيدي على الجوارح المعلومة مما لا يكاد يفهم خلافه ، ومن العجيب ما روى عن عكرمة من أن المراد بها الأكمام ، وأظن أن منشأ هذا محض استبعاد وقوع التقطيع على الأيدي بالمعنى المتبادر ؛ ولعمري لو عرض ما قاله على أدنى الأفهام لاستبعدته { وَقُلْنَ } تنزيهاً لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجباً من قدرته جل وعلا على مثل ذلك النصع البديع { حاش لِلَّهِ } أصله حاشا الله بالألف كما قرأ أبو عمرو في الدرج/ فحذفت ألفه الأخيرة تخفيفاً ، وهو على ما قيل : حرف وضع للاستثناء والتنزيه معاً ثم نقل وجعل اسماً بمعنى التنزيه وتجرد عن معنى الاستثناء ولم ينون مراعاة لأصله المنقول عنه ، وكثيراً ما يراعون ذلك ألا تراهم قالوا : جلست من عن يمينه ؟ فجعلوا عن اسماً ولم يعربوه ، وقالوا : غدت من عليه فلم يثبتوا ألف على مع المضمر كما أثبتوا ألف فتى في فتاه كل ذلك مراعاة للأصل ، واللام للبيان فهي متعلقة بمحذوف ، ورد في «البحر » دعوى إفادته التنزيه في الاستثناء بأن ذلك غير معروف عند النحاة ، ولا فرق بين قام القوم إلا زيداً . وحاشا زيداً ، وتعقب بأن عدم ذكر النحاة ذلك لا يضر لأنه وظيفة اللغويين لا وظيفتهم ، واعترض بعضهم حديث النقل بأن الحرف لا يكون اسماً إلا إذا نقل وسمى به وجعل علماً ، وحينئذ يجوز فيه الحكاية والإعراب ، ولذا جعله ابن الحاجب اسم فعل بمعنى برىء الله تعالى من السوء ، ولعل دخول اللام كدخولها في { هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ } [ المؤمنون : 36 ] وكون المعنى على المصدرية لا يرد عليه لأنه قيل : إن أسماء الأفعال موضوعة لمعاني المصادر وهو المنقول عن الزجاج ، نعم ذهب المبرد . وأبو علي . وابن عطية . وجماعة إلى أنه فعل ماض بمعنى جانب ، وأصله من حاشية الشيء وحيه أي جانبه وناحيته ، وفيه ضمير يوسف واللام للتعليل متعلقة به أي جانب يوسف ما قرف به لله تعالى أي لأجل خوفه ومراقبته ، والمراد تنزيهه وبعده كأنه صار في جانب عما اتهم به لما رؤى فيه من آثار العصمة وأبهة النبوة عليه الصلاة والسلام ، ولا يخفى أنه على هذا يفوت معنى التعجب ، واستدل على اسميتها بقراءة أبي السمال { حاش لِلَّهِ } بالتنوين ، وهو في ذلك على حد : سقياً لك ، وجوز أن يكون اسم فعل والتنوين كما في صه ، وكذا بقراءة أبيّ . وعبد الله( {[369]} ) رضي الله تعالى عنهما حاشا الله بالإضافة كسبحان الله ، وزعم الفارسي أن { *حاشا } في ذلك حرف جر مراداً به الاستثناء كما في قوله :
( حاشا ) أبي ثوبان إن أبا *** ثوبان ليس ببكمة فدم
ورد بأنه لم يتقدمه هنا ما يستثنى منه ، وجاء في رواية عن الحسن أنه قرأ حاش لله بسكون الشين وصلاً ووقفاً مع لام الجر في الاسم الجليل على أن الفتحة اتبعت الألف في الاسقاط لأنها كالعرض اللاحق لها ، وضعفت هذه القراءة بأن فيها التقاء الساكنين على غير حده ، وفي رواية أخرى عنه أنه قرأ حاش الإله وقرأ الأعمش حاشا لله بحذف الألف الأولى ، هذا واستدل المبرد .
وابن جني . والكوفيون على حاش قد تكون فعلاً بالتصرف فيها بالحذف كما عملت في هذه القراآت ، وبأنه قد جاء المضارع منها كما في قول النابغة :
ولا أرى فاعلاً في الناس يشبهه *** ولا أحاشى من الأقوام من أحد
ومقصودهم الرد على س وأكثر البصرية حيث أنكروا فعليتها ، وقالوا : إنها حرف دائماً بمنزلة إلا لكنها تجر المستنثى ، وكأنه لم يبلغهم النصب بها كما في قوله : حاشا قريشاً فإن الله فضلهم وربما يجيبون عن التصرف بالحذف بأن الحذف قد يدخل الحرف كقولهم : أما والله . وأم والله ، نعم ردّ عليهم أيضاً بأنها تقه قبل حرف الجر ، ويقابل هذا القول ما ذهب إليه الفراء من أنها لا تكون حرفاً أصلاً بل هي فعل دائماً ولا فاعل لها ، والجر الوارد بعدها كما في :
حاشاي إني مسلم معذور *** والبيت المار آنفاً بلام مقدرة ، والحق أنها تكون فعلاً تارة فينصب ما بعدها ولها فاعل وهو ضمير مستكن فيها وجوباً يعود إما على البعض المفهوم من الكلام . أو المصدر المفهوم من الفعل ، ولذا لم يثن . ولم يجمع . ولم يؤنث ، وحرفا أخرى ويجر ما بعدها ، ولا تتعلق بشيء كالحروف الزائدة عند ابن هشام ، أو تتعلق بما قبلها من فعل أو شبهه عند بعض ، ولا تدخل عليها إلا كما إذا كانت فعلاً خلافاً للكسائي في زعمه جواز ذلك إذا جرت ، وأنها إذا وقعت قبل لام الجر كانت اسم مصدر مرادفاً للتنزيه ، وتمام الكلام في محله { مَا هذا بَشَرًا } نفين عنه البشرية لما شاهدن من جماله الذي لم يعهد مثاله في النوع الإنساني ، وقصرهن على الملكية بقولهن : { إِن هَذَا } أي ما هذا { إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } أي شري كثير المحاسن بناءاً على ما ركز في الطباع من أنه لا حي أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان ، ولذا لا يزال يشبه بهما كل متناه في الحسن والقبح وإن لم يرهما أحد ، وأنشدوا لبعض العرب :
فلست لأنسي ولكن لملأك *** تنزل من جو السماء يصوب
وكثر في شعر المحدثين ما هو من هذا الباب ، ومنه قوله :
ترك إذا قوبلوا كانوا ملائكة *** حسناً وإن قوتلوا كانوا عفاريتا
وغرضهن من هذا وصفه بأنه في أقصى مراتب الحسن والكمال الملائم لطباعهن ، ويعلم مما قرر أن الآية لا تقوم دليلاً على أن الملك أفضل من بني آدم كما ظن أبو علي الجبائي . وأتباعه ، وأيده الفخر ولا فخر له بما أيده ، وذهب غير واحد إلى أن الغرض تنزيهه عليه السلام عما رمى به على أكم لوجه ، وافتتحوا ذلك بحاشا لله على ما هو الشائع في مثل ذلك ، ففي «شرح التسهيل » الاستعمال على أنهم إذا أرادوا تبرئة أحد من سوء ابتدأوا تبرئة الله سبحانه من السوء ثم يبرئون من أرادوا تبرئته على معنى أن الله تعالى منزه عن أن لا يطهره مما يميمه فيكون آكد وأبلغ ، والمنصور ما أشير إليه أولاً وهو الذي يقتضيه السياق والسباق ، نعم هذا الاستعمال ظاهر فيما يأتي إن شاء الله تعالى من قوله تعالى عن النسوة : { حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } [ يوسف : 51 ] و { مَا } عاملة عمل ليس وهي لغة للحجازيين لمشابهتها لها في نفي الحال على ما هو المشهور في ليس من أنها لذلك أو في مطقل النفي بناءاً على ما قال الرضي من أنها ترد لنفي الماضي . والمستقبل ، والغالب على لغتهم جر الخبر بالباء حتى أن النحويين لم يجدوا شاهداً على النصب في أشعارهم غير قوله :
وأنا النذير بحرة مسودة *** تصل الجيوش إليكم قوادها
أبناؤها متكنفون أباهم *** حنقوا الصدور وما هم أولادها
والزمخشري يسمى هذه اللغة : اللغة القدمى الحجازية ، ولغة بني تميم في مثل ذلك الرفع ، وعلى هذا جاء قوله :
ومهفهف الأعطاف قلت له انتسب *** فأجاب ما قتل المحب حرام
وبلغتهم قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ، وزعم ابن عطية أنه لم يقرأ بها أحد هنا ، وقرى الحسن . وأبو الحويرث الحنفي ما هذا بشرى بالباء الجارة ، وكسر الشين على أن شرى كما قال صاحب اللوائح مصدر أقيم مقام المفعول به( {[370]} ) أي ما هذا بمشرى أي ليس ممن يشتري بمعنى أنه أعز من أن يجري عليه ذلك .
وروى هذه القراءة عبد الوارث عن أبي عمرو أيضاً إلا أنه روى عنه أنه مع ذلك كسرى اللام من ملك ، وروى الكسرى ابن عطية عن الحسن . وأبي الحويرث أيضاً ، والمراد إدخاله في حيز الملوك بعد ، ففي كونه مما يصلح للملوكية فبين الجملتين تناسب ظاهر ، وكأن بعضهم لم ير أن من قرأ بذلك قرأ أيضاً { ملكُ } بكسر اللام فقال : لتحصيل التناسب بينهما في تفسير ذلك أي ما هذا بعبد مشتري لئيم( {[371]} ) ، وعلى التقديرين لا يقال : إن هذه القراءة مخالفة لمقتضى المقام ، نعم إنها مخالفة لرسم المصحف لأنه لم يكتب ذلك بالياء فيه .
( ومن باب الإشارة ) : قال جعفر : كان لله تعالى في يوسف عليه السلام سر فغطى عليهم موضع سره ولو كشف للسيارة عن حقيقة ما أودع في ذلك البدر الطالع من برح دلوهم لما اكتفى قائلهم بذلك ولما اتخذوه بضاعة ، ولهذا لما كشف للنسوة بعض الأمر قلن :
{ مَا هذا بَشَرًا إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } [ يوسف : 31 ] قلن ذلك إعظاماً له عليه السلام من أن يكون من النوع الإنساني ، قال محمد بن علي رضي الله تعالى عنهما : أردن ما هذا بأهل أن يدعى إلى المباشرة بل مثله من يكرم وينزه عن مواضع الشبه والأول أوفق بقولها .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: فلما سمعت امرأة العزيز بمكر النسوة اللاتي قلن في المدينة ما ذكره الله عزّ وجلّ عنهنّ... عن السديّ: {فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ}، يقول: بقولهنّ...
عن ابن إسحاق، قال: لما أظهر النساء ذلك من قولهنّ: تراود عبدها مكرا بها لتريهنّ يوسف، وكان يوصف لهنّ بحسنه وجماله. {فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنّ أرْسَلَتْ إلَيْهِنّ وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَئا}...: أرسلت إلى النسوة اللاتي تحدّثن بشأنها وشأن يوسف.
{وأعْتَدَتْ}: أفعلت من العتاد، وهو العدّة، ومعناه: أعدّت لهنّ متكئا، يعني: مجلسا للطعام، وما يتكئن عليه من النمارق والوسائد، وهو مفتعل من قول القائل: اتكأت، يقال: ألقِ له مُتّكَئا، يعني: ما يتكئ عليه...
عن سيعد: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَئا}، قال: طعاما وشرابا ومتكئا...
فهذا الذي ذكرنا عمن ذكرنا عنه من تأويل هذه الكلمة، هو معنى الكلمة وتأويل المتكأ، وأنها أعدّت للنسوة مجلسا فيه متكأً، وطعام، وشراب، وأترجّ. ثم فسّر بعضهم المتكأ بأنه الطعام على وجه الخبر عن الذين أعدّ من أجلهم المتكأ...
عن عطية: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَأً}، قال: الطعام...
قال الله تعالى ذكره مخبرا عن امرأة العزيز والنسوة اللاتي تحدّثن بشأنها في المدينة: {وآتَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ سِكّينا}، يعني بذلك جلّ ثناؤه: وأعطت كل واحدة من النسوة اللاتي حضرنها سكينا لتقطع به من الطعام ما تقطع به، وذلك ما ذكرت أنها آتتهنّ، إما من الأترجّ، وإما من البزماورد، أو غير ذلك مما يقطع بالسكين... وفي هذه الكلمة بيان صحة ما قلنا واخترنا في قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَأً}؛ وذلك أن الله تعالى ذكره أخبر عن إيتاء امرأة العزيز النسوة السكاكين، وترك ماله آتتهنّ السكاكين، إذا كان معلوما أن السكاكين لا تدفع إلى من دعي إلى مجلس إلا لقطع ما يؤكل إذا قطع بها، فاستغني بفهم السامع بذكر إيتائها صواحباتها السكاكين عن ذكر ماله آتتهنّ ذلك، فكذلك استغني بذكر اعتدادها لهنّ المتكأ عن ذكر ما يعتدّ له المتكأ مما يحضر المجالس من الأطعمة والأشربة والفواكه وصنوف الالتهاء لفهم السامعين بالمراد من ذلك، ودلالة قوله: {وأعْتَدَتْ لَهُنّ مُتّكَأً} عليه. فأما نفس المتكأ، فهو ما وصفنا خاصة دون غيره.
وقوله: {وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنّ فَلَمّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ}، يقول تعالى ذكره: وقالت امرأة العزيز ليوسف: {اخْرُجْ عَلَيْهِنّ}، فخرج عليهنّ يوسف، {فَلَمّا رأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ}، يقول جلّ ثناؤه: فلما رأين يوسف أعظمنه وأجللنه...
وقوله: {وَقَطّعْنَ أيْدِيَهُنّ}؛ اختلف أهل التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضهم: معناه: أنهن حززن بالسكين في أيديهن، وهن يحسبن أنهنّ يقطعن الأترجّ...
عن ابن إسحاق، قال: قالت ليوسف: اخرج عليهنّ فخرج عليهن، فلما رأينه أكبرنه، وغلبت عقولهن عجبا حين رأينه، فجعلن يقطعن أيديهن بالسكاكين التي معهن ما يعقلن شيئا مما يصنعن، {وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هَذَا بَشَرا}.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهن قطعن أيديهن حتى أبنّها، وهن لا يشعرن... عن مجاهد، قال: {قطّعن أيديهن}، حتى ألقينها...
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله أخبر عنهن أنهن قطعن أيديهن، وهن لا يشعرن لإعظام يوسف، وجائز أن يكون ذلك كان قطعا بإبانة، وجائز أن يكون كان قطع حزّ وخدش، ولا قول في ذلك أصوب من التسليم لظاهر التنزيل.
وقوله: {وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ}...كان بعض أهل العلم بكلام العرب يزعم أن لقولهم: «حاشى لله»، موضعين في الكلام: أحدهما: التنزيه، والآخر: الاستثناء، وهو في هذا الموضع عندنا بمعنى: التنزيه لله، كأنه قيل: معاذ الله...
عن مجاهد: {وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ}، قال: معاذ الله...
وقوله: {ما هَذَا بَشَرا}، يقول: قلن: ما هذا بشرا، لأنهنّ لم يرين في حسن صورته من البشر أحدا، فقلن: لو كان من البشر لكان كبعض ما رأينا من صورة البشر، ولكنه من الملائكة لا من البشر... وقوله: {إنْ هَذَا إلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ}، يقول: قلن ما هذا إلا ملَك من الملائكة.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
(فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ) أي بقولهن. المكر هو الأخذ في حال الأمن، وهو الخيانة في ما أؤتمن، واستكتم. فهذه كأنها استكتمت سرها وحبها ليوسف عن الناس، وأفشت ذلك النسوة في المدينة على أن يستكتمن عن الناس، فأفشين عليها ذلك، فذلك المكر الذي سمعت، والله أعلم...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{بِمَكْرِهِنَّ}: باغتيابهنّ وسوء قالتهن، وقولهنّ: امرأة العزيز عشقت عبدها الكنعاني ومقتها، وسمي الاغتياب مكراً لأنه في خفية وحالِ غيبة، كما يخفي الماكر مكره. وقيل: كانت استكتمتهنّ سرّها فأفشينه عليها. {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ}: دعتهنّ... {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً} ما يتكئن عليه من نمارق، قصدت بتلك الهيئة وهي قعودهنّ متكئات والسكاكين في أيديهنّ: أن يدهشن ويبهتن عند رؤيته، ويشغلن عن نفوسهنّ فتقع أيديهنّ على أيديهنّ فيقطعنها، لأن المتكئ إذا بهت لشيء وقعت يده على يده، ولا يبعد أن تقصد الجمع بين المكر به وبهنّ... وقيل: متكأ: مجلس طعام لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترفين، ولذلك. "نهى أن يأكل الرجل متكئاً "وآتتهنّ السكاكين ليعالجن بها ما يأكلن. وقيل: {مُتَّكَئاً}: طعاماً، من قولك اتكأنا عند فلان: طعمنا، على سبيل الكناية؛ لأن من دعوته ليطعم عندك اتخذت له تكأة يتكئ عليها...
{قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} جرحنها، كما تقول: كنت أقطع اللحم فقطعت يدي، تريد: جرحتها. {حاشا} كلمة تفيد معنى التنزيه في باب الاستثناء... فمعنى «حاشا لله» براءة الله وتنزيه الله...
{مَا هذا بَشَرًا} نفين عنه البشرية لغرابة جماله ومباعدة حسنه، لما عليه محاسن الصور، وأثبتن له الملكية وبتتن بها الحكم، وذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك، كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان، ولذلك يشبه كل متناه في الحسن والقبح بهما، وما ركز ذلك فيها إلا لأن الحقيقة كذلك، كما ركز في الطباع أن لا أدخل في الشر من الشياطين، ولا أجمع للخير من الملائكة...
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ودل بالفاء على أن كلامهن نقل إليها بسرعة فقال: {فلما سمعت} أي امرأة العزيز {بمكرهن} وكأنهن أردن بهذا الكلام أن يتأثر عنه ما فعلت امرأة العزيز ليرينه، فلذلك سماه مكراً {أرسلت إليهن} لتريهن ما يعذرنها بسببه فتسكن قالتُهن {وأعتدت} أي هيأت وأحضرت {لهن متكاً} أي ما يتكئن عليه من الفرش اللينة والوسائد الفاخرة، فأتينها فأجلستهن على ما أعدته لهن {وأتت كل واحدة} على العموم {منهن سكيناً} ليقطعن بها ما يحتاج إلى القطع مما يحضر من الأطعمة في هذا المجلس... هذا الظاهر من علة إتيانهن وباطنه إقامة الحجة عليهن بما لا يجدن له مدفعاً مما يتأثر عن ذلك {وقالت} ليوسف فتاها عليه الصلاة والسلام {اخرج عليهن} فامتثل له ما أمرته به كما هو دأبه معها في كل ما لا معصية فيه، وبادر الخروج عليهن {فلما رأينه} أي النسوة {أكبرنه} أي أعظمن يوسف عليه الصلاة والسلام جداً إعظاماً كربّهن {وقطعن} أي جرحن جراحات كثيرة {أيديهن} وعاد لومهن عذراً، والتضعيف يدل على التكثير، فكأن السكين كانت تقع على يد إحداهن فتجرحها فترفعها عن يدها بطبعها، ثم يغلبها الدهش فتقع على موضع آخر وهكذا {وقلن حاش} أي تنزيهاً عظيماً جداً {لله} أي الملك الأعلى الذي له صفات الكمال التي خلق بها مثل هذا. ولما كان المراد بهذا التنزيه تعظيمه، بينه بقولهن: {ما هذا بشراً} لأنه فاق البشر في الحسن جداً، وأعرض عن الشهوة من غير علة، نراها مانعة له لأنه في غاية القوة والفحولية، فكأنه قيل: فما هو؟ فقلن: {إن} أي ما {هذا} أي في هذا الحسن والجمال، وأعدن الإشارة دفعاً لإمكان الغلط {إلا ملك كريم}...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
{فلما سمعت بمكرهن} وكان من المتوقع أن تسمعه لما اعتيد بين هذه البيوتات، من التواصل بالزيارات، واختلاف الخدم من كل منها إلى الآخر، وهن ما قلنه إلا لتسمعه فإن لم يصل إليها عفوا، احتلن في إيصاله قصدا، فكان ما أردنه {أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكئا وآتت كل واحدة منهن سكينا} أي دعتهن إلى الطعام في دارها، ومكرت بهن كما مكرن بها، بأن أعدت وهيأت لهن ما يتكئن عليه إذا جلسن من الكراسي والأرائك وهو المعتاد في دور الكبراء، قال تعالى في صفة الجنة {متكئين فيها على الأرائك} [الكهف: 31] وكان ذلك في حجرة مائدة الطعام، وأعطت كل واحدة منهن سكينا ليقطعن به ما يأكلن من لحم أو فاكهة، وروي عن بعض مفسري السلف تفسير المتكأ بالطعام الذي يتكأ عليه أي يعتمد عليه لأجل قطعه كالجامد والشديد القوام، دون الرخو كالموز الناضج من الفاكهة والحساء من الطعام، والاتكاء على الشيء هو التمكن بالجلوس عليه أو الاعتماد عليه باليد أو اليدين، قال في المصباح المنير: وتوكأ على عصاه اعتمد عليها واتكأ جلس متمكنا وفي التنزيل {وسررا عليها يتكئون} [الزخرف: 34] أي يجلسون وقال {وأعدت لهن متكأ} أي مجلسا يجلسن عليه. قال ابن الأثير: والعامة لا تعرف الاتكاء إلا الميل في القعود معتمدا على أحد الشقين، وهو يستعمل في المعنيين جميعا، يقال اتكأ إذا أسند ظهره أو جنبه إلى شيء معتمدا عليه، وكل من اعتمد على شيء فقد اتكأ عليه... وفي السنة أنه صلى الله عليه وسلم ما كان يأكل وهو متكئ.
{وقالت اخرج عليهن} أي أمرت يوسف بالخروج عليهن وكان في حجرة أو مخدع في داخل حجرة الطعام التي كن فيها محجوبا عنهن، ولو كان في مكان خارج عنها لقالت ادخل عليهن، فعلم من هذا أنها تعمدت أن يفجأهن وهن مشغولات بما يقطعنه ويأكلنه عالمة بما يكون لهذه الفجاءة من تأثير الدهشة، وهو ما حكاه التنزيل عنهن من قوله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه} أي أعظمنه ودهشن لذلك الحسن الرائع، والجمال البارع، وغبن عن شعورهن {وقطعن أيديهن} بدلا من تقطيع ما يأكلن، ذهولا عما يعملن، بأن استمرت حركة السكاكين الإرادية بعد فقد الإرادة على ما كانت عليه قبل فقدها، ولكنها وقعت على أكف شمائلهن وقد سقط منها ما كان فيها من استرخائها بذهول تلك الدهشة فقطعتها أي جرحتها، ولولا استرخاؤها لأباتها، والظاهر أن مضيفتهن تعمدت جعلها مشحوذة فوق المعهودة في سكاكين الطعام مبالغة في مكرها بهن، لتقوم لها الحجة عليهن بما لا يستطعن إنكاره.
واختلف المفسرون في هذا القطع هل كان قطع إبانة انفصلت به الكف من المعصم أو الأصابع من الكف؟ أم قطع جرح أطلق فيه لفظ بدء الشيء على غايته من باب المبالغة، وهو ما يسميه علماء البيان بالمجاز المرسل؟ الأكثرون على الثاني وهو مستعمل إلى اليوم بالإرث عن قدماء العرب فيمن يحاول قطع شيء فتصيب السكين يده فتجرحها يقول كنت أقطع اللحم أو الحبل [مثلا] فقطعت يدي، كأنه يقول كاد ما أردته من قطع اللحم يكون بيدي مما أخطأت، ولا يقال فيمن جرح عضو منه أو من غيره كالطيب قاصدا جرحه إنه قطعه إلا إذا بالغ فيه، يقال أراد أن يجرح رجله ليخرج منها شظية نشبت فيها فقطعها، يريد أنه بالغ فكاد يقطعها، وقد أشار الزمخشري إلى مثل هذا القيد في استعمال القطع بمعنى الجرح فقال:"كما تقول كنت أقطع اللحم فقطعت يدي" يريد فأخطأت فجرحتها حتى كدت أقطعها.
{وقلن حاش لله ما هذا بشرا} أي قلن هذا تعجبا وتنزيها لله تعالى أن يكون خلق هذا الشخص العجيب في جماله وعفته من نوع البشر وهو ما لم يعهد له في الناس مثل، إنه ليس بشرا مثلنا {إن هذا إلا ملك كريم} أي ما هذا إلا ملك من الملائكة الروحانيين تمثل في هذه الصورة البديعة التي تدهش الأبصار وتخلب الألباب [كما كان يصور لهم صناعهم الرسامون والنحاتون أرواح الملائكة والآلهة بالصور والتماثيل لتكريمها وعبادتها]...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
وهنا كذلك يقع ما لا يمكن وقوعه إلا في مثل هذه الأوساط. ويكشف السياق عن مشهد من صنع تلك المرأة الجريئة، التي تعرف كيف تواجه نساء طبقتها بمكر كمكرهن وكيد من كيدهن: (فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن، وأعتدت لهن متكأ، وآتت كل واحدة منهن سكينا، وقالت: اخرج عليهن. فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن، وقلن: حاش لله! ما هذا بشرا. إن هذا إلا ملك كريم. قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه. ولقد راودته عن نفسه فاستعصم. ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين).. لقد أقامت لهن مأدبة في قصرها. وندرك من هذا أنهن كن من نساء الطبقة الراقية. فهن اللواتي يدعين إلى المآدب في القصور. وهن اللواتي يؤخذن بهذه الوسائل الناعمة المظهر. ويبدو أنهن كن يأكلن وهن متكئات على الوسائد والحشايا على عادة الشرق في ذلك الزمان. فأعدت لهن هذا المتكأ. وآتت كل واحدة منهن سكينا تستعملها في الطعام -ويؤخذ من هذا أن الحضارة المادية في مصر كانت قد بلغت شأوا بعيدا، وأن الترف في القصور كان عظيما. فإن استعمال السكاكين في الأكل قبل هذه الآلاف من السنين له قيمته في تصوير الترف والحضارة المادية. وبينما هن منشغلات بتقطيع اللحم أو تقشير الفاكهة، فاجأتهن بيوسف: (وقالت: اخرج عليهن).. (فلما رأينه أكبرنه).. بهتن لطلعته، ودهشن. (وقطعن أيديهن).. وجرحن أيديهن بالسكاكين للدهشة المفاجئة. (وقلن حاش لله!).. وهي كلمة تنزيه تقال في هذا الموضع تعبيرا عن الدهشة بصنع الله.. (ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم). وهذه التعبيرات دليل- كما قلنا في تقديم السورة -على تسرب شيء من ديانات التوحيد في ذلك الزمان...
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا} لما سمعت بأقوالهن اللائي يروونها أرسلت إليهن، {وأعتدت} أي هيأت {لهن متكأ}، أقامت لهن وليمة أو نحو ذلك، وسمي متكأ تسمية للشيء باسم مكانه، وهي تصور التنعم الذي كانت فيه، {وآتت} وأعطت {كل واحدة منهن سكينا}، ولعل.ذلك كان موجب الوليمة أو ما يشبهها. وسمت قولهن مكرا؛ لأنهن كن يشعنه، وكأنه تدبير السوء، ولأن بعضهن علمته من جانبها فما كتمن لها سرا، ولأنهن كن يوجهن اللوم إليها، ويتبادلن ذلك، وكأنه أمر يدبر، ولذا سمي مكرا. وبعد أن تهيأ المجلس، قالت ليوسف اخرج عليهن {وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله}. خرج عليهن، يتلألأ فيه نور الحق، الجمال الذي كساه الله إياه، فأخذه أبصارهن وقلوبهن، وحسهن، فقلن: {حاش لله} أي تنزيها له عن فعل البشر وقوله {لله}، لأنه هو الذي نزهه وكرمه، أو قلن كلمة التنزيه، لأنه خلق مثل هذا الملاك الكريم. و {أكبرنه}، أي جعلنه في موضع الإكبار والشرف، ولذهولهن من الروعة التي تبدى بها جرحن أيديهن، وعبر سبحانه عن الجرح بالقطع؛ لأن الجرح كان بليغا، ولأن الجرح في حد ذاته قطع لبعض البشرة، وقلن تلك الكلمة المعبرة عما في نفوسهم: {ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} بهرهن حتى ارتفعت مرتبة الإنسانية إلى مرتبة الملكية. ف {إن} هنا هي النافية أي: ما هو إلا ملك كريم. التفتت امرأة العزيز اليهن، وقد رأت الجروح تسيل بالدم من أيديهن، وما اعترى نفوسهن من إكبار له، واستهواء حتى حسبنه ملكا كريما، وليس إنسانا من الطين. قالت:...
والمكر هو ستر شيء خلف شيء، وكأن الحق ينبهنا إلى أن قول النسوة لم يكن غضبة للحق؛ ولا تعصبا للفضيلة، ولكنه الرغبة للنكاية بامرأة العزيز، وفضحا للضلال الذي أقامت فيه امرأة العزيز. وأردن –أيضا- شيئا آخر؛ أن ينزلن امرأة العزيز عن كبريائها، وينشرن فضيحتها، فأتين بنقيضين؛ لا يمكن أن يتعدى الموقف فيهما إلا خسيس المنهج. فهي امرأة العزيز، أي: أرفع شخصية نسائية في المجتمع، قد نزلت عن كبريائها كزوجة لرجل يوصف بأنه الغالب الذي لا يُغلب؛ لأن كلمة "العزيز "مأخوذة من المعاني الحسية. فيقال: "الأرض العزاز" أي: الأرض الصخرية التي يصعب المشي عليها، ولا يقدر أحد أن يطأها؛ ومن هذا المعنى جاءت كلمة "العزيز". فكيف بامرأة العزيز حين تصير مضغة في الأفواه؛ لأنها راودت فتاها وخادمها عن نفسه؛ وهو بالنسبة لها في أدنى منزلة، وتلك فضيحة مزرية مشينة. وقالت النسوة أيضا: {قد شغفها حبا.. (30)} [يوسف]...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{وَأَعْتَدَتْ}: أعدَّت وهيأت. {مُتَّكَئًا}: ما يتكأ عليه من فرش ونحوه. {وَقَطَّعْنَ}: جرحن. خطة الالتفاف {فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ} بما يتحدثن به عنها، وما يسعين له من تحقير لمكانتها في المجتمع، {أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ} في دعوة اجتماعية لا توحي بأيّ طابع مميّز، تماماً كما هي عادة النساء في اجتماعاتهن الخاصة، لمناسبة فرحٍ أو حزن، أو للأخذ بأسباب اللهو، أو التحدث في أيّ أمر طارئ، أو في أي شيء يملأ الفراغ، ويمتّع النفس، وكانت تريد مفاجأتهن، والالتفاف على مكرهن بمكر أشدّ في عملية ذكية لتوريطهن بما تورّطت به، ولإيقاعهنّ في خطيئة التمرد على تقاليد المجتمع الطبقية، فدعتهن إليها، {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئًا} في ما يوحي به ذلك من المجلس المميز الذي يستسلمن فيه للراحة والاسترخاء، ليأخذن حريتهن في الجلوس وفي الحديث في جوّ عائليّ حميم. {وَءَاتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مَّنْهُنَّ سِكِّينًا} لتقطع به الفاكهة التي قدمتها إليهن في هذا المجلس، وهنا كانت المفاجأة التي لم يتهيّأن لها، فلم يكن في البرنامج أو هكذا يبدو أن يخرج يوسف إليهن، أو يجلس معهنّ، لأن التقاليد الطبقية لا تسمح بذلك. {وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ} في أمرٍ حاسمٍ صادر من السيدة لعبدها، فخرج إليهن، لأن موقعه يفرض عليه الطاعة لسيدته، فإذا بالزلزال الروحي والعاطفي والشهواني يهزّ كل كيانهنّ، ويسيطر على كل مشاعرهنّ، في اندفاعةٍ ساحقة، {فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ} لإشراقة وجهه وجمال صورته، وسحر ملامحه، وحلاوة شخصيته. الدخول المفاجئ لقد كان ذلك كله مفاجأة لهن، لأنهن كن يتصورنه على صورة العبيد الذين لا يملكون آية ميزة جمالية، ولهذا كنَّ ينكرن على امرأة العزيز أن تراود فتاها عن نفسه، وأن تعشقه، وقد لا يكون ذلك الإنكار ناشئاً من احترامهن للأخلاق والعفّة، لأن مجتمعهن الطبقي لا يعير ذلك أهمية، بل قد يكون ناشئاً من اعتبار موقفها شذوذاً في التصرّف، وانحرافاً في الذوق تستسلم معه المرأة الكبيرة، لعبد لا جمال فيه أو إثارة... أما الآن، فقد وجدن لها كل العذر، لأنهن وقفن أمام هذا الجمال الباهر العظيم في ذهول وانجذاب، فقدن معه السيطرة على مشاعرهن، ووعيهن، حتى لم يعدن يعقلن ماذا يفعلن، فعندما رأينه، تركن تقطيع الفاكهة بالسكاكين التي قدمت لهن لذلك، {وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} من دون شعور، فإذا بالدماء تسيل، وهن لا يشعرن بالألم أمام سكرة النشوة بهذا الجمال، {وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ} في تعبير يستنكر وصفه بالكلمات المألوفة التي تجعله من صنف البشر، كأنهن يقلن حاش لله أن يكون كذلك في ما يقوله الناس عنه، {مَا هَذَا بَشَرًا} لأن البشر لا يملكون مثل هذا الجمال الروحي الذي لا مثيل له، {إِنْ هَذَآ إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ} في ما يتصورن به الملائكة من السموّ في الجمال الخارق الذي لا يدانيه جمال في الكون، لأنهم يمثلون أقصى حدود الروعة في التكوين...