ثم يذكّرهم تعالى بما أفاء عليهم من النعم ، ومن فضلِنا عليكم أننا :
جعلنا السحاب لكم كالظُلَّة ، يصونكم من حر الصحراء التي أنتم بها .
وأنزلنا عليكم المنّ ، وهو طعام لذيذ حلو كالعسل ، كان ينزل مع ندى الصباح ، فيلتقطونه بسهولة ، وكان لهم بدل الخبز .
أما السلوى ، فهو طائر لحمه لذيذ يعرف بالسُّمّان ، كان يأتيهم أسراباً كثيرة .
فلم يشكروا هذه النعم ، بل كفروا بها . ولما كان كفرهم لا يضر الله وإنما يضرهم هم ، فقد جاء قوله تعالى : { وَمَا ظَلَمُونَا ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } .
{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } عطف على { بعثناكم } [ البقرة : 65 ] وقيل : على { قُلْتُمْ } [ البقرة : 55 ] والأول أظهر للقرب والاشتراك في المسند إليه مع التناسب في المسندين في كون كل منهما نعمة بخلاف { قُلْتُمْ } فإنه تمهيد لها ، وإفادته تأخير التظليل والإنزال عن واقعة طلبهم الرؤية ، وعلى التقديرين لا بد لترك كلمة { إِذْ } [ البقرة : 55 ] ههنا من نكتة ، ولعلها الاكتفاء بالدلالة العقلية على كون كل منهما نعمة مستقلة مع التحرز عن تكرارها في { ظللنا } و{ وَقَدْ أَنزَلْنَا } والغمام اسم جنس كحامة وحمام وهو السحاب ، وقيل : ما ابيض منه ، وقال مجاهد : هو أبرد من السحاب وأرق ، وسمي غماماً لأنه يغم وجه السماء ويستره ومنه الغم والغمم ، وهل كان غماماً حقيقة أو شيئاً يشبهه وسمي به ؟ قولان ، والمشهور الأول وهو مفعول { ظللنا } على إسقاط حرف الجر كما تقول : ظللت على فلان بالرداء أو بلا إسقاط ، والمعنى جعلنا الغمام عليكم ظلة ، والظاهر أن الخطاب لجميعهم فقد روي أنهم لما أمروا بقتال الجبارين وامتنعوا وقالوا : { فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا } [ المائدة : 4 2 ] ابتلاهم الله تعالى بالتيه بين الشام ومصر أربعين سنة وشكوا حر الشمس فلطف الله تعالى بهم بإظلال الغمام وإنزال المنّ والسلوى وقيل : لما خرجوا من البحر وقعوا بأرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء ولا ظل فشكوا الحر فوقوا به ، وقيل : الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد ثلاثين سنة لا يحدث فيها ذنباً أظلته الغمامة وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم فامتن الله تعالى لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة والنعمة الباهرة .
{ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } المنّ اسم جنس لا واحد له من لفظه والمشهور أنه الترنجبين وهو شيء يشبه الصمغ حلو مع شيء من الحموضة كان ينزل عليهم كالطل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم إلا يوم السبت وكان كل شخص مأموراً بأن يأخذ قدر صاع كل يوم أو ما يكفيه يوماً وليلة ولا يدخر إلا يوم الجمعة فإن ادخار حصة السبت كان مباحاً فيه . وعن وهب أنه الخبز الرقاق ، وقيل : المراد به جميع ما منّ الله تعالى/ به عليهم في التيه وجاءهم عفواً بلا تعب ، وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم : «الكمأة من المنّ الذي منّ الله تعالى به على بني إسرائيل » والسلوى اسم جنس أيضاً واحدها سلواة كما قاله الخليل . وليست الألف فيها للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله :
كما انتفض السلواة من بلل القطر ***
وقال الكسائي : السلوى واحدة وجمعها سلاوي ، وعند الأخفش الجمع والواحد بلفظ واحد ، وقيل : جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشياً أو متى أحبوا فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل ، وقيل : إن ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي ، وفي رواية كانت تنزل عليهم مطبوخة ومشوية وسبحان من يقول للشيء كن فيكون وذكر السدوسي أن السلوى هو العسل بلغة كنانة ويؤيده قول الهذلي :
وقاسمتها بالله جهراً لأنتم *** ألذ من ( السلوى ) إذا ما نشورها
وقول ابن عطية إنه غلط ، غلط ، واشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي عن غيرها وعطفها على بعض وجوه المنّ من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه .
{ كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } أمر( {[163]} ) إباحة على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين ، والطيبات المستلذات وذكرها للمنة عليهم أو الحلالات فهو للنهي عن الإدخار ، و{ مِنْ } للتبعيض ، وأبعد من جعلها للجنس أو للبدل ، ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات قائلاً إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل بالمنّ والسلوى فكانا بدلاً من الطيبات ، و{ مَا } موصولة والعائد محذوف أي رزقناكموه أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول ، واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك( {[164]} ) وهو أحد أقوال في المسألة .
{ وَمَا ظَلَمُونَا } عطف على محذوف أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وما ظلمونا بذلك ، ويجوز كما في «البحر » أن لا يقدر محذوف لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلهاً ، وسؤال رؤيته تعالى ظلماً وغير ذلك فجاء قوله تعالى : { وَمَا ظَلَمُونَا } بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقص ولا ضرر ، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه ألبتة .
{ ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } بالكفران أو بما فعلوا إذ لا يتخطاهم ضرره ، وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق ، وفيه ضرب تهكم بهم ، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم عليه ، وفي ذكر ( أنفسهم ) بجمع القلة تحقير لهم وتقليل ، والنفس العاصية أقل من كل قليل .
( ومن باب الإشارة ) : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ } غمام تجلي الصفات لكونها حجب الذات المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره . { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ } من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس ، كالتوكل والرضا وسلوى الحكم والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمة ، والنفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها ، فتسلون بذلك ( السلوى ) وتنسون من لذائذ الدنيا كل ما يشتهى .
{ كُلُواْ } أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات التي رزقتموها حسب استعدادكم ، وأعطيتموها على ما وعد لكم { وَمَا ظَلَمُونَا } أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم بصفات أنفسهم ، ولكن كانوا ناقصين حقوق أنفسهم بحرمانها وخسرانها ، وهذا هو الخسران المبين .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
"وَظَلّلْنا عَلَيْكُمْ": عطف على قوله: "ثُمّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ "فتأويل الآية: ثم بعثناكم من بعد موتكم، وظللنا عليكم الغمام، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم لعلهم يشكرون. والغمام جمع غمامة كما السحاب جمع سحابة، والغمام هو ما غمّ السماء فألبسها من سحاب وقتام وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين، وكل مغطّى فإن العرب تسميه مغموما...
"وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ المَنّ".
اختلف أهل التأويل في صفة المنّ.
فقال بعضهم: المن: صمغة... كان المنّ ينزل عليهم مثل الثلج.
وقال آخرون: شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء، ثم يشربونه.
وقال آخرون: المنّ: عسل كان ينزل لهم من السماء.
وقال آخرون: المنّ: خبز الرقاق.
وقال آخرون: المنّ هو الذي يسقط على الشجر الذي تأكله الناس... قال ابن عباس: كان المنّ ينزل على شجرهم فيغدون عليه فيأكلون منه ما شاءوا.
وتظاهرت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الكمأةُ مِنَ المَنّ، وماؤها شِفاءٌ للْعَيْنِ».
وقال بعضهم: المنّ: شراب حلو كانوا يطبخونه فيشربونه.
"وَالسّلْوَى": والسلوى: اسم طائر يشبه السمانَى
فإن قال قائل: وما سبب تظليل الله جل ثناؤه الغمام وإنزاله المنّ والسلوى على هؤلاء القوم؟ قيل: قد اختلف أهل العلم في ذلك، ونحن ذاكرون ما حضرنا منه.
فحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط بن نصر، عن السدي: لما تاب الله على قوم موسى وأحيا السبعين الذين اختارهم موسى بعد ما أماتهم، أمرهم الله بالمسير إلى أريحا، وهي أرض بيت المقدس. فساروا حتى إذا كانوا قريبا منها بعث موسى اثني عشر نقيبا. وكان من أمرهم وأمر الجبارين، وأمر قوم موسى ما قد قصّ الله في كتابه، فقال قوم موسى لموسى: "اذْهَبْ أنْتَ وَرَبّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنَا قَاعِدُونَ "فغضب موسى، فدعا عليهم قال: "رَبّ إني لا أمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وأخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ" فكانت عجلة من موسى عجلها فقال الله تعالى: "إِنّهَا مُحَرّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَة يَتِيهُونَ فِي الأرْضِ". فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى، وأتاه قومه الذين كانوا معه يطيعونه، فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى؟ فلما ندم أوحى الله إليه أنْ لا تأسَ على القَوْمِ الفاسقِينَ أي لا تحزن على القوم الذين سميتهم فاسقين. فلم يحزن. فقالوا: يا موسى كيف لنا بماء ههنا، أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المنّ، فكان يسقط على شجر الترنجبين، والسلوى: وهو طير يشبه السمانى... فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الطعام والشراب، فأين الظلّ؟ فظلل عليهم الغمام...
"كُلُوا مِنْ طَيّبات ما رزَقْنَاكُمْ": وهذا مما استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه، وذلك أن تأويل الآية: "وظللنا عليكم الغمام، وأنزلنا عليكم المن والسلوى"، وقلنا لكم: كلوا من طيبات ما رزقناكم. فترك ذكر قوله: «وقلنا لكم...» لما بينا من دلالة الظاهر في الخطاب عليه. وعنى جل ذكره بقوله: "كُلُوا مِنْ طَيّباتِ مَا رزَقْنَاكُمْ" كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه. وقد قيل عنى بقوله: "مِنْ طَيبَاتِ ما رَزَقْنَاكُمْ" من حلاله الذي أبحناه لكم، فجعلناه لكم رزقا. والأول من القولين أولى بالتأويل لأنه وصف ما كان القوم فيه من هنيء العيش الذي أعطاهم، فوصف ذلك بالطيب الذي هو بمعنى اللذّة أحرى من وصفه بأنه حلال مباح. و«ما» التي مع «رزقناكم» بمعنى «الذي» كأنه قيل: كلوا من طيبات الرزق الذي رزقناكموه.
"ومَا ظَلَمُونا وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ":
وهذا أيضا من الذي استغني بدلالة ظاهره على ما ترك منه. وذلك أن معنى الكلام: كلوا من طيبات ما رزقناكم، فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم ثم رسولنا إليهم، وما ظلمونا. فاكتفى بما ظهر عما ترك. وقوله: "وَما ظَلَمُونَا" يقول: وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم. "وَلَكِنْ كانُوا أنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ". ويعني بقوله: "وَمَا ظَلَمُونَا": وما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرّة علينا ومنقصة لنا، ولكنهم وضعوه من أنفسهم موضع مضرّة عليها ومنقصة لها... وقد دللنا فيما مضى على أن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه بما فيه الكفاية، فأغنى ذلك عن إعادته. وكذلك ربنا جل ذكره لا تضرّه معصية عاص، ولا يتحيف خزائنه ظلم ظالم، ولا تنفعه طاعة مطيع، ولا يزيد في ملكه عدل عادل، بل نفسه يظلم الظالم، وحظها يبخس العاصي، وإياها ينفع المطيع، وحظها يصيب العادل.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
وقوله تعالى: (وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم) يحتمل وجهين:
يحتمل ما لم يحل لهم الفضل على حاجتهم، فأباح لهم القدر الذي لهم إليه حاجة، وسماه طيبات.
ويحتمل أنه سماه طيبات لما لا يشوبه داء يؤذيهم ولا أذى يضر بهم، ليس كطعام الدنيا مما لا يسلم من ذلك، والله أعلم.
وقد قيل: الطيب هو المباح الذي يستطيبه الطبع، ويتلذذ به النفس...
(وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)... قد يحتمل وجها آخر؛ وهو النقصان كقوله: (كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا) [الكهف: 33] أي لم تنقص منه...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَمَا ظَلَمُونَا} يعني فظلموا بأن كفروا هذه النعم، وما ظلمونا، فاختصر الكلام بحذفه لدلالة {وَمَا ظَلَمُونَا} عليه.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
وقوله تعالى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أمر إباحة وإرشاد وامتنان.
{وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [البقرة: 57]، أي أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} [سبأ: 15] فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، ومن هاهنا تتبين فضيلة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، كما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلا على الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مَبْرك الشاة، فدعا الله فيه، وأمرهم فملأوا كل وعاء معهم، وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى، فجاءت سحابة فأمطرتهم، فشربوا وسقوا الإبل وملأوا أسقيتهم. ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
أما النعمة الأولى فقوله تعالى {وظللنا عليكم الغمام} قال الأستاذ الإمام: هذه نعمة مستقلة متصلة بما قبلها في سياق الذكرى، منفصلة عنها في الوقوع، فإن التظليل استمر إلى دخولهم أرض الميعاد، ولولا أن سياق الله إليهم الغمام يظللهم في التيه لسعفتهم الشمس ولفحت وجوههم. وقال لا معنى لوصف الغمام بالرقيق كما قال المفسر (الجلال) وغيره، بل السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل الذي يفيده حرف التظليل، إلا بسحاب كثيف بمنع حر الشمس ووهجها. وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة إلا بالكثيف وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم
وأما النعمة الثانية ففي قوله تعالى {وأنزلنا عليكم المن والسلوى} ما منح من الله تعالى يسمى إيجاده إنزالا ومنه {وأنزلنا الحديد} على أن المن ينزل كالندى وهو مادة لزجة حلوة تشبه العسل تقع على الحجر وورق الشجر مائعة ثم تجمد وتجف فيجمعها الناس، ومنها الترنجبين وبه فسر المن مفسرنا وغيره. وأما السلوى فقد فسروها بالسماني وهو الطائر المعروف فمعنى النزول يصح فيه على حقيقته أيضا. وظاهر أن قوله تعالى {كلوا من طيبات ما رزقناكم} مقدر فيه القول. وفي (سفر الخروج) أن بني إسرائيل أكلوا المن أربعين سنة وأن طعمه كالرقاق بالعسل؛ وكان لهم بدلا من الخبز وليس المراد أنه لم يكن لهم أكل سواه إلا السلوى فقد كان معهم المواشي ولكنهم كانوا محرومين من النبات والبقول كما يعلم مما يأتي.
وفي قوله تعالى {وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} تقرير لقاعدة مهمة وهي أن كل ما يطلبه الدين من العبد فهو لمنفعته، وكل ما ينهاه عنه فإنما يقصد به دفع الضرر عنه، ولن يبلغ أحد نفس الله فينفعه، ولن يبلغ أحد ضره فيضره، كما ثبت في الحديث القدسي. فكل عمل ابن آدم له أو عليه {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}.
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
ثم ذكر نعمته عليكم في التيه والبرية الخالية من الظلال وسعة الأرزاق، فقال: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} وهو اسم جامع لكل رزق حسن يحصل بلا تعب، ومنه الزنجبيل والكمأة والخبز وغير ذلك.
{وَالسَّلْوَى} طائر صغير يقال له السماني، طيب اللحم، فكان ينزل عليهم من المن والسلوى ما يكفيهم ويقيتهم {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} أي: رزقا لا يحصل نظيره لأهل المدن المترفهين، فلم يشكروا هذه النعمة، واستمروا على قساوة القلوب وكثرة الذنوب.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
والمن مادة صمغية جوية ينزل على شجر البادية شبه الدقيق المبلول، فيه حلاوة إلى الحموضة ولونه إلى الصفرة ويكثر بوادي تركستان وقد ينزل بقلة غيرها ولم يكن يعرف قبل في برية سينا. وقد وصفته التوراة بأنه دقيق مثل القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض وهو مثل بزر الكزبرة أبيض وطعمه كرقاق بعسل وسمته بنو إسرائيل منا، وقد أمروا أن لا يبقوا منه للصباح لأنه يتولد فيه دود وأن يلتقطوه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه فكانوا إذا التقطوه طحنوه بالرحا أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور وعملوه ملات وكان طعمه كطعم قطائف بزيت وأنهم أكلوه أربعين سنة حتى جاءوا إلى طرف أرض كنعان يريد إلى حبرون...
وغير الأسلوب في هذه الجملة إذ انتقل من خطاب بني إسرائيل إلى الحديث عنهم بضمير الغيبة لقصد الاتعاظ بحالهم وتعريضاً بأنهم متمادون على غيهم وليسوا مستفيقين من ضلالهم فهم بحيث لا يقرون بأنهم ظلموا أنفسهم. وهذا الظلم الذي قدر في نظم الآية هو ضجرهم من مداومة أكل المن والسلوى الذي سيأتي ذكره بقوله تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد} [البقرة: 62] الآية فكان قوله: {وما ظلمونا} تمهيداً له وتعجيلاً بتسجيل قلة شكرهم على نعم الله وعنايته بهم إذ كانت شكيمتهم لم تلينها الزواجر ولا المكارم.
{ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} قدم فيه المفعول للقصر وقد حصل القصر أولاً بمجرد الجمع بين النفي والإثبات ثم أكد بالتقديم لأن حالهم كحال من ينكي غيره كما قيل: يفعل الجاهل بنفسه ما يفعل العدو بعدوه.
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
الحياة الجديدة بعد التحرر: الأمة التي تتحرر بعد عصر من الذّل والاستضعاف والاستعباد، لا تستطيع أن تتخلى تماماً عن حالتها النفسية والثقافية الموروثة عن عصر الطاغوت، ولابدّ من فترة برزخية تمر بها كي تكون قادرة على إقامة حكم الله في الأرض، وفق معايير إلهية بعيدة عن مؤثرات عصر الطاغوت. وسواء امتدت هذه الفترة البرزخية أربعين عاماً كما حدث لبني إسرائيل، أو أقل أو أكثر، فهي فترة عقاب إلهي هدفها التزكية والإِصلاح والبناء لأنّ مجازاة الله ليست لها جنبة انتقامية. ولابدّ أن يبقى بنو إسرائيل فترة أربعين عاماً من «التيه» في الصحراء ليتربّى جيل جديد حامل لصفات توحيدية... ومؤهل لإقامة الحكم الإِلهي في الأرض المقدسة.
لماذا قالت الآية «أَنْزَلْنَا»؟
عبرت الآية الكريمة عن نعمة تقديم المن والسلوى بالإِنزال، وليس الإِنزال دائماً إرسال الشيء من مكان عال، كقوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانَيِةَ أَزْوَاج)
(الزمر، 6). [ف] واضح أن الأنعام لم تهبط من السماء، من هنا فالإِنزال في مثل هذه المواضع: إمّا أن يكون «نزولا مقامياً» أي نزولا من مقام أسمى إلى مقام أدنى. أو أن يكون من «الإِنزال» بمعنى الضيافة، يقال أنزلت فلاناً: أي أضفته، والنزل (على وزن رُسُل) ما يُعدّ للنازل من الزاد، ومنه قوله تعالى: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيم)
(الواقعة، 93) و قوله سبحانه: (خَالِدينَ فِيهَا نُزُلا مِنْ عِنْدِ الله) (آل عمران، 198). وتعبير «الإِنزال» للمنّ والسلوى، قد يشير إلى أن بني إسرائيل كانوا ضيوف الله في الأرض، فاستضافهم بالمن والسلوى. ويحتمل أن يكون الإِنزال بمعنى الهبوط من الأعلى لأن النعم المذكورة وخاصة (السلوى) تهبط إلى الأرض من الأعلى.