بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي - السمرقندي  
{وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ} (57)

{ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } ، إنما خاطبهم وأراد به آباءهم وهم قوم موسى عليه السلام حيث أمروا بأن يدخلوا مدينة الجبارين ، فأبوا ذلك وقالوا لموسى : { قَالُواْ يا موسى إِنَّا لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إِنَّا هاهنا قاعدون } [ المائدة : 24 ] ، فعاقبهم الله عز وجل فبقوا في التيه أربعين سنة ، وكانت المفازة اثني عشر فرسخاً ، وكان يؤذيهم حر الشمس فظلل عليهم الغمام ، فذلك قوله تعالى : { وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام } وهو السحاب الأبيض ، يقيكم حر الشمس في التيه ، وكان لهم في التيه عمود من نور مد لهم من السماء فيسير معهم من الليل مكان القمر . فأصابهم الجوع فسألوا موسى فدعا الله فأنزل عليهم المن وهو الترنجيين كان يتساقط عليهم كل غداة ، فيأخذ كل إنسان منهم ما يكفيه يومه وليلته ، فإن أخذ أكثر من ذلك دود ذلك الزائد وفسد ؛ وإذا كان يوم الجمعة أخذ كل إنسان منهم مقدار ما يكفيه يومين ، لأنه لا يأتيهم يوم السبت ، وكان ذلك مثل الشهد المعجون بالسمن فأجموا من المن ، أي ملوا من أكله . فقالوا لموسى عليه السلام : قتلنا هذا المن بحلاوته وأحرق بطوننا ، فادع لنا ربك أن يطعمنا لحماً . فدعا لهم موسى عليه السلام فبعث الله لهم طيراً كثيراً فذلك قوله تعالى : { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } ، وهو السماني وهو طير يضرب إلى الحمرة . وقال بعضهم : كان طيراً يأتيهم مشوياً . قال عامة المفسرين إنهم كانوا يأخذونها ويذبحونها .

{ كُلُواْ مِن طيبات } ، أي قيل لهم { كلوا من طيبات } ، وهذا من المضمرات ، وفي كلام العرب يضمر الشيء إذا كان يستغنى عن إظهاره ، كما قال في آية أخرى { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانكم فَذُوقُواْ العذاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } [ آل عمران : 106 ] ، يعني يقال لهم أكفرتم ؛ وكما قال في آية أخرى : { أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زلفى إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ } [ الزمر : 3 ] يعني قالوا : ما نعبدهم . ومثل هذا في القرآن كثير . وكذلك قوله هاهنا { كُلُواْ مِن طيبات مَا رزقناكم } ، أي من حلالات { مَا رزقناكم } ، أي أعطيناكم من المن والسلوى ولا ترفعوا منها شيئاً ، كما قال في آية أخرى { كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه } [ طه : 81 ] ، أي ولا تعصوا فيه فلا ترفعوا إلى الغد ، فرفعوا وجعلوا اللحم قديداً مخافة أن ينفد فرجع ذلك عنهم ، ولو لم يرفعوا لدام ذلك عليهم .

قوله تعالى : { رزقناكم وَمَا ظَلَمُونَا } ، يقول وما أضرونا { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } ، أي أضروا بأنفسهم حيث رفعوا إلى الغد حتى منع ذلك عنهم . وروى خلاس ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لَوْلا بَنُو إسْرَائِيلَ لَمْ يَخْبُثِ الطَّعَامُ ، وَلَمْ يَنْتنِ اللَّحْمُ ، وَلَوْلاَ حَوَاءُ لَمْ تَخُنِ امْرَأةٌ زَوْجَها " .