تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (38)

هامان : وزير فرعون .

صرحا : قصرا عاليا .

اطّلع : أصعد وأتطلع من فوقه .

وقال فرعون عندما عجز عن محاجّة موسى : يا أيها القوم ،

ما علمت لكم إلهاً غيري كما يدّعي موسى ، فاعملْ يا هامان لي بناءً عالياً أصعد وأرى إله موسى { وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الكاذبين } .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (38)

{ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أيها الملا مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِي } قاله اللعين بعدما جمع السحرة وتصدى للمعارضة ، والظاهر أنه أراد حقيقة ما يدل عليه كلامه وهو نفي علمه بإله غيره دون وجوده فإن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه ، ولم يجزم بالعدم بأن يقول : ليس لكم إله غيري مع أن كلاً من هذا وما قاله كذب ، لأن ظاهر قول موسى عليه السلام له لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر يقتضي أنه كان عالماً بأن إلههم غيره ، وما تركه أوفق ظاهراً بما قصده من تبعيد قومه عن اتباع موسى عليه السلام اختياراً لدسيسة شيطانية وهو إظهار أنه منصف في الجملة ليتوصل بذلك إلى قبولهم ما يقوله لهم بعد في أمر الإله وتسليمهم إياه له اعتماداً على ما رأوا من إنصافه فكأنه قال ما علمت في الأزمنة الماضية لكم إلهاً غيري كما يقول موسى ، والأمر محتمل وسأحقق لكم ذلك .

{ فَأَوْقِدْ لِى يا هامان عَلَى الطين } أي اصنع لي آجراً { فاجعل لّى } منه { صَرْحاً } أي بناءً مكشوفاً عالياً من صريح الشيء إذا ظهر { لَّعَلّى أَطَّلِعُ } أي أطلع وأصعد فأفتعل بمعنى الفعل المجرد كما في «البحر » وغيره .

{ إلى إله موسى } الذي يذكر أنه إلهه وإله العالمين ، كأنه يوهم قومه أنه تعالى لو كان كما يقول موسى لكان جسماً في السماء كون الأجسام فيها يمكن الرقي إليه ثم قال : { وَإِنّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذبين } فيما يذكر تأكيداً لما أراد وإعلاماً بأن ترجيه الصعود إلى إله موسى عليه السلام ليس لأنه جازم بأنه هناك ، والأمر بجعل الصرح وبنائه لا يدل على أنه بنى ، وقد اختلف في ذلك فقيل بناه وذكر من وصفه ما الله عز وجل أعلم به ، وقيل لم يبن وعلى هذا يكون قوله ذلك وأمره للتلبيس على قومه وإيهامه إياهم أنه بصدد تحقيق الأمر ، ويكون ما ذكر ذكراً لأحد طرق التحقيق فيتمكن من أن يقول بعده حققت الأمر بطريق آخر فعلمت أن ليس لكم إله غيري وأن موسى كاذب فيما يقول ، وعلى الأول يحتمل أن يكون صعد الصرح وحده أو مع من يأمنه على سره وبقي ما بقي ثم نزل إليهم فقال لهم : صعدت إلى إله موسى وحققت إن ليس الأمر كما يقول وعلمت أن ليس لكم إله غيري . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال : لما بنى له الصرح ارتقى فوقه فأمر بنشابة فرمى بها نحو السماء فردت إليه وهو متلطخة دماً فقال قتلت إله موسى ، وهذا إن صح من باب التهكم بالفعل ولا أظنه يصح .

وأياً ما كان فالقوم كانوا في غاية الغباوة والجهل وإفراط العماية والبلادة وإلا لما نفق عليهم مثل هذا الهذيان . ولله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص . ولا يبعد أن يقال كان فيهم من ذوي العقول من يعلم تمويهه وتلبيسه ويعتقد هذيانه فيما يقول إلا أنه نظم نفسه في سلك الجهال ولم يظهر خلافاً لما عليه اللعين بحال من الأحوال وذلك إما للرغبة فيما لديه أو للرهبة من سوطته واعتدائه عليه وكم رأينا عاقلاً وعالماً فاضلاً يوافق لذلك الظلمة الجبابرة ويصدقهم فيما يقولون وإن كان مستحيلاً أو كفراً بالآخرة .

وكان قول اللعين لموسى عليه السلام { لئن اتخذت إلهاً غيري لأجعلنك من المسجونين } [ الشعراء : 29 ] بعد هذا القول المحكي ههنا بأن يكون قاله وأردفه بإخبارهم على البت أن لا إله لهم غيره ، ثم هدد موسى بالسجن إن بدا منه ما يشعر بخلافه ، وهذا وجه في الآية لا يخلو عن لطف وإن كان فيه نوع خفاء وفيها أوجه أخر . الأول أنه أراد بقوله : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِي } نفي العلم دون الوجود كما في ذلك الوجه إلا أنه لم ينف الوجود لأنه لم يكن عنده ما يقضتي الجزم بالعدم وأراد بقوله إني لأظنه من الكاذبين إني لأظنه كاذباً في دعوى الرسالة من الله تعالى ، وأراد بقوله : يا هامان أوقد لي على الطين الخ إعلام الناس بفساد دعواه تلك بناء على توهمه أنه تعالى إن كان كان في السماء بأنه لو كان رسولاً منه تعالى فهو ممن يصل إليه ، وذلك بالصعود إليه وهو مما لا يقوى عليه الإنسان فيكون من نوع المحال بالنسبة إليه فما بنى عليه وهي الرسالة منه تعالى مثله ، فقوله : { فاجعل لي صَرْحاً } لإظهار عدم إمكان الصعود الموقوف عليه صحة دعوى الرسالة في زعمه ولعل للتهكم .

الثاني : أنه أراد أيضاً نفي العلم بالوجود دون الوجود نفسه لكنه كان في نفي العلم ملبساً على قومه كاذباً فيه حيث كان يعلم أن لهم إلهاً غيره هو إله الخلق أجمعين ، وهو الله عز وجل وأراد بقوله : { وإني } الخ إني لأظنه كاذباً في دعوى الرسالة كما في سابقه ، وأراد بقوله يا هامان الخ طلب أن يجعل له ما يزيل به شكه في الرسالة ، وذلك بأن يبني له رصداً في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب الدالة على الحوادث الكونية بزعمه فيرى هل فيها ما يدل على إرسالة الله تعالى إياه .

وتعقب بأنه لا يناسب قوله : { فَأَطَّلِعَ إلى إله موسى } إلا أن يراد فأطلع على حكم إله موسى بأوضاع الكواكب والنظر فيها هل أرسل موسى كما يقول أم لا ؟ فيكون الكلام على تقدير مضاف و { إلى } فيه بمعنى على ، وجوز على هذا الوجه أن يكون قد أراد بإله موسى الكواكب فكأنه قال لعلي أصعد إلى الكواكب التي هي إله موسى فأنظر هل فيها ما يدل على إرسالها إياه أو لعلي أطلع على حكم الكواكب التي هي إله موسى في أمر رسالته وهو كما ترى ، وبالجملة هذا الوجه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه .

الثالث : أنه أراد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده وبظنه كاذباً ظنه كاذباً في إثباته إلهاً غيره ويفسر الظن باليقين كما في قول دريد بن الصمة :

فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج *** سراتهم في الفارسي المسرد . فإثبات الظن المذكور لا يدفع إرادة ذلك النفي ، وجوز بعضهم إبقاءه على ظاهره ، وقال في دفع المنافاة : يمكن أن يقال : الظاهر أن كلامه الأول كان تمويهاً وتلبيساً على القوم ، والثاني كان مواضعة مع صاحب سره هامان فإثبات الظن في الثاني لا يدفع أن يكون العلم في الأول لنفي المعلوم ، وفيه أنه يأبى ذلك سوق الآية ، والفاء في فأوقد لي وطلبه بناء الصرح راجياً الصعود إلى إله موسى عليه السلام أراد به التهكم كأنه نسب إلى موسى عليه السلام القول بأن إلهه في السماء فقال : { فَرْعَوْنُ يا هامان ابن لِى صَرْحاً } لأصعد إلى إله موسى متهكماً به ، وهذا نظير ما إذا أخبرك شخص بحياة زيد وأنه في داره ، وأنت تعلم خلاف ذلك فتقول لغلامك بعد أن تذكر علمك بما يخالف قوله متهكماً به يا غلام أسرج لي الدابة لعلي أذنب إلى فلان وأستأنس به بل ما قاله فرعون أظهر في التهكم مما ذكر فطلبه بناء الصرح بناء على هذا لا يكون منافياً لما ادعاه أولاً وآخراً من العلم واليقين .

وقال بعضهم : في دفع ما قيل : من المنافاة : إنها إنما تكون لو لم يكن قوله : لعلي أطلع الخ على طريق التسليم والتنزل ، وقال آخر في ذلك : إن اللعين كان مشركاً يعتقد أن من ملك قطراً كان إلهه ومعبود أهله فما أثبته في قوله : { لَّعَلّى أَطَّلِعُ } الخ الإله لغير مملكته وما نفاه إلهها كما يشير إليه قوله لكم ولا يخلو عن بحث .

وفي «الكشاف » القول بالمناقضة بين بناء الصرح وما ادعاه من العلم واليقين إلا أنه قال قد خفيت على قومه لغباوتهم وبلههم أو لم تخف عليهم ولكن كلا كان يخاف على نفسه سوطه وسيفه وإذا فتح هذا الباب جاز إبقاء الظن على ظاهره من غير حاجة إلى دفع التناقض ، والأولى عندي السعي في دفع التناقض فإذا لم يمكن استند في ارتكاب المخذول إياه إلى جهله أو سفهه وعدم مبالاته بالقوم لغباوتهم أو خوفهم منه أو نحو ذلك ، واعترض القول بأنه أراد بنفي علمه بإله غيره نفي وجوده فقال في التحقيق : وذكره غيره أيضاً إنه غير سديد فإن عدم العلم بالشيء لا يدل على عدمه لاسيما عدم علم شخص واحد .

وقال القاضي البيضاوي : هذا في العلوم الفعلية صحيح لأنها لازمة لتحقق معلوماتها فيلزم من انتفائها انتفاؤها ولا كذلك العلوم الانفعالية ورد بأن غرض قائل ذلك أن عدم الوجود سبب لعدم العلم بالوجود في الجملة ولا شك أنه كذلك فأطلق المسبب وأريد السبب لا أن بينهما ملازمة كلية على أنه لما كان من أقوى أسباب عدم العلم لأنه المطرد جاز أن يطلق ويراد به الوجود إذ لا يشترط في فن البلاغة اللزوم العقلي بل العادي والعرفي كاف أيضاً وقد يقول أحد منا لا أعلم ذلك أي لو كان موجوداً لعلمته إذا قامت قرينة وهذا الاستعمال شائع في عرفي العرب والعجم عند العامة والخاصة ومنه قول المزكي : إذا سئل عن عدالة الشهود لا أعلم كيف ، وكان المخذول يدعي الإلهية ، ثم الظاهر أن الكلام على تقدير إرادة نفي الوجود كناية لا مجاز ، وبالجملة ما ذكر وجه وجيه وتعيين الأوجه مفوض إلى ذهنك والله تعالى الموفق .

واستدل بعض من يقول : إن الله تعالى في السماء بالمعنى الذي أراده سبحانه في قوله عز وجل : { أأمنتم من في السَّمَاء } [ الملك : 16 ] حسبما يقول السلف بهذه الآية ، ووجه ذلك بأن فرعون لو لم يسمع من موسى عليه السلام أن إلهه في السماء لما قال : فاجعل لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى فقوله ذلك دليل السماع إلا أنه أخطأ في فهم المراد مما سمعه فزعم أن كونه تعالى في السماء بطريق المظروفية والتمكن ونحوهما مما يكون للأجسام ، وأنت تعلم أن هذا الاستدلال في غاية الضعف وإثبات مذهب السلف لا يحتاج إلى أن يتمسك له بمثل ذلك وفي قول المخذول : أوقد لي على الطين والمراد به اللبن دون اصنع لي آجراً إشارة إلى أن لم يكن لهامان علم بصنعة الآجر فأمره باتخاذه على وجه يتضمن التعليم ، وفي الآثار ما يؤيد ذلك ، فقد أخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال فرعون أول من أمر بصنعة الآجر وبنائه ، وأخرج هو وجماعة عن قتادة قال بلغني أن فرعون أول من طبخ الآجر وصنع له الصرح . وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه حين سافر إلى الشام ورأى القصور المشيدة بالآجر قال ما علمت إن إحداً بني بالآجر غير فرعون وفي أمره إياه وهو وزيره ورديفه بعمل السفلة من الإيقاد على الطين منادياً له باسمه دون تكنية وتلقيب بيا دون ما يدل على القرب في وسط الكلام دون أوله من الدلالة على تجبره وتعظمه ما لا يخفى .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ} (38)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{وقال فرعون يا أيها الملأ} يعني الأشراف من قومه {ما علمت لكم من إله غيري} هذا القول من فرعون كفر {فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا} يقول: أوقد النار على الطين حتى يصير اللبن أجُرا...

{فاجعل لي صرحا} يعني قصرا طويلا، {لعلي أطلع إلى إله موسى}... {وإني لأظنه} يقول: إني لأحسب موسى {من الكاذبين} بما يقول: إن في السماء إلها.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: وقال فرعون لأشراف قومه وسادتهم:"يا أيّها المَلأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرِي" فتعبدوه وتصدّقوا قول موسى فيما جاءكم به من أن لكم وله ربا غيري ومعبودا سواي، "فَأوْقِدْ لي يا هامانُ عَلى الطّينِ "يقول: فاعمل لي آجرا... عن مجاهد "فَأَوْقِدْ لي يا هامانُ عَلى الطّينِ" قال: على المدَر يكون لَبِنا مطبوخا...

وقوله: "فاجْعَلْ لي صَرْحا" يقول: ابن لي بالآجرّ بناء، وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر...

وقوله: "لَعَلّي أطّلِعُ إلى إلَهِ مُوسَى" يقول: أنظر إلى معبود موسى، الذي يعبده، ويدعو إلى عبادته، "وإنّي لأظُنّهُ" فيما يقول من أن له معبودا يعبده في السماء، وأنه هو الذي يؤيده وينصره، وهو الذي أرسله إلينا، "من الكاذبين"...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري} كأنه قال: للملإ خصوصيته لهم لأنه كان اتخذ للأتباع أصناما يعبدونها، وجعل للملإ نفسه إلها لما لم ير الأتباع أهلا لعبادة نفسه، جعل لهم عبادة الأصنام، ورأى الملأ أهلا لذلك، فخصهم... وقوله تعالى: {فاجعل لي صرحا} أي قصرا {لعلي أطلع إلى إله موسى} كان يعرف أنه ليس بإله السماء والأرض، إذ لا يملك ذلك، فكأنه أراد بقوله {ما علمت لكم من إله غيري} قومه وأهله خاصة...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

قصد بنفي علمه بإله غيره: نفي وجوده، معناه: {مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرِى} [الأعراف: 59]... ويجوز أن يكون على ظاهره، وأنّ إلها غيره غير معلوم عنده، ولكنه مظنون بدليل قوله: {وَإِنّي لأظُنُّهُ مِنَ الكاذبين}، وإذا ظنّ موسى عليه السلام كاذباً في إثباته إلهاً غيره ولم يعلمه كاذباً، فقد ظنّ أن في الوجود إلهاً غيره، ولو لم يكن المخذول ظاناً ظناً كاليقين، بل عالماً بصحة قول موسى عليه السلام لقول موسى له: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض بَصَائِرَ} [الإسراء: 102] لما تكلف ذلك البنيان العظيم، ولما تعب في بنائه ما تعب، لعله يطلع بزعمه إلى إله موسى عليه السلام، وإن كان جاهلاً مفرط الجهل به وبصفاته... ويجوز أن يفسر الظن على القول الأوّل باليقين... ويكون بناء الصرح مناقضة لما ادعاه من العلم واليقين، وقد خفيت على قومه لغباوتهم وبلههم. أوْ لم تخْفَ عليهم، ولكن كلا كان يخاف على نفسه سوطه وسيفه.

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{وقال فرعون} جواباً لهذا الترغيب والترهيب بعد الإعذار، ببيان الآيات الكبار، قانعاً في مدافعة ما رأى أنه اجتذب قومه الأغمار الأغبياء عن الجهل من ظهور تلك الآيات البينات بأن يوقفهم عن الإيمان إلى وقت ما، وكذا كانت عادته كلما أظهر موسى عليه الصلاة والسلام برهاناً، لأن قومه في غاية الغباوة والعراقة في الميل إلى الباطل والنفرة من الحق وترجيح المظنة على المئنة: {يا أيها الملأ} أي الأشراف، معظماً لهم استجلاباً لقلوبهم {ما علمت لكم} وأعرق في النفي فقال: {من إله غيري} نفى علمه بذلك إظهاراً للنصفة، وأنه ما قصد غشهم، وذلك منه واضح في أنه قصد تشكيكهم، إشارة منه إلى أن انتقاء علمه بوجوده ما هو إلا لانتفاء وجوده بعد علمه بأن الحق مع موسى عليه الصلاة والسلام لأنه أنهى ما قدر عليه بعد رؤيتهم لباهر الآيات، وظاهر الدلالات؛ ثم زاد في إيقافهم عن المتابعة بأن سبب عن جهله قوله لوزيره معلماً له صنعة الآجر لأنه أول من عمله، مع أنه هذه العبارة أشبه بهمم الجبابرة من أن يقول: اصنع لي آجراً: {فأوقد لي} أضاف الإيقاد إليه إعلاماً بأنه لا بد منه {يا هامان} وهو وزيره {على الطين} أي المتخذ لبناً ليصير آجراً؛ ثم سبب عن الإيقاد قوله: {فاجعل لي} أي منه {صرحاً} أي بناء عالياً يتاخم السماء، قال الطبري: وكل بناء مسطح فهو صرح كالقصر، وقال الزجاج: كل بناء متسع مرتفع {لعلي أطلع} أي أتكلف الطلوع {إلى إله موسى} أي الذي يدعو إليه، فإنه ليس في الأرض أحد بهذا الوصف الذي ذكره فأنا أطلبه في السماء موهماً لهم أنه مما يمكن الوصول إليه على تقدير صحة الدعوى بأنه موجود، وهو قاطع بخلاف ذلك، ولكنه يقصد المدافعة من وقت إلى وقت، لعلمه أن العادة جرت بأن أكثر الناس يظنون بالملوك القدرة على كل ما يقولونه؛ ثم زادهم شكاً بقوله، مؤكداً لأجل دفع ما استقر في الأنفس من صدق موسى عليه الصلاة والسلام: {وإني لأظنه} أي موسى {من الكاذبين} أي دأبه ذلك، وقد كذب هو ولبس لعنة الله ووصف أصدق أهل ذلك الزمان بصفة العريقة في العدوان، وإن كان هذا الكلام منه على حقيقته فلا شيء أثبت شهادة على إفراط جهله وغباوته منه حيث ظن أنه يصل إلى السماء؛ ثم على تقدير الوصول يقدر على الارتقاء على ظهرها، ثم على تقدير ذلك يقدر على منازعة بانيها وسامكها ومعليها.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري.. كلمة فاجرة كافرة، يتلقاها الملأ بالإقرار والتسليم. ويعتمد فيها فرعون على الأساطير التي كانت سائدة في مصر من نسب الملوك للآلهة. ثم على القهر، الذي لا يدع لرأس أن يفكر، ولا للسان أن يعبر. وهم يرونه بشرا مثلهم يحيا ويموت، ولكنه يقول لهم هذه الكلمة فيسمعونها دون اعتراض ولا تعقيب! ثم يتظاهر بالجد في معرفة الحقيقة، والبحث عن إله موسى، وهو يلهو ويسخر: (فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى).. في السماء كما يقول! وبلهجة التهكم ذاتها يتظاهر بأنه شاك في صدق موسى، ولكنه مع هذا الشك يبحث وينقب ليصل إلى الحقيقة: (وإني لأظنه من الكاذبين)!

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

كلام فرعون المحكي هنا واقع في مقام غير مقام المحاورة مع موسى فهو كلام أقبل به على خطاب أهل مجلسه إثر المحاورة مع موسى فلذلك حُكي بحرف العطف عطف القصة على القصة. فهذه قصة محاورة بين فرعون وملئه في شأن دعوة موسى فهي حقيقة بحرف العطف كما لا يخفى...

{ما علمت لكم من إله غيري}. والمراد بنفي علمه بذلك نفي وجود إله غيره بطريق الكناية يريهم أنه أحاط علمه بكل شيء حق فلو كان ثمة إله غيره لعلمه... وحيث قال موسى إن الإله الحق هو رب السموات فقد حسب فرعون أن مملكة هذا الرب السماء تصوراً مختلاً ففرع على نفي إله غيره وعلى توهم أن الرب المزعوم مقره السماء أن أمر {هامان} وزيره أن يبني له صرحاً يبلغ به عنان السماء ليرى الإله الذي زعمه موسى حتى إذا لم يجده رجع إلى قومه فأثبت لهم عدم إله في السماء إثبات معاينة، أراد أن يظهر لقومه في مظهر المتطلب للحق المستقصي للعوالم حتى إذا أخبر قومه بعد ذلك بأن نتيجة بحثه أسفرت عن كذب موسى ازدادوا ثقة ببطلان قول موسى عليه السلام.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي} وذلك في ما خيّل إليه من سيطرة موسى على عقولهم ومشاعرهم من خلال ما قدّمه من الآيات والمنطق الرسالي، لأنه شعر بتأثير ذلك في نفسه، مع أنه صاحب السلطة وصاحب المصلحة في الرفض، فخاف أن يؤثر ذلك على قومه. ولهذا أراد أن يقوم بأسلوب إيحائيٍّ وبطريقةٍ استعراضية، فهو الحاكم الذي عوّدهم أن يفكر لهم، وأن يكتشف الحقائق التي يريدهم أن يؤمنوا بها، لأنه عطّل لهم تفكيرهم وأبعدهم عن السعي للحصول على المعرفة بشكل مستقل. ولهذا، فالعقيدة تصدر عنه بمرسوم كما هي الشريعة التي قرّرها بمرسوم، كما هي سيرة الطغاة الذين لا يرون لشعوبهم قيمةً في ميزان الفكر، ولا يرون لهم حقاً في تقرير مصيرهم بأنفسهم، وهذا ما جعله يواجههم بأن دعواه الألوهية، التي تجعله في موقع الإِله المعبود، وتجعلهم في موقف العبودية له، لم تنطلق من حالةٍ ذاتيةٍ طموحةٍ، بل من موقع الحقيقة التي تفرض نفسها على الواقع، لأنه بحث في كل ما حوله، فلم يجد إلهاً غيره يملك سلطة الحكم، ويسيطر على مواقع القوّة. أمّا ما قاله موسى، فليس فيه أيّة حجةٍ تؤكده، ولم يجد فيه هو برهاناً قوّياً مقنعاً، ولذلك فإنه يؤكد لهم ضرورة البقاء على ما هم عليه من خط العقيدة والعبادة. ثم يبدأ الاستعراض الذي يراد من خلاله الإِيحاء بأنه لا يقف في موقف العناد، بل في موقف الشخص الذي لا يدّخر جهداً في الوصول إلى الحقيقة، مما يملك من إمكانات التحرك نحوها، ولذا فهو يطلب من الناس أن يجمّدوا موقفهم، ولا يغيّروه، حتى تتمّ عملية استنفاد الجهد كله في السعي إلى معرفة هذا الإِله، ليعرّفهم بعد ذلك كل ما وصل إليه، {فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ} الآجر الذي كانوا يستعملونه للبناء، فيطبخون الطين بالنار ليتماسك ويتحول إلى حجر صلب {فَاجْعَل لِّي صَرْحاً} وهو البناء العالي الذي يملك من خلاله التطلع إلى الأعالي في رحاب الفضاء، {لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} إذ كان يتصوره شخصاً ساكناً في طبقات الجو، في مكان ما، في طريقة إيماء إلى الناس ليتصوروا الأمر كما لو كان هناك شخص ينازع شخصاً، أو يبحث عنه، أو يلاحقه في أماكن وجوده، لتسقط هيبته من النفوس كقوّةٍ خالقةٍ قادرةٍ مهيمنةٍ على الكون كله، كأسلوب من أساليب إضلال الناس. ثم يثير أمامهم الفكرة الموحية بأن الأمر لا يعدو أن يكون وهماً كاذباً من موسى (عليه السلام)، لأنه لو كان كما يقول لتطلَّع الناس إليه في الفضاء، لعدم وجود ما يحجبه عنهم في القصر الذي يسكنه، {وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} لأنه لا يملك دليلاً حسياً على ما يدّعيه من وجود هذا الإِله الخفيّ. وهذا الأسلوب الفرعوني، يمثل لوناً من ألوان التذاكي الطغياني لدى الطغاة في إضلالهم للناس عندما يواجههم الخطر على سلطانهم ويخافون من تأثر الناس به، فيعملون على التقرب إليهم بالأساليب المتحركة بين الإيحاء بالإخلاص لهم، والنصح لأمورهم، وبين الاستعراض المسرحي في التأثير على مشاعرهم...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

من سنن الساسة القدماء في أعمالهم أنّه كلما وقعت حادثة مهمّة على خلاف رغباتهم وميولهم -ومن أجل التمويه وإيهام الناس- يبادرون إلى خلق جوّ جديد ليلفتوا أنظار الناس إليه، وليصرفوهم عن تلك الحادثة المطلوبة. ويبدو أنّ بناء «الصرح العظيم» حدث بعد ما جرى لموسى من مواجهته السحرة ما جرى... فقد شاع خبر انتصار موسى (عليه السلام) على السحرة في مصر، وإيمان السحرة بموسى زاد في الأمر أهمية، كما أن موقع الحكومة الفرعونية أصبح في خطر جديّ شديد. واحتمال تيقظ الجماهير التي في أسر الذل كان كبيراً جدّاً.. فيجب صرف أفكار الناس بأية قيمة كانت، وإشغالهم بسلسلة من المشاغل الذهنية مقرونة ببذل من الجهاز الحكومي، لإغفال الناس وتحميقهم! وفي هذا الصدد يتحدث القرآن الكريم عن جلوس فرعون للتشاور في معالجة الموقف، إذ نقرأ في أوّل آية من هذا المقطع: (وقال فرعون يا أيّها الملأ ما علمت لكم من إله غيري). فأنا إلهكم في الأرض.. أمّا إله السماء فلا دليل على وجوده، ولكنني سأتحقق في الأمر ولا أترك الاحتياط، فالتفت إلى وزيره هامان وقال: (فأوقد لي يا هامان على الطين) ثمّ أصدر الأوامر ببناء برج أو قصر مرتفع جدّاً لأصعد عليه وأستخبر عن إله موسى... والذي يلفت النظر أن فرعون في كلامه هذا (ما علمت لكم من إله غيري) كان قد استعمل نهاية الخبث ومنتهى الشيطنة.. إذ كان يرى من المسلّم به أنّه إله!!.. وكان مدار بحثه: هل يوجد إله غيره؟!!.. ثمّ ينفي أن يكون هناك إله سواه؛ لعدم وجود الدليل!! وفي المرحلة الثّالثة والأخيرة، ومن أجل أن يقيم الدليل على عدم وجود إله غيره بنى ذلك الصرح!. كل هذه الأُمور تؤكّد جيداً أنّه كان يعرف تلك المسائل، إلاّ أنّه كان يضلل الناس ويصرف أفكارهم عن الحق، ليحفظ موقعه وحكومته!