تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

القرية : المدينة .

البأساء : الشدة والمشقة كالحرب والجدب وشدة الفقر .

الضراء : ما يضر الإنسان في بدنه أو نفسه .

التضرع : إظهار الخضوع والضعف .

عَفَواْ : كثروا ونموا . بغتة : فجأة .

أشار الله تعالى هنا إلى سُنته في الأمم التي تكذّب رسلَها ، فهو يُنزل بها البؤسَ وشظَف العيش وسوء الحال في دنياهم ليتضرّعوا إلى ربهم ويُنيبوا إليه بالتوبة . ثم ذكرَ أنه بدّل الرخاء بالبؤس ليعتبروا ويشكروا ، لكنهم لم يفعلوا ، فأخذهم أخذَ عزيزٍ مقتدر .

وما بعثنا نبيّاً من الأنبياء في مدينةٍ من المدن ، يدعو أهلَها إلى الدين القويم ، ثم أعرضوا عن قبول تلك الدعوة- إلا أصبناهم بالفقر والمرض ، كي يتذللوا ويخضعوا ويبتهلوا إلى الله راجين كشفَ ما نزل بهم .

ثم إنهم لمّا لمْ يفعلوا ذلك ، بل تابعوا كفرهم وعنادهم ، امتحنهم الله بالعافية مكان البلاء ، فوهبهم رخاءً وسعة وصحةً وعافية ، حتى كثُروا ونَموا في أموالهم وأنفسهم ، وقالوا جهلاً منهم : إن ما أصاب آباءنا من المحَن وبالبلاء كان شأنَ الدهر ، يداول الضرّاءَ والسّراءَ بين الناس . لم ينتبهوا أنَّ ذلك كان جزاءَ كفرهم فيرتدعوا ، فكانت عاقبة ذلك أن أصابهم اللهُ بالعذاب المدمّر فجأة وهم غافلون عما سيحلُّ بهم .

فلنعتبر نحن المسلمين ، فإننا قد تركنا ديننا والعمل به ، وأهملنا قرآننا وتعاليمه فسلّط الله علينا شرّ خلقه وأخسَّ الناس ، يسلبوننا مقدّساتِنا وأرضينا ، ويُذلّوننا شرَّ إذلال . كل هذا ونحن لا ينقصُنا المال ولا الرجال ، ولكن ينقصُنا الإيمان بالله والحزم والثقة بأنفسنا ، وهدايةُ الحكّام فينا كي يبتعدوا عمّا هم فيه من انصراف عن الله ، وتناحر بينهم وفرقة .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ} (95)

{ ثُمَّ بَدَّلْنَآ } عطف على { أخذنا } [ الأعراف : 94 ] داخل في حكمه { مَكَانَ السيئة } التي أصابتهم لما تقدم { الحسنة } وهي السعة والسلامة ، ونصب { مَّكَانَ } كما قيل على الظرفية و { بَدَّلَ } متضمن معنى أعطى الناصب لمفعولين وهما هنا الضمير المحذوف والحسنة أي أعطيناهم الحسنة في مكان السيئة ، ومعنى كونها في مكانها أنها بدل منها . وقال بعض المحققين : الأظهر أن مكان مفعول به لبدلنا لا ظرف ، والمعنى بدلنا مكان الحال السيئة الحال الحسنة فالحسنة هي المأخوذة الحاصلة في مكان السيئة المتروكة والمتروك هو الذي تصحبه الباء في نحو بدلت زيداً بعمرو { حتى عَفَواْ } أي كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم ، وبذلك فسره ابن عباس وغيره من عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : " أحفوا الشوارب واعفوا اللحى " وقول الحطيئة :

بمستأسد القريان عاف نباته *** تساقطني والرحل من صوت هدهد

وقوله :

ولكنا نعض السيف منها *** بأسوق عافيات الشحم كوم

وتفسير أبي مسلم له بالإعراض عن الشكر ليس بياناً للمعنى اللغوي كما لا يخفى ، { وحتى } هذه الداخلة على الماضي ابتدائية لا غائية عند الجمهور ، ولا محل للجملة بعدها كما نقل ذلك الجلال السيوطي في «شرح جمع الجوامع » له عن بعض مشايخه ، وأما زعم ابن مالك أنها جارة غائية وأن مضمرة بعدها على تأويل المصدر فغلطه فيه أبو حيان وتبعه ابن هشام فقال : لا أعرف له في ذلك سلفاً ، وفيه تكلف إضمار من غير ضرورة ، ولا يشكل عليه ولا على من يقول ؛ إن معنى الغاية لازم لحتى ولو كانت ابتدائية أن الماضي لمضيه لا يصلح أن يكون غاية لماقبل لتأخر الغاية عن ذي الغاية لأن الفعل وإن كان ماضياً لكنه بالنسبة إلى ما صار غاية له مستقبل فافهم .

/ { يَصِدُّونَ وَقَالُواْ } غير واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاء منه سبحانه { قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا } كما مسنا .

{ الضراء والسراء } وما ذلك إلا من عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء ويداولهما بنيهم من غير أن يكون هناك داعية إليهما أو تبعة تترتب عليهما وليس هذا كقول القائل :

ثمانية عمت بأسبابها الورى *** فكل امرىء لا بد يلقى الثمانية

سرور وحزن واجتماع وفرقة *** وعسر ويسر ثم سقم وعافية

كما لا يخفى ، ولعل تأخير السراء للإشعار بأنها تعقب الضراء فلا ضير فيها { فأخذناهم } عطف على مجموع عفواً وقالوا أو على قالوا لأنه المسبب عنه أي فأخذناهم إثر ذلك { بَغْتَةً } أي فجأة .

{ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بشيء من ذلك ولا يخطرون ببالهم شيئاً من المكاره ، والجملة حال مؤكدة لمعنى البغتة ، وهذا أشد أنواع الأخذ كما قيل : وأنكأ شيء يفجؤك البغت ، وقيل : المراد بعدم الشعور عدم تصديقهم بإخبار الرسل عليهم السلام بذلك لا خلو أذهانهم عنه ولا عن وقته لقوله تعالى : { ذلك أَن لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ القرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غافلون } [ الأنعام : 131 ] ولا يخفى مافيه من الغفلة عن معنى الغفلة وعن محل الجملة .