تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158)

الصفا والمروة : جُبيلان في مكة في الحرم .

شعائر الله والمشاعر : المناسك والعبادات .

الحج : الذهاب إلى بيت الله الحرام في أيام موقوتة وذلك على من استطاع . العمرة : معناها في اللغة : الزيارة ، وفي الشرع : الزيارة لأداء مناسكها .

فلا جناح عليه : لا إثم عليه .

التطوع : التبرع بالخير .

كان بين الصفا والمروة سوق تجارية عامة ، فكان في السعي بينهما بعض المتاعب ، نتيجة لما يصادفه الساعي من الاحتكاك بالناس والحيوان . والمسافة بينهما نحو ستين وسبع مائة ذراعا . وقد أزيل السوق وضم إلى الحرم ، ونظم السعي حيث جعل على قسمين : قسم للذهاب ، وآخر للإياب ، وبينهما حاجز . ومهما كان في السعي من زحام ، فإن المرء يسعى بكل راحة واطمئنان .

وقد كان في زمن الجاهلية على كل من الصفا والمروة صنم يطوف به أهل مكة ويتبركون . فلما جاء الإسلام تحرج بعض المسلمين ، وقالوا : كيف نطوف في هذا المكان ، وقد كان المشركون يتبركون بالأصنام فيه ؟ كذلك كان أهل يثرب يحجون إلى مناة ، الصنم المشهور ، فقالوا بعد إسلامهم : يا رسول الله ، إنا كنا في الجاهلية لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة ، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما ؟ فأنزل الله تعالى { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله . . . } الآية .

إن هذين الموضعين من مناسك الحج والعمرة ، فمن أدى فريضة الحج أو اعتمر فلا يتخوف من الطواف بينهما ، ولا حرج على من زاد وأكثر من الطاعة في العبادة ، فإن الله تعالى يجازيه على الإحسان إحسانا . وذلك أنه مهما استكثر المؤمن من عمل الخير ، فإن الله يزيده من الأجر أضعافا مضاعفة .

وفي هذا تعليم لنا وتأديب كبير ، فإذا كان الله تعالى يشكرنا على تأدية الواجبات وعمل الطاعات ، فإن معنى هذا أن نشكر الله على ما أسبغ علينا من النعم الكثيرة . كذلك فيه تعليم لنا أن نشكر كل من أسدى إلينا معروفا ، ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله .

القراءات :

قرأ حمزة والكسائي ويعقوب : «ومن يطَّوَّع » بالياء والإدغام .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{۞إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158)

قوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } . الصفا جمع صفاة وهي الصخور الصلبة الملساء ، يقال : صفاة وصفا ، مثل : حصاة وحصى ونواة ونوى ، والمروة : الحجر الرخو ، وجمعها مروات ، وجمع الكثير مرو ، مثل تمرة وتمرات وتمر . وإنما عنى الله بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى ، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام ، وشعائر الله أعلام دينه ، أصلها من الإشعار وهو الإعلام . واحدتها شعيرة وكل ما كان معلماً لقربات يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة . فالمطاف والموقف والنحر كلها شعائر الله ، ومثلها المشاعر ، والمراد بالشعائر ها هنا : المناسك التي جعلها الله أعلاماً لطاعته ، فالصفا والمروة منها حتى يطاف بهما جميعاً .

قوله تعالى : { فمن حج البيت أو اعتمر } . فالحج في اللغة : القصد ، والعمرة : الزيارة ، وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة .

قوله تعالى : { فلا جناح عليه } . أي لا إثم عليه ، وأصله من جنح أي مال عن القصد .

قوله تعالى : { أن يطوف بهما } . أي يدور بهما ، وأصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء . وسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان أساف ونائلة ، وكان إساف على الصفا ونائلة على المروة ، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيماً للصنمين ، ويتمسحون بهما ، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين ، فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله . واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة فذهب جماعة إلى وجوبه ، وهو قول ابن عامر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب مالك والشافعي . وذهب قوم إلى أنه تطوع وهو قول ابن عباس وبه قال ابن سيرين ومجاهد ، وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي . وقال الثوري وأصحاب الرأي على من تركه دم . واحتج من أوجبه بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، أخبرنا الربيع عن سليمان ، أخبرنا الشافعي ، أخبرنا عبد الله بن مؤمل العائذي ، عن عمرو بن عبد الرحمن بن محيص ، عن عطاء بن أبي عطاء بن أبي رباح ، عن صفية بنت شيبة قالت : أخبرتني بنت أبي تجزأة اسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار ، قالت : " دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول إني لأرى ركبتيه ، وسمعته يقول : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " .

أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشان بن عروة عن أبيه أنه قال : " قلت لعائشة زو ج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فما أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما ، قالت عائشة : كلا لو كانت كما تقول كانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة ، وكانت مناة حذو قديد ، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) الآية . وقال عاصم : قلت لأنس بن مالك : أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة ؟ قال : نعم ، لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله تعالى ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) . أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر ابن عبد الله أنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا يقول نبدأ بما بدأ الله تعالى به فبدأ بالصفا . وقال : كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثاً ويقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وله الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير . يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك . وقال : كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا نصبت قدماه في بطن الوادي يسعى حتى يخرج منه " .

قال مجاهد رحمه الله : حج موسى عليه السلام على جمل أحمر وعليه عباءتان قطوانيتان ، فطاف البيت ثم صعد الصفا ودعا ثم هبط إلى السعي وهو يلبي فيقول " لبيك اللهم لبيك " . قال الله تعالى " لبيك عبدي أنا معك وسامع لك وناظر إليك " فخر موسى عليه السلام ساجداً .

قوله تعالى : { ومن تطوع خيراً } . قرأ حمزة والكسائي بالياء وتشديد الطاء ، وجزم العين وكذلك الثانية ( فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا ) بمعنى يتطوع . ووافق يعقوب في الأول وقرأ الباقون بالتاء وفتح العين في الماضي وقال مجاهد : معناه فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة . وقال مقاتل والكلبي : فمن تطوع : أي زاد في الطواف بعد الواجب . وقيل من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه . وقال الحسن وغيره : أراد سائر الأعمال ، يعني فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات .

قوله تعالى : { فإن الله شاكر } . مجاز لعبده بعمله .

قوله تعالى : { عليم } . بنيته . والشكر من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق . يشكر اليسير ويعطي الكثير .