النجس : القذر . ويكون حسّياً ، ومعنويا . والنجاسة هنا معنوية ، فإن جسم الإنسان لا ينجس مهما كانت عقيدته .
في هذه الآية القولُ الفصلُ بشأن المشركين ، وأنهم ممنوعون من دخول الحرَم . يا أيها المؤمنون ، إنما المشركون بسبب شِركهم بالله وعبادة الأوثان ، قد نَجِست نفوسُهم ، وهم ضالون في العقيدة ، فلا تمكّنوهم من دخول المسجد الحرام بعد هذا العام .
وبلاد الإسلام في حق الكفار أقسام ثلاثة :
1- الحَرَم : ولا يجوز لكافر أن يدخله ، بذلك قال معظم الأئمة ، وقال أبو أبو حنيفة : يجوز للمعاهِد أن يدخل الحرم بإذن الخليفة أو نائبه .
2- الحجاز : يجوز للكافر دخولُها بإذن ، ولكنه لا يقيم فيها أكثر من ثلاثة أيام . ففي حديث مسلم عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب ، فلا أتركُ فيها إلا مسلما ) . وقد أخرج مالك في الموطَّأ ( لا يجتمع دينان في جزيرة العرب ) . وقد أجلاهم عُمَرُ في خلافته .
3- سائر بلاد الإسلام : ويجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد وأمان .
{ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ } .
وإن خفتم فَقْراً بسب انقطاع تجارتهم عنكم ، فإن الله سوف يُعوّضكم عن هذا ، ويغنيكم من فضله إن شاء ، فهو المتكفّل بأمر الرزق . وقد فتح الله عليهم الرزق من أبواب واسعة ، فأسلم أهلُ اليمن وصاروا يجلبون الطعام . وأسلم أولئك المشركون ، ولم يبقَ أحدٌ منهم يُمنع من الحرم ، ثم جاءتهم الثروة من كل جانب بما فتح الله عليهم من البلاد ، فكثرت الغنائم وتوجه إليهم الناس من كل فجّ .
{ إِنَّ الله عَلِيمٌ حَكِيمٌ } عليم بشؤونكم ، حكيم يدبر الأمر كله عن تقدير وحساب .
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس } الآية ، قال الضحاك و أبو عبيدة : نجس : قذر . وقيل : خبيث . وهو مصدر يستوي فيه الذكر والأنثى والتثنية والجمع ، فأما النجس : بكسر النون وسكون الجيم ، فلا يقال على الانفراد ، إنما يقال : رجس نجس ، فإذا أفرد قيل : نجس ، بفتح النون وكسر الجيم ، وأراد به : نجاسة الحكم لا نجاسة العين ، سموا نجسا على الذم . وقال قتادة : سماهم نجسا لأنهم يجنبون فلا يغتسلون ويحدثون فلا يتوضئون .
قوله تعالى : { فلا يقربوا المسجد الحرام } ، أراد منعهم من دخول الحرم لأنهم إذا دخلوا الحرم فقد قربوا من المسجد الحرام ، وأراد به الحرم هذا كما قال الله تعالى : { سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام } [ الإسراء-1 ] ، وأراد به الحرم لأنه أسرى به من بيت أم هانئ . قال الشيخ الإمام الأجل : وجملة بلاد الإسلام في حق الكفار على ثلاثة أقسام : أحدها : الحرم ، فلا يجوز للكافر أن يدخله بحال ، ذميا كان أو مستأمنا ، لظاهر هذه الآية ، وإذا جاء رسول من بلاد الكفار إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم ، بل يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم . وجوز أهل الكوفة للمعاهد دخول الحرم . والقسم الثاني من بلاد الشام : الحجاز ، فيجوز للكافر دخولها بالإذن ولكن لا يقيم فيها أكثر من مقام السفر وهو ثلاثة أيام ، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لئن عشت إن شاء الله تعالى لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما " . فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوصى فقال : " أخرجوا المشركين من جزيرة العرب " ، فلم يتفرغ لذلك أبو بكر رضي الله عنه ، وأجلاهم عمر رضي الله عنه في خلافته ، وأجل لمن يقدم منهم تاجرا ثلاثا . وجزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق في الطول ، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام . والقسم الثالث : سائر بلاد الإسلام ، فيجوز للكافر أن يقيم فيها بذمة وأمان ، ولكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم .
قوله تعالى : { بعد عامهم هذا } ، يعنى : العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه بالناس ، ونادى علي كرم الله وجهه ببراءة ، وهو سنة تسع من الهجرة .
قوله تعالى : { وإن خفتم عيلة } ، وذلك أن أهل مكة كانت معايشهم من التجارات وكان المشركون يأتون مكة بالطعام ويتجرون ، فلما منعوا من دخول الحرم خافوا الفقر ، وضيق العيش ، وذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : { وإن خفتم عيلة } فقرا وفاقة . يقال : عال يعيل علية إذا افتقر .
قوله تعالى : { فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم } ، قال عكرمة : فأغناهم الله عز وجل بأن أنزل عليهم المطر مدرارا فكثر خيرهم . وقال مقاتل : أسلم أهل جدة وصنعاء وجريش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون . وقال الضحاك وقتادة : عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها وذلك قوله تعالى : { قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.