تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (38)

انفروا في سبيل الله : أقدموا على الجهاد وأسرعوا في الخروج إليه . اثاقلتم : تباطأتم .

الكلام من هنا إلى أواخر السورة في غزوة تبوك ، وما لابسَها من هتك ستر المنافقين وضعفاء الإيمان ، وتطهير قلوب المؤمنين من عوامل الشقاق . وهناك بعض الأحكام تخلّلت الآيات جرياً على سُنة القرآن في أسلوبه الحكيم .

ومناسبة الآيات لِما بعدها أن الكلام السابق كان في حُكْم مشاكلِ اليهود ، وبيانِ حقيقة أحوالِهم المنحرفة ، وبيانِ بعض عقائد العرب في الجاهلية وإبطالها .

والكلام هنا في غزوة تبوك ، ومواجهة الروم ومن يشايعهم من عرب الشام ، وجميعهم نصارى . وكانت المعركة في رجبَ ، سنةَ تسعٍ للهجرة ، المصادف لشهر تشرين الثاني .

وتبوك موضع في منتصف الطريق بين المدينة ، ودمشق ، تبعد عن المدينة حوالي 600 كيلو متر ، وعن دمشق حوالي 700 كيلوا متر .

كان مُلك الروم يشمل بلاد الشام ، وسمعوا بقوة الإسلام ، فخاف ملكهم هِرقْل على دولته . لذلك بادر إلى جمع الجيوش ليهاجم المسلمين في دراهم . وقد نقل هذه الأخبار عددٌ من التجار الآتين من بلاد الشام ، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس واستنفرهم إلى قتال الروم . وتجهّز المسلمون حتى اجتمع جيشٌ كبير بلغ ثلاثين ألفا . وقد تبارى المسلمون في البذل والعطاء ، فدفع عثمان بن عفان رضي الله عنه ألف دينار ، وجاء أبو بكر بكل ما يملك ، وجاء عمر بنِصف ما يملك ، وتطوع الناس بقدر ما يستطيعون .

كان الوقت في أواخر الصيف والحر الشديد ، والسفر طويل وشاق ، ولذلك سُميت غزوة العُسْرة . كانت الثمار قد طابت بعد نضجها ، والناس يحبّون المقام لجمع ثمارهم ، ويكرهون الشخوص آنذاك ، ومن هنا تخلّف المنافقون وتعّللوا بشتى المعاذير . وكان بينهم أربعة من كبار الصحابة هم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وأبو خيثمة ، وجاء أبو خيثمة إلى داره فوجد زوجتَيه قد مهّدتا له الفراش ، وهيّأتا له كل سبيل للراحة ، فلما وجد كل هذه الرفاهية في منزله قال : رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الضِحّ ( الشمس ) والريح والحر ، وأبو خيثمة في ظلّ بارد ، وطعام مهيّأ ، وامرأة حسناء ، وفي ماله مقيم ! ما هذا بالنَصَف . ثم هيّأ نفسه ولحق بالرسول وجيشه .

وسيأتي خبر إخوانه الثلاثة الذين خُلّفوا فيما بعد .

ومضى الجيش حتى وصل تبوك ولم يلقَ حربا ، وقد عقد صلحاً مع حاكم تبوك وبعض حاميات الحدود ، وعاد الرسول وجيشه إلى المدينة . واستغرقت هذه الرحلة نحو عشرين يوما .

{ يا أيها الذين آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفروا فِي سَبِيلِ الله اثّاقلتم إِلَى الأرض } .

يا أيها المؤمنون ، ما لَكُم حِينما نَدَبكم الرسولُ إلى الجهاد في سبيل الله تباطَأَ بعضُكم عن الخروج ، وأخلدوا للراحة واللذة !

وكان من أسباب تثاقُلهم ما روى ابن جرير عن مجاهِد قال : أمِروا بغزوة تبوك بعد الفتح وبعد حُنين وبعد الطائف ، أُمروا بالنفير في الصيف حين اخْتُرِفَت النخل ( قُطفت ) وطابت الثمار ، واشتهوا الظلال ، وشق عليهم الخروج ، فقالوا : منا الثقيلُ وذو الحاجة والشغل ، والمنتشِر به أمْرُه في ذلك كله .

{ أَرَضِيتُمْ بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة فَمَا مَتَاعُ الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ قَلِيلٌ } .

هل آثرتم لذّات الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الكاملة ، ونعيمها الدائم ! ؟ ما هذا الذي تتمتعون به في الدنيا وما لذائذها المشوبة بالمنغّصات إلا تافهاً أمام متاع الآخرة العريض ! إنه لا يرضى به عاقل ولن يقبله .

روى أحمد ومسلم والترمذي عن ابن مسعود قال : قال رسول الله : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعلُ إصبعَه هذه في اليمّ ، فلينظْر بِمَ ترجع ، وأشار بالسبّابة » .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (38)

ولما أوعز{[36274]} سبحانه في أمر الجهاد ، وأزاح جميع عللهم وبين أن حسنه لا يختص به شهر دون شهر وأن بعضهم كان يحل لهم ويحرم فيتبعونه بما يؤدي إلى تحريم الشهر{[36275]} الحلال وتحليل الشهر الحرام بالقتال فيه ، عاتبهم الله سبحانه على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الآمر لهم بالنفر في غزوة تبوك عن أمره سبحانه ، وكان ابتداؤها في شهر رجب سنة تسع ، فقال تعالى على سبيل الاستعطاف والتذكير بنعمة الإيمان بعد ختم التي قبلها بأنه لا يهدي الكافرين - الذي{[36276]} يعم الحرب وغيره الموجب للجرأة عليهم [ لأن من لا هداية له أعمى ، والأعمى لا يخشى ]{[36277]} : { يا أيها الذين آمنوا } أي ادعوا ذلك { ما لكم } أي ما الذي يحصل لكم في أنكم { إذا قيل لكم } أي من أيّ قائل كان { انفروا } أي اخرجوا مسرعين بجد ونشاط جماعات و{[36278]} وحداناً إمداداً لحزب الله ونصراً لدينه تصديقاً لدعواكم الإيمان ، والنفر : مفارقة مكان إلى مكان لأمر هاج على ذلك { في سبيل الله } أي بسبب{[36279]} تسهيل الطريق إلى الملك الذي له جميع{[36280]} صفات الكمال ، وقال أبو حيان : بني " قيل " للمفعول والقائل النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر إغلاظاً ومخاشنة{[36281]} لهم وصوناً{[36282]} لذكره إذ أخلد إلى الهوينا والدعة من أخلد وخالف أمره - انتهى . { اثاقلتم } أي تثاقلتم تثاقلاً عظيماً ، وفيه ما لم يذكروا له سبباً ظاهراً بما أشار إليه الإدغام إخلاداً وميلاً { إلى الأرض } أي لبرد ظلالها وطيب هوائها ونضج ثمارها ، فكنتم أرضيين{[36283]} في سفول الهمم ، لا سمائيين{[36284]} بطهارة الشيم .

ولما لم يكن - في الأسباب التي تقدم أنها كانت تحمل على التباطؤ عن الجهاد - ما يحتمل القيام بهم في هذه الغزوة إلا الخوف من القتل والميل إلى الأموال الحاضرة وثوقاً بها والإعراض عن الغنى الموعود به{[36285]} الذي ربما يلزم من{[36286]} الإعراض عنه{[36287]} التكذيب ، فيؤدي إلى خسارة الآخرة ، هذا مع ما يلزم على{[36288]} ذلك - ولا بد - من {[36289]}الزهد في{[36290]} الأجر المثمر لسعادة العقبى بهذا الشيء الخسيس ؛ قال مبيناً خسة ما أخلدوا إليه تزهيداً فيه وشرف ما أعرضوا عنه ترغيباً منبهاً على أن ترك الخير الكثير لأجل الشر اليسير شر عظيم منكراً{[36291]} على من تثاقل موبخاً لهم : { أرضيتم بالحياة الدنيا } أي بالخفض والدعة في الدار{[36292]} الدنية الغارة { من الآخرة } أي الفاخرة الباقية ؛ قال أبو حيان{[36293]} : و " من " تظافرت أقوال المفسرين أنها بمعنى بدل ، وأصحابنا لا يثبتون {[36294]}أن من{[36295]} تكون للبدل - {[36296]}انتهى . والذي يظهر لي أنهم لم يريدوا أنها موضوعة للبدل{[36297]} ، بل إنه يطلق عليها لما قد يلزمها في مثل هذه العبارة من ترك ما بعدها لما قبلها فإنها لابتداء الغاية ، فإذا قلت : رضيت بكذا من زيد ، كان المعنى أنك أخذت ذلك أخذاً مبتدئاً منه غير ملتفت إلى ما عداه ، فكأنك جعلت ذلك بدل كل شيء يقدر أنه ينالك منه من غير ذلك المأخوذ .

ولما كانوا قد أعطوا الآخرة على الأتباع فاستبدلوا به الامتناع ، كان إقبالهم على الدنيا كأنه مبتدىء مما كانوا قد توطنوه من الآخرة مع الإعراض عنها ، فكأنه قيل : أرضيتم بالميل إلى الدنيا من الآخرة ؟ ويؤيد ما فهمته أن العلامة علم الدين أبا محمد القاسم بن الموفق الأندلسي ذكر في شرح الجزولية أنهم عدوا ل { من } خمسة معان{[36298]} كلها ترجع إلى ابتداء الغاية عند المحققين ، وبين كيفية ذلك حتى في البيانية ، فمعنى

{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان }{[36299]}[ الحج : 30 ] الذي ابتداؤه من الأوثان ، لأن الرجس جامع للأوثان وغيرها .

ولما كان الاستفهام إنكارياً كان معناه النهي ، فكان تقدير : لا ترضوا بها فإن ذلك أسفه رأي وأفسده ! فقال تعالى معللاً لهذا النهي : { فما } أي بسبب{[36300]} أنه ما { متاع الحياة الدنيا في{[36301]} } أي مغموراً في جنب { الآخرة إلا قليل* } والذي يندب هم المتجر ويدعي البصر به ويحاذر الخلل فيه يعد فاعل ذلك سفيهاً .


[36274]:في ظ: أوعد.
[36275]:سقط من ظ.
[36276]:من ظ، وفي الأصل: الذين.
[36277]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[36278]:سقط من ظ.
[36279]:من ظ، وفي الأصل: سبب.
[36280]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[36281]:من ظ والبحر المحيط 5/41، وفي الأصل: مجانسة.
[36282]:في ظ: ضونا.
[36283]:في الأصل وظ: أضين.
[36284]:في ظ: سماسين ـ كذا.
[36285]:زيد ما بين الحاجزين من ظ.
[36286]:سقط من ظ.
[36287]:من ظ، وفي الأصل: عن.
[36288]:في ظ: من.
[36289]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36290]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36291]:في ظ: منكر.
[36292]:في ظ: الدانية.
[36293]:راجع البحر المحيط 5/43.
[36294]:في ظ: من أن.
[36295]:في ظ: من أن.
[36296]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36297]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[36298]:في ظ: معادن.
[36299]:سورة 22 آية 30.
[36300]:من ظ، وفي الأصل: سبب.
[36301]:من ظ والقرآن الكريم، وقد سقط من الأصل.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (38)

قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل 38 إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير } نزلت في الحث على غزوة تبوك ؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من الطائف وغزوة حنين أمر بالجهاد لغزو الروم ، وذلك في زمان عسرة من البأس ، وجدب من البلاد ، وشدة من الحر ، حين أخرفت النخل{[1781]} وطابت الثمار ، فعظم على الناس غزو الروم ، وأحبوا الظلال والمقام في المساكين والمال ، وشق عليهم الخروج إلى القتال ، فلما علم الله تثاقل الناس أنزل هذه الآية{[1782]} .

قوله : { ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله } ما ، حرف استفهام معناه التوبيخ . والتقدير : أي شيء يمنعكم عن كذا ؛ وذلك على سبيل العتاب والتوبيخ لمن تخلف من المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وكانت سنة تسع من الهجرة بعد الفتح بعام .

وقوله : { انفروا } من النفر ، بسكون الفاء ، وهو في الأصل يعني الخروج من مكان إلى مكان آخر لأمر واجب . واسم القوم الذين يخرجون لذلك ، النفير{[1783]} ؛ أي ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا مجاهدين في سبيل الله لجهاد أعدائه { اثاقلتم إلى الأرض } أي تثاقلتم إلى نعيم الحياة ولزوم الأرض وما فيها من متاع وزينة ، أو ملتم إلى الإقامة بأرضكم ومساكنكم حيث الاستقرار والدعة ، وزهدتم في الخروج للقاء المشركين الظالمين .

قوله : { أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة } أي أرضيتم بنعيم الدنيا بدلا من نعيم الآخرة ؟ ! أرضيتم بهذه العاجلة التي تمر في عجل عابر وتغفلون عن الآخرة حيث النعيم المستديم ؟ ! فنعيم الدنيا حطام زائل ، ونعيم الآخرة ماكث سرمد . فكيف يستعاض عن الماكث الباقي بالحطام الدائر ؟ إنه لا يفعل ذلك إلا ضال مأفون .

قوله : { فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل } أي فما الذي تستمتعون به في دنياكم هذه مما فيها من اللذات والنعيم في جنب الآخرة { إلا قليل } أي متاع صغير بالغ الهوان .


[1781]:أخرفت النخل: حان وقت خرافها، وهو اجتناؤها. انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 228.
[1782]:أسباب النزول للنيسابوري ص 165.
[1783]:المعجم الويسط جـ 2 ص 939 وتفسير الرازي جـ 16 ص 61.