العضل : التضييق والشدة . ولا تعضلوهن : لا تمنعوهن من الزواج .
روى البخاري وأبو داود والنسائي وغيرهم أنه كان إذا مات الرجل في الجاهلية كان أولياؤه أحقَّ بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاؤوا زوّجوها لمن يشاؤون ، وإن شاؤوا لم يزوجوها أبدا . كانوا هم أحق بها من أهلها . . فنزلت هذه الآية . ومن بعض عادات الجاهلية الممقوتة أن كان الرجل إذا مات أبوه عن زوجة غير أُمه فرض عليها زواجها منه ، من غير عقد جديد . وكان إذا طلق امرأته وقد دخل بها فإنه يسترد كلَّ ما أعطاها من مهر سابق . ومنهم من كان يطلقها ويعمل على منعها من الزواح بغيره ظلماً وعدوانا . . فجاء الإسلام ورفع عنها ظُلم العضل ، وهو من المرأة من الزواج بمن تريد ، أو إيذاؤها لحملها على طلب الطلاق لقاءَ مال تدفعه إلى الزوج .
كذلك كان من الجائز عندهم أن يتزوج الرجل مطلقة أبيه ، فنهى الإسلام عنه ، وسماه مقتا ، لأنه أمر فاحش القبح .
يا أيها المؤمنون ، لا يحلّ لكم أن تسيروا على سنة الجاهلية فتجعلوا النساء كالمتاع ، وترثونهنّ كما ترثون الأموال والعبيد ، وتتصرفون فيهن كما تشاؤون ، تتخذونهن زوجات من غير مهر ، كرهاً . ولا تظلموهن بالتضييق عليهن حتى يفتدين أنفسهن منكم بالمال الذي دفعتُموه لهن من مهور ، أو ما حصلن عليه من ميراث .
{ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ } إلا أن يرتكبن إثماً بيناً بزنىً ، أو بنشوز أو سوء خلق ، فعند ذلك لكم أن تضيّقوا عليهن أو تأخذوا بعض ما آتيتموهن عند الفراق .
{ وَعَاشِرُوهُنَّ بالمعروف } عليكم أن تحسنوا معاشرة النساء ، فتدخلوا عليهن السرور بالقول والعمل . والزواج شركة يجب أن يكون فيها كل من الزوجين مدعاة لسرور الآخر وهناءته { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً . . . } الآية . فالزواج مبنيّ على المودة والرحمة في الإسلام .
{ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ . . . } لِعَيْبٍ في أخلاقهن أو خَلْقهن ، أو لتقصير في العمل والواجب عليهن كخدمة البيت وغير ذلك ؛ أو لميل منكم إلى غيرهن ، فاصبروا و لاتَعْجلوا بمضارتّهنّ ولا مفارقتهن ، عسى أن يجعل الله في المكروه خيرا كثيرا .
قرأ حمزة والكسائي : «كرها » بالضم وهما لغتان كَرها وكُرها . وقرأ ابن كثير وأبو بكر «مبينة » بفتح الياء ، هنا وفي سورة الأحزاب وسورة الطلاق .
ولما انقضى ما تخلل ذكر النساء الوالدات للوراث{[20828]} ، وختمه بهذا التهديد الهائل لمن فعل ما لا يحل له ؛ وصل الكلام فيهن بأمر من فعله ، فهو زان مصر على الزنى إلى الموت إن اعتقد حرمته ، أو كافر إن اعتقد {[20829]} حله ، فقال مشيراً بتخصيص المؤمنين عقب{[20830]}
{ ولا الذين يموتون وهم كفار }[ النساء : 18 ] إلى أنه لا يرث كافر من مسلم ، وإلا لقال : يا أيها الناس{[20831]} - مثلاً ، منفراً من ذلك بالتقييد{[20832]} بما هو لأدنى الإيمان : { يا أيها الذين آمنوا } أي فوقف بهم الإيمان عند{[20833]} زواجرنا { لا يحل لكم أن ترثوا النساء } أي مالهن { كرهاً } أي كارهين لهن ، لا حامل لكم على نكاحهن إلا رجاء الإرث ، وذلك أنهم كانوا ينكحون اليتامى لمالهن ، وليس لهم فيهن رغبة إلا تربص الموت لأخذ مالهن ميراثاً - كما سيأتي في تفسير
{ ويستفتونك في النساء }{[20834]}[ النساء : 127 ] أو يكون الفعل واقعاً على نفس النساء ، ويكون ( كرهاً ) على هذا حالاً مؤكدة ، أي كارهات ، أو{[20835]} ذوات كره ، وذلك لأن الرجل كان إذا مات وله امرأة جاء ابنه{[20836]} من غيرها أو قريبه{[20837]} من عصبته فيلقي ثوبه عليها ، فيصير أحق بها من نفسها ومن غيرها ، فإن شاء تزوجها بغير صداق إلا الصداق الأول الذي أصدقها الميت ، وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ، وإن شاء عضلها ومنعها من الأزواج ، يضارها لتفتدي منه بما ورثت من الميت ، أو تموت هي فيرثها ، وكان أهل المدينة على هذا حتى توفي أبو{[20838]} قيس بن الأسلت ، ففعل ابنه{[20839]} حصن هذا مع زوجة له ، فشكت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله هذه الآية ، روى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ؛ " كانوا إذا{[20840]} مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاؤوا زوجوها ، وإن شاؤوا لم يزوجوها ، وهم أحق بها من أهلها ، فنزلت هذه الآية في ذلك { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً } " ولهذا أتبعه سبحانه قوله : { ولا تعضلوهنَّ } أي تمنعوهن من التزوج بعد طلاقكم لهن أو بعد موت أزواجهن ، أوتشددوا عليهن بالمضارة وهن في{[20841]} حبائلكم ؛ قال البيضاوي : وأصل العضل : التضييق ، يقال عضلت الدجاجة بيضها - انتهى . والظاهر أن مدار مادته إنما هو على الاشتداد ، من{[20842]} عضلة الساق ، وهي اللحمة التي في باطنه ، ونقل عبد الحق أنها كل لحم اجتمع ، قال : وقال الخليل : كل لحمة اشتملت على عصبة - انتهى . وتارة يكون الاشتداد{[20843]} ناظراً إلى المنع ، وتارة إلى الغلبة والضيق ، ثم علل ذلك بقوله : { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي أنتم إن كن {[20844]}أزواجاً لكم{[20845]} ، أو مورثوكم إن كن أزواجاً لهم{[20846]} وعضلتموهن{[20847]} بعدهم ، ليذهب ذلك بسبب إنفاقهن له على أنفسهن في زمن العضل ، أو بسبب افتدائهن لأنفسهن به منكم ، ثم استثنى من تحريم العضل في{[20848]} جميع الحالات فقال : { إلا أن } أي لا تفعلوا ذلك لعلة من العلل إلا لعلة أن{[20849]} { يأتين بفاحشة } أي{[20850]} فعلة زائدة القبح { مبينة } أي بالشهود الأربعة إن كانت زنا{[20851]} فاعضلوهن بالإمساك في البيوت - كما مضى{[20852]} - لأن من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه ، أو بمن يقبل من الشهود إن كانت نشوزاً وسوء عشرة ، فلكم العضل حينئذ إلى الصلاح أو الافتداء بما تطيب{[20853]} به النفس ، والأنسب لسياق الأمر في { وعاشروهن } أن{[20854]} يكون { تعضلوهن } منهياً ، لا معطوفاً على " أن ترثوا " { بالمعروف } أي من القول والفعل بالمبيت والنفقة والموادة{[20855]} قبل الإتيان بالفاحشة { فإن } أي إن{[20856]} كنتم لا تكرهونهن{[20857]} فالأمر واضح ، وإن { كرهتموهن } فلا تبادروا إلى المضاجرة أو المفارقة ، واصبروا عليهن نظراً لما هو الأصلح ، لا لمجرد الميل النفسي ، فإن الهوى شأنه أن لا يدعو إلى خير ثم دل على هذه العلة بقوله : { فعسى } ولوضوح دلالتها على ذلك صح جعلها جواباً للشرط { أن تكرهوا شيئاً } أي من الأزواج أو غيرها ، لم يقيده سبحانه تعميماً تتميماً للفائدة { ويجعل الله } أي المحيط علماً وقدرة ، وغيَّب بحكمته علمكم العواقب لئلا تسكنوا {[20858]}إلى مألوف{[20859]} ، أو تنفروا من مكروه { فيه خيراً كثيراً * } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.