فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} (19)

{ يأيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كانوا إذا مات الرجل ، كان أولياؤه أحق بامرأته ، إن شاء بعضهم تزوجها ، وإن شاءوا زوجوها ، وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها ؛ فنزلت هذه الآية في ذلك ؛ والعضل : المنع من الزواج ؛ { ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } قال قتادة : لا يحل لك أن تحبس امرأتك ضرارا حتى تفتدي منك ؛ { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة }عن أبي قلابة قال : إذا رأى الرجل من امرأته فاحشة فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تختلع منه ؛ ولقد شرع القرآن الحكيم في آية أخرى كريمة أن للزوج أن يأخذ من زوجته التي يخشى ألا تصون أمانات ربها له أن يأخذ منها مالا مقابل تسريحها ، فذلك قول الحق سبحانه : ( . . فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به . . ) ( {[1340]} ) ، وقصة التي أرادت أن تختلع من زوجها معروفة ، وقد سألها رسول الله حين رغبت في فراق زوجها : " وتردين عليه حديقته " قالت : نعم ، فقال صلى الله عليه وسلم لزوجها : " اقبل الحديقة وطلقها تطليقة " ؛ أخرجه البخاري وابن ماجة وغيرهما ، بألفاظ متقاربة ، والمرأة اسمها : جميلة بنت عبد الله بن سلول ، وزوجها : ثابت بن قيس بن شماس ؛ عن ابن جريج عن عبد الكريم عن الحسن البصري : { بفاحشة } قال الزنا ، . . فإن فعلت حل لزوجها أن يكون هو يسألها الخلع لتفتدي ؛ وعن ابن عباس : { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } وهو البغض والنشوز ، فإذا فعلت ذلك فقد حل له منها الفدية ؛ قال أبو جعفر : أولى ما قيل . . . أنه معني به كل فاحشة من بذاءة باللسان على زوجها ، وزنا وأذى له ، وزنا بفرجها ، . . . ، { مبينة } . . . ظاهرة بينة للناس أنها فاحشة ، . . { وعاشروهن بالمعروف } . . . ، خالقوهن من العشرة وهي المصاحبة . ا ه ؛ { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } _ فههنا قد يميل طبعكم إلى المفارقة ، ويكون الخير في الاستمرار على المواصلة ، منه : الثناء في الدنيا بحسن الوفاء وكرم الخلق ، ومنه الثواب في العقبى بالصبر على خلاف الهوى ، ومنه حصول ولد نجيب ، ومال كثير لليمن في صحبتها_( {[1341]} ) ، وله في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر " ( {[1342]} ) .


[1340]:من سورة البقرة. من الآية 229.
[1341]:من تفسير غرائب القرآن.
[1342]:المعنى: لا يبغضها بغضا كليا يحمله على فراقها، ولا ينبغي له ذلك، بل يغفر سيئتها لحسنتها، ويتغاضى عما يكره لما يحب