فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا} (19)

{ يا أيا الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ( 19 ) }

{ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم } أيها الأولياء { أن ترثوا النساء } أي ذاتهن { كرها } بالفتح والضم لغتان أي مكروهين على ذلك ، هذا متصل بما تقدم من ذكر الزوجات ، المقصود نفي الظلم عنهن ، ومعنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها وهو ما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس قال " كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها وإن شاءوا لم يزوجوها ، فهم أحق بها من أهلها فنزلت " {[431]} .

وفي لفظ لأبي داود عنه في هذه الآية كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها ، وفي لفظ لابن جرير وابن حاتم عنه فإن كانت جميلة تزوجها ، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها .

وقد روى هذا السبب بألفاظ فمعناها لا يحل لكم أن تأخذوهن بطريق الإرث فتزعمون أنكم أحق بهن من غيركم وتحبسوهن لأنفسكم .

{ ولا } يحل لكم أن { تعضلوهن } عن أن يتزوجهن غيركم ضرارا { لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن } أي لتأخذوا ميراثهن إذا متن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح ، وقيل الخطاب لأزواج النساء إذا حبسوهن مع سوء العشرة طمعا في إرثهن أو يفتدين ببعض مهورهن ، واختاره ابن عطية ، وأصل العضل المنع أي لا تمنعوهن من الأزواج ودليل ذلك قوله :

{ إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } فإنها إذا أتت بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بما لها إجماعا من الأمة ، وإنما ذلك للزوج ، قال الحسن : إذا زنت البكر فإنها تجلد مائة وتنفى ويرد إلى زوجها ما أخذت منه ، وقال أبو قلابة إذا زنت امرأة الرجل فلا بأس أن يضارها ويشق عليها حتى تفتدي منه ، وقال السدي : إذا فعلن ذلك فخذوا مهورهن .

وقال قوم الفاحشة البذاء باللسان وسوء العشرة قولا وفعلا ، وقال مالك وجماعة من أهل العلم للزوج أن يأخذ من الناشز جميع ما تملك .

هذا كله على أن الخطاب في قوله { ولا تعضلوهن } للأزواج ، وقد عرفت ما قدمناه في سبب النزول أن الخطاب في قوله { ولا تعضلوهن } لمن خوطب بقوله { لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } فيكون المعنى ولا يحل لكم أن تمنعوهن من الزواج لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن أي ما آتاهن من ترثونه إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم حبسهن عن الأزواج .

ولا يخفى ما في هذا من التعسف مع عدم جواز حبس من أتت بفاحشة عن أن تتزوج وتستعف من الزنا .

وكما أن جعل قوله : { ولا تعضلوهن } خطابا للأولياء فيه التعسف ، كذلك جعل قوله { ولا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها } خطابا للأزواج فيه تعسف ظاهر مع مخالفته بسبب نزول الآية الذي ذكرناه .

والأول أن يقال أن الخطاب في قوله : { ولا يحل لكم } للمسلمين أي لا يحل لكم معاشر المسلمين أن ترثوا النساء كرها كما كانت تفعله الجاهلية ، ولا يحل لكم معاشر المسلمين أن تعضلوا أزواجكم أي تحبسوهن عندكم مع عدم رغبتكم فيهن ، بل لقصد أن تذهبوا ببعض ما آتيتموهن من المهور يفتدين به من الحبس والبقاء تحتكم وفي عقيدتكم مع كراهتكم لهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فحينئذ يجوز لكم مخالعتهن ببعض ما آتيتموهن{[432]} .

والاستثناء من أعم الأحوال والأوقات أو من أعم العلل أي لا يحل لكم عضلهن في حال أو وقت أو لعلة إلا في حال أو وقت أو لأجل إتيانهن بها فإن السبب حينئذ يكون من جهتهن وأنتم معذورون في طلب الخلع .

وقال الكرخي : الاستثناء متصل وعليه جرى القاضي كالكشاف وهو استثناء من زمان عام أو من علة عامة ، وهذا أولى لأن الأول يحتاج إلى حذف زمان مضاف ، وقيل منقطع واختاره الكواشي كأبي البقاء .

والمبينة قرئ بفتح الياء وكسرها أي بينت بينها من يدعيها وأوضحها وأظهرها أو هي بينة أي الزنا والنشوز ، وقرأ ابن عباس : بكسر الموحدة من أبان الشيء فهو مبين .

{ وعاشروهن بالمعروف } أي بما هو معروف في هذه الشريعة وبين أهلها من حسن المعاشرة والإجمال في القول والنفقة والمبيت ، وهو خطاب للأزواج أو لما هو أعم ، وذلك مختلف باختلاف الأزواج في الغنى والفقر والرفاعة والوضاعة ، قال السدي : عاشروهن أي خالطوهن ، وقال ابن جرير صحفه بعد الرواة وإنما هو خالقوهن ، وعن عكرمة حقها عليك الصحبة الحسنة والكسوة والرزق المعروف .

{ فإذا كرهتموهن } بسبب من الأسباب من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز فعسى أن يؤول الأمر إلى ما تحبونه من ذهاب الكراهة وتبدلها بالمحبة فيكون في ذلك خير كثير من استدامة الصحبة ، وحصول الأولاد ، فيكون الجزاء على هذا محذوفا مدلولا عليه بعلته أي فإن كرهتموهن فاصبروا ولا تفارقوهن بمجرد هذه النفرة .

{ فعسى أن تكر هوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا } عن ابن عباس قال : الخير الكثير أن يعطف عليها فيرزق ولدها ، ويجعل الله في ولدها خيرا كثيرا ، وعن السدي نحوه ، وقال مقاتل : يطلقها فتتزوج من بعده رجلا فيجعل الله له منها ولدا ، ويجعل الله في تزويجها خيرا كثيرا ، وعن الحسن ونحوه .

وقيل في الآية ندب إلى إمساك المرأة مع الكراهة لها لأنه إذا كره صحبتها وتحمل ذلك المكروه طلبا للثواب ، وأنفق عليها وأحسن هو صحبتها استحق الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في الآخرة{[433]} .


[431]:الأثر رواه البخاري في صحيحه 8/186 ولفظه: "كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك" ورواه ابن جرير 8/104، وأبو داود في سننه 2/310. أخرجه ابن جرير 8/105 وبن مردويه، ورجال إسناده ثقات.
[432]:اختار الإمام أبو جعفر الطبري في "تفسيره" 8/113 قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها، والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محب، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصداق. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها، وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما أتاه بافتدائها منه نفسها بذلك، أو لوليها الذي إليه إنكاحها، وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحد غيرهما، وكان الولي معلوما أنه ليس مما أتاها شيئا، فقال: إن عضلها عن النكاح: "عضلها ليذهب ببعض ما آتاها" كان معلوما أن الذي عنى الله تبارك وتعالى بنهيه عن عضلها، وهو زوجها الذي له السبيل إلى عضلها ضرارا لتفتدي منه.
[433]:في صحيح مسلم 2/109 عن أبي هريرة مرفوعا "لا يفرك مؤمن مؤمنه إن كره منها خلقا رضي منها آخر، وقال: غيره والفرك: البغض.