تحرير رقبة : عتق عبد رقيق مؤمن .
الدية : مبلغ من المال يدفعه القاتل لأهل القتيل .
في هذه الآية الكريمة أحكام لعلاقات المسلمين بعضهم ببعض ، وفيها أحكام تتناول ثلاثة حالات من القتل الخطأ . وهو المفروض أن يكون بين المسلمين ، لأن المسلم لا يجوز أن يقتل أخاه المسلم أبداً ، ولا قَتْلَ إلا في حدٍّ أو قَصاص .
فالحالة الأولى : أن يقع القتل خطأً على مؤمن أهلُه مؤمنون في دار الإسلام . في هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة ، وأن تؤدى دِيَة ، أي مبلغ من المال ( حدّده النبي بمائة من الإبل أو ألف دينار ) إلى أهل القتيل لتسكن ثائرة نفوسهم ، وتعوّضهم عما فقدوه من نفع المقتول . هذا إلا إذا عفا أهله وعفّوا عن الدية ، وهو أقرب إلى جو التعاطف والتسامح في المجتمع الإسلامي .
وأما عِتق الرقبة فإنه تعويضٌ للمجتَمع المسلم عن القتيل المفقود ، فمن أعدم نفساً مؤمنة تكون كفّارته أن يوجِد نفسا . والعتقُ كأنه إيجادٌ من جديد . فالإنسان حر ، ولا يكمل وجوده إلا مع حريته . وفي هذه دليل كبير على أن الإسلام جاء ليحرّر لا ليسترقّ .
{ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ } .
والحالة الثانية : أن يقع القتل خطأ على مؤمن في دار الحرب وأهلُه محاربون للإسلام . وفي هذه الحالة يجب عتق رقبة مؤمنة لتعويض النفس المؤمنة التي قُتلت ، لكنه لا يجوز أداء الدية لقومه المحاربين ، خشية أن يستعينوا بها على قتال المسلمين . ولا مجال هنا لاسترضاء أهل القتيل لأنهم أعداء للمسلمين .
{ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ } .
والحالة الثالثة : أن يقع القتل على رجل قومُه معاهدون للإسلام . وهنا يجب تحرير رقبة مؤمنة ، ودفع الدية كاملة إلى أهله . فالله سبحانه قد حرَّم قتل المعاهد كما حرم قتل المؤمن .
ويقول بعض المفسّرين في هذه الحالة الثالثة إذا كان المقتول خطأ هو المؤمن فقط ، وجبت الدية وعتق الرقبة .
فمن لم يجد رقبة يفتديها أو عجز مالُه عن ذلك وجَبَ عليه صيام شهرين متتابعين ، وذلك من باب «توبة من الله » شرعها لكم ، ليتوب عليكم ويطهّر نفوسَكم من التهاون الذي يفضي إلى القتل الخطأ .
{ وكان لله عليما حكيما } والله عليم بأحوال النفوس وما يطهّرها ، حكيم فيما شرعه من الأحكام والآداب التي تضمن إرشادكم إلى سعادة الدارين .
ولما بين أقسامهم بياناً ظهر منه أن أحوالهم ملبسة ، وأمر بقتالهم مع الاجتهاد في تعرف{[22295]} أحوالهم ، وختم بالتسلط عليهم ، وكان ربما قتل{[22296]} من لا يستحق القتل بسبب الإلباس ؛ أتبع ذلك بقوله المراد {[22297]}به التحريم{[22298]} ، مخرجاً له في صورة النفي المؤكد بالكون لتغليظ الزجر عنه لما للنفوس عند الحظوظ من الدواعي إلى القتل :
{ وما كان لمؤمن } أي يحرم عليه { أن يقتل مؤمناً } أي في حال من الحالات { إلا خطأ } أي في حالة الخطأ بأن لا يقصد{[22299]} القتل ، أو لا يقصد الشخص ، أو يقصده بما لا يقصد به زهوق الروح ، أو{[22300]} لا يقصد ما هو ممنوع منه كمن يرمي إلى صف الكفار وفيهم مسلم ، أو بأن يكون غير مكلف ، فإن القتل على هذا الوجه ليس بحرام ، وهذا الذي ذكره في أقسام المنافقين إشارة إلى أنه ينبغي التثبت و {[22301]} والتحري في جميع أمر القتل متى احتمل أن يكون القاتل مؤمناً احتمالاً لا تقضي العادة بقربه ، فلزم من ذلك بيان حكم الخطأ ، ولام الاختصاص قد تطلق على ما لا مانع منه " فإنما{[22302]} هي لك أو لأخيك أو للذئب " وكأنه عبر به ليفيد بإيجاب الكفارة والدية غاية الزجر عن قتل المؤمن ، لأنه إذا كان هذا جزاء ما هو له فما الظن بما ليس له ! فقال تعالى :
{ ومن قتل مؤمناً } صغيراً كان أو كبيراً ، ذكراً كان أو أنثى ، ولعله عبَّر سبحانه وتعالى بالوصف تنبيهاً على أنه{[22303]} إن لم يكن كذلك{[22304]} في نفس الأمر{[22305]} لم يكن عليه شيء في نفس الأمر{[22306]} وإن ألزم به في الظاهر .
{ خطأ } . ولما كان الخطأ مرفوعاً عن هذه الأمة ، فكان لذلك{[22307]} يظن أنه لا شيء على المخطىء ؛ بين أن الأمر{[22308]} في القتل ليس كذلك حفظاً{[22309]} للنفوس ، لأن الأمر فيها خطر جداً ، فقال - مغلظاً عليه حثاً على زيادة النظر والتحري عند فعل ما قد يقتل - : { فتحرير } أي فالواجب عليه تحرير { رقبة } أي نفس ، عبر بها عنها لأنها لا تعيش بدونها كاملة الرق { مؤمنة } ولو ببيع{[22310]} الدار أو البساتين{[22311]} ، سليمة عما يخل بالعمل ، وقدم التحرير هنا حثاً على رتق ما خرق من حجاب العبد ، وإيجاب ذلك في الخطأ إيجاب له في العمد بطريق الأولى{[22312]} ، وكأنه لم يذكره في العمد لأنه تخفيف في الجملة والسياق للتغليظ .
{ ودية مسلّمة } أي مؤداة بيسر وسهولة { إلى أهله } أي ورثته{[22313]} يقتسمونها كما يقسم الميراث { إلا أن يصدّقوا } أي يجب ذلك عليه في كل حال إلا في حال تصدقهم بالعفو عن القاتل بإبرائه من الدية ، فلا شيء عليه حينئذ ، وعبر بالصدقة ترغيباً { فإن كان } أي المقتول { من قوم } أي فيهم منعة{[22314]} { عدو لكم } أي محاربين { وهو } أي والحال أنه { مؤمن فتحرير } أي فالواجب على القاتل تحرير { رقبة مؤمنة } وكأنه عبر بذلك إشارة إلى التحري في جودة إسلامها ، وقد أسقط هذا حرمة نفسه بغير الكفارة بسكناه في دار الحرب التي هي دار الإباحة أو وقوعه في صفهم ، ولعده{[22315]} في عدادهم قال :
{ من } ومعناه{[22316]} - كما قال{[22317]} الشافعي وغيره تبعاً لابن عباس رضي الله تعالى عنهما - : في { وإن كان } أي{[22318]} المقتول { من قوم } أي كفرة أيضاً عدو لكم { بينكم وبينهم ميثاق } وهو كافر مثلهم { فدية } أي فالواجب فيه كالواجب في المؤمن المذكور قبله دية { مسلّمة إلى أهله } على حسب دينه ، إن كان كتابياً فثلث دية المسلم ، وإن كان مجوسياً فثلثا عشرها{[22319]} { وتحرير رقبة مؤمنة } وكأنه قدم الدية هنا إشارة إلى{[22320]} المبادرة بها حفظاً للعهد ، ولتأكيد أمر التحرير بكونه ختاماً كما كان افتتاحاً حثاً{[22321]} على الوفاء به ، لأنه أمانة {[22322]}لا طالب له{[22323]} إلا الله ؛ وقال الأصبهاني : إن سر ذلك أن إيجابه{[22324]} في المؤمن أولى من الدية ، وبالعكس ها هنا - انتهى .
وكان سره{[22325]} النظر إلى خير الدين{[22326]} في المؤمن ، {[22327]}وإلى{[22328]} حفظ العهد في الكافر { فمن لم يجد } أي الرقبة ولا{[22329]} ما يتوصل به إليها { فصيام } أي فالواجب عليه صيام { شهرين متتابعين } حتى لو أفطر يوماً واحداً{[22330]} بغير حيض أو {[22331]}نفاس وجب الاستئناف ، وعلل ذلك بقوله عادا للخطأ - بعد التعبير عنه باللام{[22332]} المقتضية أنه مباح - ذنباً{[22333]} تغليظاً للحث على مزيد الاحتياط : { توبة } أي أوجب ذلك عليكم لأجل قبول التوبة { من الله } أي الملك الأعظم الذي كل شيء في قبضته .
ولما كان الكفارات من المشقة على النفس بمكان ، رغب فيها{[22334]} سبحانه وتعالى بختم الآية بقوله : { وكان الله } أي المحيط بصفات الكمال { عليماً } أي بما يصلحكم في الدنيا والآخرة ، وبما يقع خطأ في نفس الأمر أو عمداً ، فلا يغتر أحد بنصب الأحكام بحسب الظاهر { حكيماً * } في {[22335]}نصبه{[22336]} الزواجر بالكفارات وغيرها ، فالزموا أوامره وباعدوا زواجره لتفوزوا بالعلم والحكمة .