فتش كبير الأعوان أحمالهم ، مبتدئاً بالكبير منتهيا بالصغير ، فوجد السقايةَ في عِدْل بنيامين . { كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ } وبذلك نجحت حيلته ، وحق له أن يحتجز أخاه . ورجع بقية الإخوة إلى مصر ودخلوا على يوسف مستعطِفين مسترحِمين . عند ذاك لامهم يوسف على ما صنعوا بعد أن أكرمهم وأحسن إليهم .
ثم علّل الله ما صنعه من التدبير ليوسف بقوله : { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الملك إِلاَّ أَن يَشَاءَ الله } ولولا هذا التدبير لتعذر على يوسف أن يضم أخاه إليه . فنحن { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ } بالعلم والنبوة ، { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } .
{ في وعاء أخيه } : أي في وعاء أخيه الموجود في رحله .
{ كذلك كدنا ليوسف } : أي يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود .
{ في دين الملك } : أي في شرعه إذ كان يضرب السارق ويغرم بمثل ما سرق .
{ نرفع درجات من نشاء } : أي كما رفع يوسف عليه السلام .
وهنا أخذ يوسف بنفسه يفتش أوعية إخوته بحثاً عن الصواع ، وبدأ بأوعيتهم واحداً بعد واحد وأخر وعاء وعاء أخيه بنيامين دفعاً للتهمة والتواطؤ في القضية ، حتى استخرجها من وعاء أخيه الذي كان في رحله ، هذا ما دل عليه قوله تعالى : { فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه } وقوله تعالى : { كذلك كدنا ليوسف } أي هكذا يسرنا له هذا الكيد الذي توصل به إلى أمر محمود غير مذموم . وقوله تعالى : { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } أي لم يكن في شرع مصر أن يأخذ أخاه عبداً بالسرقة بل السارق يضرب ويغرم فقط ، { إلا أن يشاء الله } أمراً فإِنه يكون . وقوله تعالى : { نرفع درجات من نشاء } أي في العلم كما رفعنا يوسف { وفوق كل ذي علم } من الناس { عليم } إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى فهو العليم الذي لا أعلم منه بل العلم كله له ومنه ولولاه لما علم أحد شيئاً .
- علوّ مقام يوسف عليه السلام في العلم .
- تقرير قاعدة ( وفوق كل ذي علم عليم ) : إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى .
{ فَبَدَأَ } المفتش { بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ } وذلك لتزول الريبة التي يظن أنها فعلت بالقصد ، فلما لم يجد في أوعيتهم شيئا { اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ } ولم يقل " وجدها ، أو سرقها أخوه " مراعاة للحقيقة الواقعة .
فحينئذ تم ليوسف ما أراد من بقاء أخيه عنده ، على وجه لا يشعر به إخوته ، قال تعالى : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } أي : يسرنا له هذا الكيد ، الذي توصل به إلى أمر غير مذموم { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ } لأنه ليس من دينه أن يتملك السارق ، وإنما له عندهم ، جزاء آخر ، فلو ردت الحكومة إلى دين الملك ، لم يتمكن يوسف من إبقاء أخيه عنده ، ولكنه جعل الحكم منهم ، ليتم له ما أراد .
قال تعالى : { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ } بالعلم النافع ، ومعرفة الطرق الموصلة إلى مقصدها ، كما رفعنا درجات يوسف ، { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } فكل عالم ، فوقه من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة .
قوله تعالى : { فبدأ بأوعيتهم } ، لإزالة التهمة ، { قبل وعاء أخيه } ، فكان يفتش أوعيتهم واحدا واحدا . قال قتادة : ذكر لنا أنه كان لا يفتح متاعا ولا ينظر في وعاء إلا استغفر الله تأثما مما قذفهم به حتى إذا لم يبق إلا رحل بنيامين ، قال : ما أظن هذا أخذه ، فقال إخوته : والله لا نترك حتى تنظر في رحله فإنه أطيب لنفسك ولأنفسنا ، فلما فتحوا متاعه استخرجوه منه { ثم استخرجها من وعاء أخيه } ، وإنما أنث الكناية في قوله { ثم استخرجها } والصواع مذكر ، بدليل قوله : { ولمن جاء به حمل بعير } ، لأنه رد الكناية هاهنا إلى السقاية . وقيل : الصواع يذكر ويؤنث . فلما أخرج الصواع من رحل بنيامين نكس إخوته رؤوسهم من الحياء ، وأقبلوا على بنيامين وقالوا : ما الذي صنعت فضحتنا وسودت وجوهنا يا بني راحيل ؟ ما يزال لنا منكم البلاء ، متى أخذت هذا الصواع ؟ فقال بنيامين : بل بنو راحيل لا يزال لهم منكم بلاء ذهبتم بأخي فأهلكتموه في البرية ، ووضع هذا الصواع في رحلي الذي وضع البضاعة في رحالكم ، فأخذوا بنيامين رقيقا . وقيل : إن ذلك الرجل أخذ برقبته ورده إلى يوسف كما يرد السراق . { كذلك كدنا ليوسف } ، والكيد هاهنا جزاء الكيد ، يعني : كما فعلوا في الابتداء بيوسف من الكيد فعلنا بهم . وقد قال يعقوب عليه السلام ليوسف : { فيكيدوا لك كيدا } ، فكدنا ليوسف في أمرهم . والكيد من الخلق : الحيلة ، ومن الله تعالى التدبير بالحق . وقيل : كدنا : ألهمنا . وقيل : دبرنا . وقيل : أردنا . ومعناه : صنعنا ليوسف حتى ضم أخاه إلى نفسه ، وحال بينه وبين إخوته . { ما كان ليأخذ أخاه } فيضمه إلى نفسه ، { في دين الملك } ، أي : في حكمه . قاله قتادة . وقال ابن عباس : في سلطانه . { إلا أن يشاء الله } ، يعني : إن يوسف لم يكن يتمكن من حبس أخيه في حكم الملك لولا ما كدنا له بلطفنا حتى وجد السبيل إلى ذلك ، وهو ما أجرى على ألسنة الإخوة أن جزاء السارق الاسترقاق ، فحصل مراد يوسف بمشيئة الله تعالى . { نرفع درجات من نشاء } ، بالعلم كما رفعنا درجة يوسف على إخوته . وقرأ يعقوب : يرفع ، و يشاء بالياء فيهما وإضافة درجات إلى من في هذه السورة . والوجه أن الفعل فيهما مسند إلى الله تعالى ، وقد تقدم ذكره في قوله : { إلا أن يشاء الله } أي : يرفع الله درجات من يشاء . وقرأ الباقون بالنون فيهما ، إلا أن الكوفيين قرؤوا : { درجات } بالتنوين ، ومن سواهم بالإضافة ، أي : نرفع به نحن ، والرافع أيضا هو الله تعالى . { وفوق كل ذي علم عليم } . قال ابن عباس : فوق كل ذي عالم عالم إلى أن ينتهي العلم إلى الله تعالى . فالله تعالى فوق كل عالم .
{ فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ } أي استخراج السقاية وهي صواع الملك من وعاء أخيه بنيامين .
قوله : { كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ } الكاف في اسم الإشارة في محل نصب صفة لمصدر محذوف . و { كدنا } من الكيد وهو المكر والحيلة{[2269]} ؛ أي مثل ذلك الكيد { كِدْنَا لِيُوسُفَ } يعني علمناه إياه ( الكيد ) وأوحينا به إليه ليكون له سبيلا لأخذ أخيه منهم .
قوله : { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ } { دين الملك } أي حكمه وقضاؤه . والمعنى : أن يوسف ما كان ليستطيع أن يأخذ أخاه بنيامين في شريعة ملك مصر ، إذ كان في شريعته أن السارق يغرم ضعفي ما سرق { إلا أن يشاء الله } استثناء منقطع . يعني : لكن أخذه بمشيئة الله في دين غير الملك وهو دين آل يعقوب ، أن السارق جزاؤه الاسترقاق{[2270]} .
{ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء } أي يرفع الله درجات من يشاء رفع درجاته { وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } { ذي علم } ، أل عالم . والمعنى : أن كل عالم فوقه من هو أرفع منه درجة في العلم . قال الحسن البصري : ليس من عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل . وعن ابن عباس قال في ذلك : يكون هذا أعلم من هذا ، وهذا أعلم من هذا ، والله فوق كل عالم . وقال قتادة : { وفوق كل ذي علم عليم } ، حتى ينتهي العلم إلى الله ، منه بدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود{[2271]} .