روى مجاهد وعطاء وغيرهم من المفسّرين أن المهاجرين لما قدِموا المدينة كان فيهم فقراء ليس لهم أموال ولا أقارب في المدينة ، وكان فيها عدد من النساء بغايا يؤجّرون أنفسهن ، وهن يومئذ أخصب أهل المدينة عيشا ، وعلى أبوابهن رايات للتعريف عنهن ، فرغبَ في زواجهن رجالٌ من فقراء المسلمين المهاجرين ، وقالوا نتزَّوجُهن إلى أن يُغنينا الله عنهن ، فاستأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية .
وفي هذه الآية زَجرٌ كبير وإيضاح بأن من يرغب في زواج الزانية فهو زانٍ أو مشرك ، والزانية لا يرغبُ في زواجها الصالحون من الرجال المؤمنين ، وهذا النكاح لا يليق بالمؤمنين فهو محرم عليهم .
إما إذا تابت الزانيةُ فيجوز الزواج منها ، وكذلك الزاني إذا تاب يجوز أن يتزوج من المؤمنات العفيفات ، كما نصّ على ذلك الإمامُ أحمد رضي الله عنه .
{ الزاني لا ينكح إلا زانية } : أي إلا زانية مثله أو مشركة لا يقع وطء إلاَّ على مثله .
وقوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة } أي لا يطأ مثله من الزواني أو مشركة لا دين لها ، والزانية أيضاً لا يطأها إلا زانٍ مثلها أو مشرك { وحرم ذلك على المؤمنين } أي حرم الله الزنا على المؤمنين والمؤمنات ولازم هذا أن لا نزوج زانياً من عفيفة إلا بعد توبته ، ولا تزوج زانية من عفيف إلا بعد توبتها .
- لا يحل تزويج الزاني إلا بعد توبته ، ولا الزانية إلا بعد توبتها .
هذا بيان لرذيلة الزنا ، وأنه يدنس عرض صاحبه ، وعرض من قارنه ومازجه ، ما لا يفعله بقية الذنوب ، فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء ، إلا أنثى زانية ، تناسب حاله حالها ، أو مشركة بالله ، لا تؤمن ببعث ولا جزاء ، ولا تلتزم أمر الله ، والزانية كذلك ، لا ينكحها إلا زان أو مشرك { وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ْ } أي : حرم عليهم أن ينكحوا زانيا ، أو ينكحوا زانية .
ومعنى الآية : أن من اتصف بالزنا ، من رجل أو امرأة ، ولم يتب من ذلك ، أن المقدم على نكاحه ، مع تحريم الله لذلك ، لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله ، فذاك لا يكون إلا مشركا ، وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله ، فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه ، فإن هذا النكاح زنا ، والناكح زان مسافح ، فلو كان مؤمنا بالله حقا ، لم يقدم على ذلك ، وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب ، وكذلك إنكاح الزاني حتى يتوب ، فإن مقارنة الزوج لزوجته ، والزوجة لزوجها ، أشد الاقترانات والازدواجات ، وقد قال تعالى : { احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ ْ } أي : قرناءهم ، فحرم الله ذلك ، لما فيه من الشر العظيم ، وفيه من قلة الغيرة ، وإلحاق الأولاد ، الذين ليسوا من الزوج ، وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها ، مما بعضه كاف للتحريم{[556]} وفي هذا دليل أن الزاني ليس مؤمنا ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فهو وإن لم يكن مشركا ، فلا يطلق عليه اسم المدح ، الذي هو الإيمان المطلق .
{ الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) }
الزاني لا يرضى إلا بنكاح زانية أو مشركة لا تُقِرُّ بحرمة الزنى ، والزانية لا ترضى إلا بنكاح زان أو مشرك لا يُقِرُّ بحرمة الزنى ، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك لايقر بحرمة الزنى ، وحُرِّم ذلك النكاح على المؤمنين . وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب ، وكذلك تحريم إنكاح الزاني حتى يتوب .
قوله تعالى : { الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين ( 3 ) } قال المفسرون : قدم المهاجرون إلى المدينة وفيهم فقراء ليست لهم أموال ، وبالمدينة نساء بغايا مسافحات يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ، فرغب في كسبهن ناس من فقراء المهاجرين . فقالوا : لو أنا تزوجنا منهن فعشنا معهن إلى أن يغنينا الله تعالى عنهن . فاستأذنوا النبي ( ص ) في ذلك ، فنزلت هذه الآية وحرم فيها نكاح الزانية صيانة للمؤمنين عن ذلك .
وقيل : نزلت الآية في نساء بغايا بمكة والمدينة وكن كثيرات ومنهن تسع صواحب رايات . وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير ، لا يدخل عليهن ولا يأتيهن إلا زان . فأراد ناس من المسلمين نكاحهن ليتخذوهن مأكلة ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . ونهى المؤمنين عن ذلك وحرمه عليهم .
وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان رجلا يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة . قال : وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وأنه واعد رجلا من أسارى مكة بحمله . قال : فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة فجاءت عناق فأبصرت سواد ظلي تحت الحائط ، فلما انتهت إلي عرفتني فقالت : مرثد ؟ فقلت : مرثد . فقالت : مرحبا وأهلا . هلم فبتْ عندنا الليلة . فقلت : يا عناق ، إن الله حرم الزنا . فأتيت رسول الله ( ص ) فقلت : يا رسول الله . أنكحُ عناقا ، فأمسك رسول الله ( ص ) فلم يرد شيئا حتى نزلت ( الزاني لا ينكح إلا زانية ) الآية{[3218]} . وينكح هنا بمعنى يطأ . وهذا إخبار من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة أي لا تجيبه إلى بغيته وهو الجماع إلا زانية من الزواني لا تعبأ بفعل المعصية ، أو مشركة من المشركات لا تجد الزنا حراما . وكذلك المرأة الزانية لا يطأها أو يجامعها إلا رجل زان عاص لله ، أو مشرك لا يرى أن الزنا حرام . فالمراد بالنكاح ههنا الوطء أو الجماع . فلا يزني بالزانية أو الكافرة إلا من هو مثلها في الزنا أو الكفر . وجملة ذلك أن الزاني لا يزني إلا بزانية . وكذا الزانية لا تزني إلا بزان . وهو قول ابن عباس .
قوله : ( وحرم ذلك على المؤمنين ) الإشارة عائدة إلى معصية الزنا ؛ فإنه حرام على المؤمنين . ويستفاد من ذلك تحريم الزواج من البغايا ، أو تزويج العفائف من الرجال الفجار . وقد ذهب الإمام أحمد على أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ( الزانية ) مادامت موصوفة بالزنا حتى تستتاب ، فإن تابت صح زواجها . وكذلك لا يصح تزويج الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب ، فإن تاب جاز زواجه منها .
وقيل : هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : ( وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم ) فقد دخلت الزانية في أيامي المسلمين ، وهو قول أكثر العلماء . وبذلك من زنا بامرأة فله أن يتزوجها ، ولغيره كذلك أن يتزوجها . ويستفاد من كون الآية منسوخة أن التزوج بالزانية صحيح . وإذا زنت زوجة الرجل لم يفسد عقد الزواج بينهما . وإذا زنا الزوج لم يفسد نكاحه مع زوجته{[3219]} .