فيه بأسٌ شديد : فيه قوة عظيمة .
لقد أرسلنا رسُلنا الذين اصطفيناهم بالمعجزات القاطعة ، وأنزلنا معهم الكتب فيها الشرائع والأحكام ، والميزان الذي يحقق الإنصاف في التعامل ، ليتعامل الناس فيما بينهم بالعدل . كما خلقنا الحديد فيه قوة ومنافع للناس في شتى مجالات الحياة ، في الحرب والسلم ، والمواصلات برا وبحرا وجوا ، ومنافعه لا تحصى ، لينتفعوا به في مصالحهم ومعايشهم ، وليعلم الله من ينصر دينه ، وينصر رسله بالغيب ، { إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ } لا يفتقر إلى عون أحد .
{ بالبينات } : أي بالحجج والبراهين القاطعة على صدق دعوتهم .
{ وأنزلنا معهم الكتاب } : أي وأنزل عليهم الكتب الحاوية للشرائع والأحكام .
{ والميزان } : أي العدل الذي نزلت الكتب بالأمر به وتقريره .
{ ليقوم الناس بالقسط } : أي لتقوم حياتهم فيما بينهم على أساس العدل .
{ فيه بأس شديد } : أي في الحديد بأس شديد والمراد آلات القتال من سيف وغيره .
{ ومنافع للناس } : أي ينتفع به الناس إذ ما من صنعة إلا والحديد آلتها .
{ وليعلم الله من ينصره ورسله } : أي وأنزلنا الحديد وجعلنا فيه بأساً شديداً ليعلم الله من ينصره في دنيه وأوليائه وينصر رسله المبلغين عنه .
{ بالغيب } : أي وهم لا يشاهدونه بأبصارهم في الدنيا .
{ إن الله قوى عزيز } : أي لا حاجة إلى نصرة أحد وإنما طَلَبهَا يَتَعَبَّدُ بها عباده .
وقوله تعالى { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات } أي بالحجج القواطع وأنزلنا معهم الكتاب الحاوي للشرائع والأحكام التي يكمل عليها الناس ويسعدون وأنزلنا الميزان وذلك ليقوم الناس بالعدل أي لتقوم حياتهم على أساس العدالة والحق .
وقوله تعالى { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد } أي وكما أنزلنا الكتاب للدين والعدل للدنيا أنزلنا الحديد لهما معاً للدين والدنيا فيما فيه من البأس الشديد في الحروب فهو لإقامة الدين بالجهاد { ومنافع للناس } إذْ سائر الصناعات متوقفة عليه فهو للدنيا .
وقوله تعالى : { وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب } أي من الحكمة في إنزال الحديد أن يعلم الله من ينصره أي ينصر دينه ورسله بالجهاد معهم والوقوف إلى جانبهم وهم يبلغون دعوة ربهم بالغيب أي وهم لا يشاهدون الله تعالى بأعينهم وإن عرفوه بقلوبهم .
وقوله تعالى : { إن الله قوي عزيز } إعلام بأنه لا حاجة به إلى نصرة أحد من خلقه وذلك لقوته الذاتية وعزته التي لا ترام ، وإنما كلف عباده بنصرة دينه ورسله وأوليائه تشريفاً لهم وتكريماً وليرفعهم بذلك إلى مقام الشهداء .
- بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان وإنزال الحديد بما فيه من منافع للناس وبأس شديد .
{ 25-27 } { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ }
يقول تعالى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ } وهي الأدلة والشواهد والعلامات الدالة على صدق ما جاءوا به وحقيته .
{ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ } وهو اسم جنس يشمل سائر الكتب التي أنزلها الله لهداية الخلق وإرشادهم ، إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم ، { وَالْمِيزَانَ } وهو العدل في الأقوال والأفعال ، والدين الذي جاءت به الرسل ، كله عدل وقسط في الأوامر والنواهي وفي معاملات الخلق ، وفي الجنايات والقصاص والحدود [ والمواريث وغير ذلك ] ، وذلك { لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ } قياما بدين الله ، وتحصيلا لمصالحهم التي لا يمكن حصرها وعدها ، وهذا دليل على أن الرسل متفقون في قاعدة الشرع ، وهو القيام بالقسط ، وإن اختلفت أنواع العدل ، بحسب الأزمنة والأحوال ، { وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ } من آلات الحرب ، كالسلاح والدروع وغير ذلك .
{ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف ، والأواني وآلات الحرث ، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد .
{ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ } أي : ليقيم تعالى سوق الامتحان بما أنزله من الكتاب والحديد ، فيتبين من ينصره وينصر رسله في حال الغيب ، التي ينفع فيها الإيمان قبل الشهادة ، التي لا فائدة بوجود الإيمان فيها ، لأنه حينئذ يكون ضروريا .
{ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ } أي : لا يعجزه شيء ، ولا يفوته هارب ، ومن قوته وعزته أن أنزل الحديد الذي منه الآلات القوية ، ومن قوته وعزته أنه قادر على الانتصار من أعدائه ، ولكنه يبتلي أولياءه بأعدائه ، ليعلم من ينصره بالغيب ، وقرن تعالى في هذا{[996]} الموضع بين الكتاب والحديد ، لأن بهذين الأمرين ينصر الله دينه ، ويعلي كلمته بالكتاب الذي فيه الحجة والبرهان والسيف الناصر بإذن الله ، وكلاهما قيامه بالعدل والقسط ، الذي يستدل به على حكمة الباري وكماله ، وكمال شريعته التي شرعها على ألسنة رسله .
قوله تعالى : " لقد أرسلنا رسلنا بالبينات " أي بالمعجزات البينة والشرائع الظاهرة . وقيل : الإخلاص لله تعالى في العبادة ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، بذلك دعت الرسل : نوح فمن دونه إلى محمد صلى الله عليه وسلم . " وأنزلنا معهم الكتاب " أي الكتب ، أي أوحينا إليهم خبر ما كان قبلهم " والميزان " قال ابن زيد : هو ما يوزن به ويتعامل " ليقوم الناس بالقسط " أي بالعدل في معاملاتهم . وقوله : " بالقسط " يدل على أنه أراد الميزان المعروف وقال قوم : أراد به العدل . قال القشيري : وإذا حملناه على الميزان المعروف ، فالمعنى أنزلنا الكتاب ووضعنا الميزان فهو من باب :
ويدل على هذا قوله تعالى : " والسماء رفعها ووضع الميزان " [ الرحمن : 7 ] ثم قال : " وأقيموا الوزن بالقسط " [ الرحمن : 9 ] وقد مضى القول فيه{[14730]} . " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد " روى عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : الحديد والنار والماء والملح ) . وروى عكرمة عن ابن عباس قال : ثلاثة أشياء نزلت مع آدم عليه السلام : الحجر الأسود وكان أشد بياضا من الثلج ، وعصا موسى وكانت من آس الجنة ، طولها عشرة أذرع مع طول موسى ، والحديد أنزل معه ثلاثة أشياء : السندان والكلبتان والمِيقَعَة وهي المطرقة ، ذكره الماوردي . وقال الثعلبي : قال ابن عباس نزل آدم من الجنة ومعه من الحديد خمسة أشياء من آلة الحدادين : السندان ، والكلبتان ، والمِيقَعَة ، والمطرقة ، والإبرة . وحكاه القشيري قال : والميقعة ما يحدد به ، يقال وقَعَت الحديدة أقعها أي حددتها . وفي الصحاح : والميقعة الموضع الذي يألفه البازي فيقع عليه ، وخشبة القصار التي يدق عليها ، والمطرقة والمسن الطويل . وروي أن الحديد أنزل في يوم الثلاثاء . " فيه بأس شديد " أي لإهراق الدماء . ولذلك نهي عن الفصد والحجامة في يوم الثلاثاء ؛ لأنه يوم جرى فيه الدم . روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( في يوم الثلاثاء ساعة لا يرقأ فيها الدم ) . وقيل : " أنزلنا الحديد " أي أنشأناه وخلقناه ، كقوله تعالى : " وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج{[14731]} " [ الزمر : 6 ] وهذا قول الحسن . فيكون من الأرض غير منزل من السماء . وقال أهل المعاني : أي أخرج الحديد من المعادن وعلمهم صنعته بوحيه . " فيه بأس شديد " يعني السلاح والكراع والجنة . وقيل : أي فيه من خشية القتل خوف شديد . " ومنافع للناس " قال مجاهد : يعني جنة . وقيل : يعني انتفاع الناس بالماعون من الحديد ، مثل السكين والفأس والإبرة ونحوه . " وليعلم الله من ينصره " أي أنزل الحديد ليعلم من ينصره . وقيل : هو عطف على قوله تعالى : " ليقوم الناس بالقسط " أي أرسلنا رسلنا وأنزلنا معهم الكتاب ، وهذه الأشياء ، ليتعامل الناس بالحق ، " وليعلم الله من ينصره " وليرى الله من ينصر دينه وينصر رسله " ورسله بالغيب " قال ابن عباس : ينصرونهم لا يكذبونهم ، ويؤمنون بهم " بالغيب " أي وهم لا يرونهم . " إن الله قوي " " قوي " في أخذه " عزيز " أي منيع غالب . وقد تقدم . وقيل : " بالغيب " بالإخلاص .