تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

الزخرف : الزينة وكمال حسن الشيء ، وزخرف الأرض ألوان نباتها . كأن لم تغنَ بالأمس : كأن لم تكن مأهولة .

لما كان سببُ بغي الناس في هذه الدنيا هو إفراطُهم في حبّها ، والتمتع بزينتها وما يجنون منها ، ضَرب اللهُ بذلك مثلاً يَعْزِف بفضله العاقلُ عن الغرور بها ، ويدفع إلى الكف عن الظلم والفساد .

شبّه اللهُ حال الحياة الدنيا في روعتها وبهجتها ، بماء أنزلَه من السماء ، فاختلط به نباتُ الأرض مما يأكلُه الناس والحيوان ، فيزدهر ويُثمر ، وتزدانُ به الأرض نضارةً وبهجة ، حتى إذا بلغتْ هذه الزينةُ تمامها ، وأيقن أهلُها أنهم ملكوها وقَدَروا على الاستمتاع بثمارِها وخيراتها ، أتاها أمرُ الله فجأة ، فباتت كالأرض المحصودة التي قُطع زرعها ولم يبقَ منه شيء .

إننا بالأمثال الواضحة ، نبين الآيات ونفصل ما فيها من الأحكام لقوم يتفكّرون ويعتبرون ويعلمون أن الدنيا زائلةٌ وأن متاعها قليل .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

{ إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } معنى الآية : تحقير الدنيا وبيان سرعة فنائها وشبهها بالمطر الذي يخرج به النبات ، ثم تصيب ذلك النبات آفة عند حسنه وكماله .

{ مما يأكل الناس } كالزرع والفواكه .

{ والأنعام } يعني : المرعى التي ترعاها من العشب وغيره .

{ أخذت الأرض زخرفها } تمثيل بالعروس إذا تزينت بالحلي والثياب .

{ قادرون عليها } أي : متمكنون من الانتفاع بها .

{ أتاها أمرنا } أي : بعض الجوائح كالريح ، والصر ، وغير ذلك .

{ فجعلناها حصيدا } أي : جعلنا زرعها كالذي حصد وإن كان لم يحصد .

{ كأن لم تغن } كأن لم تنعم .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (24)

ولما كان السياق لإثبات البعث وتخويفهم به وكانوا ينكرونه ويعتقدون بقاء الدنيا وأنها إنما هي أرحام تدفع وأرض تبلع دائماً بلا انقضاء فهي دار يرضى بها فيطمئن إليها{[37821]} ، وللتنفير من البغي والتعزز بغير الحق ، وكانت الأمثال أجلى لمحال الأشكال ، قال تعالى ممثلاً لمتاعها قاصراً أمرها على الفناء رداً عليهم في اعتقاد دوامها من غير بعث : { إنما } فهو قصر قلب{[37822]} { مثل الحياة الدنيا } التي تتنافسون{[37823]} فيها في سرعة انقضائها وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله { كماء أنزلناه } أي{[37824]} بما لنا من العظمة وحقق أمره وبينه بقوله{[37825]} : { من السماء } فشبهه بأمر النبات وأنه قليل يبلغ منتهاه فتصبح الأرض منه بلاقع بعد ذلك الاخضرار والينوع ، وفي ذلك إشارة إلى البعث وإلى أنه تعالى قادر على ضربة قبل{[37826]} نهايته أو بعدها ببعض الآفات كما يوجد في بعض السنين ، فيقفرون منه ويفتقرون إليه ، وفي ذلك تحذيرعظيم { فاختلط } أي بسبب إنزالنا له { به } أي بسبب تليينه ولطافته { نبات الأرض } عموماً في بطنها { مما يأكل الناس } أي كافة { والأنعام } من الحبوب والثمار والبقول فظهر على وجهها { حتى } ولم يزل كذلك ينمو ويزيد في الحسن والجرم ؛ ولما كان الخصب هو الأصل ، عبر عنه بأداة التحقيق{[37827]} فقال : { إذا } ولما كانت بهجة النبات تابعة للخصب{[37828]} ، فكان الماء كأنه يعطيها إياها فتأخذه ، قال : { أخذت الأرض } أي{[37829]} التي لها أهلية النبات { زخرفها وازينت } بأنواع ذلك النبات زينة منها الجلي ومنها الخفي - بما يفهمه الإدغام { وظن أهلها } أي ظناً مؤكداً جداً بما أفاده العدول عن " قدرتهم " إلى { أنهم قادرون } أي ثابتة قدرتهم { عليها } باجتناء الثمرة من ذلك النبات وغاب عنهم لجهلهم علم العاقبة ، فلما كان ذلك { أتاها أمرنا } أي{[37830]} الذي لا يرد {[37831]}من البرد{[37832]} أو الحر المفرطين { ليلاً أو نهاراً فجعلناها } أي زرعها وزينتها بعظمتها بسبب ذلك الأمر وتعقيبه{[37833]} بالإهلاك { حصيداً } وعبر بما{[37834]} فهمه فعيل من المبالغة والثبات بقوله : { كأن } أي كأنها { لم تغن } أي لم{[37835]} تكن غانية أي ساكنة{[37836]} حسنة غنية ذات وفر مطلوبة مرغوباً فيها أي زرعها وزينتها { بالأمس } فكان حال الدنيا في سرعة انقضائها{[37837]} وانقراض نعيمها بعد عظيم إقباله كحال نبات الأرض في جفافه وذهابه حطاماً بعد ما التف وزين الأرض بخضرته وألوانه وبهجته .

ولما كان هذا المثل في غاية المطابقة للساعة ، هز السامع له فازداد عجبه من حسن تفصيله بعد تأصيله فقيل جواباً له : { كذلك } أي مثل هذا التفصيل الباهر { نفصل } أي تفصيلاً عظيماً { الآيات لقوم } أي ناس أقوياء فيهم قوة المحاولة لما يريدون { يتفكرون* } أي يجددون الفكر على وجه الاستمرار والمبالغة ؛ والمثل : قول سائر يشبه فيه{[37838]} الحال الثاني بالأول ؛ والاختلاط : تداخل الأشياء بعضها في بعض ؛ والزخرف : حسن الألوان .


[37821]:زيد من ظ.
[37822]:زيد من ظ.
[37823]:في ظ: يتنافسون.
[37824]:زيد من ظ.
[37825]:زيد من ظ.
[37826]:في ظ: بعد.
[37827]:في ظ: التحقق.
[37828]:في ظ: للخشب.
[37829]:زيد من ظ.
[37830]:زيد من ظ.
[37831]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37832]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[37833]:في ظ: يعقبه.
[37834]:من ظ، وفي الأصل: عما.
[37835]:سقط من ظ.
[37836]:في ظ: ماكثة.
[37837]:في ظ: انقلابها.
[37838]:سقط من ظ.