تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

وفي تلك اللحظة من ذلك اليوم لو أن لكل نفس كفَرت بالله جميعَ ما في الأرض لافتدَت به من عذابها لو تستطيع ، وذلك لما تراه من عذاب يوم القيامة .

ولما رأوا العذابَ أخفَوا ندمَهم لعجزِهم عن النطق ، ولشدة ما دهاهم من الفَزع ، ونَفَذَ فيهم قضاءُ الله .

وهم غير مظلومين في هذا الجزاء لأنه نتيجةٌ لما قدّموا في الدنيا .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

قوله تعالى : " ولو أن لكل نفس ظلمت " أي أشركت وكفرت . " ما في الأرض " أي ملكا . " لافتدت به " أي من عذاب الله ، يعني ولا يقبل منها ، كما قال : " إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به " [ آل عمران : 91 ] وقد تقدم{[8510]} .

قوله تعالى : " وأسروا الندامة " أي أخفوها ، يعني رؤساءهم ، أي أخفوا ندامتهم عن اتباعهم . " لما رأوا العذاب " وهذا قبل الإحراق بالنار ، فإذا وقعوا في النار ألهتهم النار عن التصنع ، بدليل قولهم : " ربنا غلبت علينا شقوتنا{[8511]} " [ المؤمنون : 106 ] . فبين أنهم لا يكتمون ما بهم . وقيل : " أسروا " أظهروا ، والكلمة من الأضداد ، ويدل عليه أن الآخرة ليست دار تجلد وتصبر . وقيل : وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم ؛ لأن الندامة لا يمكن إظهارها . قال كثير :

فأسررت الندامةَ يوم نَادَى*** بِرَدِّ جمال غاضِرِةَ المنادي

وذكر المبرد فيه وجها ثالثا : أنه بدت بالندامة أسرة وجوههم ، وهي تكاسير الجبهة ، واحدها سرار . والندامة : الحسرة لوقوع شيء أو فوت شيء ، وأصلها اللزوم ، ومنه النديم لأنه يلازم المجالس . وفلان نادم سادم . والسدم اللهج بالشيء . وندم وتندم{[8512]} بالشيء أي اهتم به . قال الجوهري : السدم ( بالتحريك ) الندم والحزن ، وقد سدم بالكسر أي اهتم وحزن ورجل نادم سادم ، وندمان سدمان ، وقيل : هو اتباع . وماله هم ولا سدم إلا ذلك . وقيل : الندم مقلوب الدمن ، والدمن اللزوم ، ومنه فلان مدمن الخمر . والدمن : ما اجتمع في الدار وتلبد من الأبوال والأبعار ، سمي به للزومه . والدمنة : الحقد الملازم للصدر ، والجمع دمن . وقد دمنت قلوبهم بالكسر ، يقال : دمنت على فلان أي ضغنت . " وقضي بينهم بالقسط " أي بين الرؤساء والسُّفَّل بالعدل . " وهم لا يظلمون " .


[8510]:راجع ج 4 ص 131.
[8511]:راجع ج 12 ص 153.
[8512]:في ع و هـ: سدم.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ} (54)

قوله تعالى : { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وقضى بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي ولو أن لكل نفس كفرت بالله أو أشركت به غيره من الآلهة والأنداد ، ما في الأرض من المال والملك والنفائس والذخائر { لافتدت به } أي لجعلته فدية لها من العذاب فتنجو بنفسها مما حل بها . ومثل هذه الأمنية ليس إلا ضربا من الحلم الشاطح يراود المجرمين الخاسرين يوم القيامة وهم تحيط بهم كل ظواهر اليأس والذعر والوجل وانخلاع القلوب ؛ فلا يغنيهم من عذاب الله حينئذ مال ولا سلطان ولا غير ذلك من مفاخر الدنيا .

قوله : { وأسروا الندامة لما رأوا العذاب } أي أخفى رؤساء المشركين والخاسرين ندامتهم عن أتباعهم من الوضعاء والسفلة والرعاع إحساسا بالخزي والافتضاح والمعرة أمامهم ، وكيلا يوبخهم ؛ لأنهم أضلوها . وهذا إذا أيقنوا أن عذاب الله واقع وقبل أن يكبكبوا في النار ؛ فهم قبل الكبكبة والاصطلاء والتحريق قد بقي فيهم بقية من القدرة على التصنع والمكابرة يكشف عنها استسرارهم الندامة في أنفسهم وإخفاؤها عن أتباعهم الرعاع . حتى إذا سقطوا في النار جميعا ذهب التصنع والمكابرة وغاروا في الإياس والندامة وخواء القلوب .

قوله : { وقضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون } أي قضي الله بين هؤلاء الرؤساء من الكافرين وأتباعهم بالعدل { وهم لا يظلمون } الجملة في محل نصب حال ؛ فالله لا يظلم أحدا مثقال ذرة . فما جوزوا به من العذاب كان سببه ما كسبوه من الكفر والمعاصي{[1998]} .


[1998]:فتح القدير جـ 2 ص 452 وتفسير القرطبي جـ 8 ص 352 وتفسير النسفي جـ 2 ص 167.