أفضى بعضكم إلى بعض : وصل بعضكم إلى بعض ، وامتزج به .
الميثاق : العهد . الغليظ : الشديد المؤكد .
وكيف يسوغ لكم أن تستردوا ما أعطيتم من المهر ، بعد أن تأكدت بينكم الرابطة الزوجية المقدسة ، ولابَسَ كل منكما الآخر حتى صار بمنزلة الجزء المتمم لوجوده !
{ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً } بهذه العبارة الهائلة يختم الله تعالى هذا الآيات فيُفرغ على عقد الزواج صبغة كريمة جعلته فوق عقود البيع والإجارة والتمليك . فتعبير «ميثاقا غليظا » الذي يعني : شديداً مؤكداً ، له قيمته في الإيحاء بموجبات الحفظ والمودة . والزواج في عرف الشرع عهد شريف ترتبط به القلوب ، وتختلط به المصالح : { هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ } [ البقرة : 187 ] .
وكلمة الميثاق لم تَرِدْ في القرآن الكريم إلا تعبيرا عما بين الله وعباده من موجبات التوحيد ، والتزام الأحكام ، وما بين الدولة والدولة من الشئون العامة الخطيرة ، ثم على عقد الزواج . ومن هذا ندرك مقدار المكانة التي سما القرآن بعقد الزواج إليها .
الخامسة : قوله تعالى : " وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض " تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة . وقال بعضهم : الإفضاء إذا كان معها في لحاف واحد جامع أو لم يجامع . حكاه الهروي وهو قول الكلبي . وقال الفراء : الإفضاء أن يخلو الرجل والمرأة وأن يجامعها . وقال ابن عباس ومجاهد والسدي وغيرهم : الإفضاء في هذه الآية الجماع . قال ابن عباس : ولكن الله كريم يكنى . وأصل الإفضاء في اللغة المخالطة ، ويقال للشيء المختلط : فضا . قال الشاعر :
فقلت لها يا عمتي لك ناقتي *** وتَمْرٌ فَضًا في عيبتي وزبيب{[4196]}
ويقال : القوم فوضى فضا ، أي مختلطون لا أمير عليهم . وعلى أن معنى " أفضى " خلا وإن لم يكن جامع ، هل يتقرر المهر بوجود الخلوة أم لا ؟ اختلف علماؤنا في ذلك على أربعة أقوال : يستقر بمجرد الخلوة . لا يستقر إلا بالوطء . يستقر بالخلوة في بيت الإهداء . التفرقة بين بيته وبيتها .
والصحيح استقراره بالخلوة مطلقا ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ، قالوا : إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها ؛ لما رواه الدارقطني عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من كشف خمار امرأة ونظر إليها وجب الصداق ) . وقال عمر : إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق وعليها العدة ولها الميراث . وعن علي : إذا أغلق بابا وأرخى سترا ورأى عورة فقد وجب الصداق . وقال مالك : إذا طال مكثه معها مثل السنة ونحوها ، واتفقا على ألا مسيس وطلبت المهر كله كان لها . وقال الشافعي : لا عدة عليها ولها نصف المهر . وقد مضى في " البقرة " {[4197]} .
السادسة : قوله تعالى : " وأخذن منكم ميثاقا غليظا " فيه ثلاثة أقوال . قيل : هو قوله عليه السلام : ( فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ) . قاله عكرمة والربيع . الثاني : قوله تعالى : " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " [ البقرة : 229 ] قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي . الثالث : عقدة النكاح قول الرجل : نكحت وملكت عقدة{[4198]} النكاح ، قاله مجاهد وابن زيد . وقال قوم : الميثاق الغليظ الولد . والله أعلم .
قوله تعالى : ( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) أفضى بعضكم إلى بعض من الإفضاء وهو الجماع . وقيل هو أن يخلو الرجل بالمرأة وإن لم يجامعها . والراجح أن الإفضاء يشمل المعنيين المذكورين . وهذه الآية تثير استنكارا لفعل لا يليق أن يأتيه أزواج قد أفضوا إلى زوجاتهم إفضاء تاما من الجماع والخلوة وغيرهما . وهم لا يكونون على تلك الحال من الإفضاء إلا بعد إزهاق لأية صورة من الحواجز أو الحوائل . وهم في تزاوجهم كأنما هم أرواح متلاصقة متحانية بغير فصام أو أنهم أجساد تتلاحم في تلاق ودود لا يعرف الخصام فكيف يليق بالأزواج – والحالة هذه – أن يعاودوا المطالبة بما قدموه لزوجاتهم من صداق . إنه لا وجه لهذه المطالبة من الناحية الشرعية . فضلا عن منافاتها لقواعد الخلق والوفاء وكريم الطبع خصوصا وأن الزوجات أخذن من أزواجهن ميثاقا غليظا قد عوّلن عليه واطمأنن إليه وهو عقد النكاح الذي يمكن للمرأة من المال في ذمة الزوج . ويبيح للرجل من عفاف الزوجة ما كان محظورا . فقد بات ذلك كله نافذا أو سائغا بالميثاق الغليظ وهو العقد المتين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.