تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته  
{وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا} (21)

21- { وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا }

المفردات

أفضى بعضكم إلى بعض : الإفضاء إلى الشيء : الوصول إليه بالملامسة والمراد به هنا الاتصال الجنسي أو ما يكون بين الزوجين في خلوة .

ميثاقا غليظا : عهدا وثيقا قويا .

والمعنى : بأي وجه من الوجوه تستحلون يا معشر الرجال أن تأخذوا شيئا من الصداق الذي أعطيتموه لنسائكم عند مفارقتهن ، والحال أنكم قد اختلط بعضكم ببعض ، وصار كل واحد منكم لباسا لصاحبه وأخذن عهدا وثيقا مؤكدا لا يحل لكم ان تنقضوه او تخالفوه .

وفي الحديث الشريف : " استوصوا بالنساء خيرا ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله " 66 .

التعبير بكلمة أفضي :

قال الفخر الرازي وأصل أفضى من الفضاء الذي هو السعة يقال فضا يفضو فضوا وفضاء إذا اتسع والمراد بالإفضاء هنا الوصول والمخالطة لأن الوصول إلى الشيء قطع للفضاء الذي بين المتواصلين .

وجاء في ظلال القرآن ما يأتي :

ويدع أفضى بلا مفعول يدع اللفظ مطلقا يشع كل معانيه ويلتقي كل من ظلاله ، ولا يقف عند حدود الجسد ، بل يشمل العواطف والمشاعر والوجدانات والتصورات والتجاوب في كل صورة من صور التجاوب ، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار . . . وفي كل اختلاجة حب إفضاء وفي كل نظرة ود إفضاء وفي كل لمسة جسم إفضاء وفي كل اشتراك في ألم وأمل إفضاء ، وفي كل تفكير في حاضر أو مستقبل إفضاء وفي كل التقاء في طفل إفضاء67 .

كل هذه المعاني تجعل الرجل يخجل ان يسترد بعض ما دفع لزوجته وهو يستعرض في خياله ووجدانه ذلك الحشد من صور الماضي في لحظة الفراق الرهيب .

ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هاتين الآيتين ما يأتي :

1- أن الرجل إذا فارق امرأته فلا يحل له أن يأخذ منها شيئا ما دام الفراق بسببه ومن جانبه ، كما أنه لا ينبغي أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها إذا كان الفراق بسببها ومن جانبها .

2- اتفق العلماء على أن المهر يستقر بالوطء واختلفوا في استقراره بالخلوة المجردة قال الحنيفية : إذا خلا بها خلوة صحيحة يجب كمال المهر والعدة دخل بها أو لم يدخل بها ، وقال مالك إذا طال مكثه معها السنة ونحوها واتفقا ان لا مسيس وطلبت المهر كله كان لها68 .

3- جواز الإصداق بالمال الكثير ، لأن الله قال : وآتيتم إحداهن قنطارا . والقنطار المال الكثير .

روى ان عمر رضي الله عنه قال على المنبر : لا تغالوا في المهور ، فقامت إليه امرأة فقالت : يا بن الخطاب الله يعطينا وأنت تمنع وقرأت هذه الآية فقال عمر : كل الناس أفقه من عمر ورجع عن النهي في المغالاة69

ومن العلماء من بين أن الذي رجع عنه عمر هو إلزام الناس بعدم المغالاة .

والآية المذكورة وإن كانت تفيد جواز الإصداق بالمال الجزيل ، إلا ان الأفضل عدم المغالاة في ذلك ، مع مراعاة أحوال الناس من حيث الغنى والفقر وغيرهما .

وقد ورد ما يفيد الندب إلى التيسير في المهور ، فقد اخرج أبو داود والحاكم من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خير الصداق أيسره " 70 .

وروى الإمام احمد في مسنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة " 71