تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

الكلام هنا عن غزوة بدر التي كانت أول فوزٍ للمؤمنين وخذلانٍ للمشركين . وملخص القصة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع أن أبا سفيانَ رجع من الشام يقود قافلةً ضخمة فيها معظم أموال قريش وتجارتها . فأخبر أصحابه ونَدَبَهم إلى الخروج ليصادروا هذه القافلة . لكن البعض تثاقل وكره الخروج . وخرج الرسول في ثلاثمائة رجل ونيف ، ولم يعلموا أنهم مقبلون على واحدة من أعظم المعارك الفاصلة في التاريخ .

وعِلم أبو سفيان بخروج الرسول وأصحابه فبعث إلى قريش يطلب النجدة . ولم يبق أحد قادر على حمل السلاح في مكة إلا خرج . أما أبو سفيان فحوّل طريقه إلى ساحل البحر ونجا ، وبعث إلى قريش يخبرهم بذلك ليرجعوا . فأبى أبو جهل وسار بالقوم إلى بدر . فشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وقال لهم : إن الله وعَدَني إحدى الطائفتين ، فوافقوه على القتال ، وكره ذلك بعضهم وقالوا : لم نستعدَّ له ، لكنهم ساروا وأجمعوا على لقاء قريش وكانت المعركة في اليوم السابع عشر من شهر رمضان للسنة الثانية من الهجرة وقد انتصر المسلمون انتصاراً عظيما ، فقتلوا من قريش سبعين رجلا ، وأسروا سبعين ، وفر الباقون ، واستُشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا فقط . وكانت هذه المعركة أول نصر للمسلمين ، فبدأ ينحاز كثير من العرب إلى جانبهم بعد ذلك .

{ كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بالحق وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ المؤمنين لَكَارِهُونَ } .

إن حال المؤمنين في خلافهم حول الغنائم مثل حالهم عند ما أمرك اللهُ بالخروج من المدينة لقتال المشركين ببَدْر .

يومئذٍ كانوا يجادلونك أيها الرسول ، في لقاء قريش وقتالهم مع أن هذا اللقاء والقتال حق وخير . ولقد آثروا لقاء العِير لأن فيها الأموال ، ولأن حراسها قليلون .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

قوله تعالى : " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " قال الزجاج : الكاف في موضع نصب ، أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق . والمعنى : امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا ؛ لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال : يبقى أكثر الناس بغير شيء . فموضع الكاف في " كما " نصب كما ذكرنا . وقال الفراء أيضا . قال أبو عبيدة : هو قسم ، أي والذي أخرجك ، فالكاف بمعنى الواو ، وما بمعنى الذي . وقال سعيد بن مسعدة : المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . قال وقال بعض العلماء " كما أخرجك ربك من بيتك بالحق " فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم . وقال عكرمة : المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك . وقيل : " كما أخرجك " متعلق بقوله " لهم درجات " المعنى : لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم . أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له ؛ فأنجزك وعدك . وأظفرك بعدوك وأوفى لك ؛ لأنه قال عز وجل : " وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " [ الأنفال : 7 ] . فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة . وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره . وقيل : الكاف في " كما " كاف التشبيه ، ومخرجه على سبيل ، المجازاة ، كقول القائل لعبده : كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك ، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا . وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا . وكما أحسنت إليك فاشكرني عليه . فقال : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشاكم النعاس أمنة منه - يعني به إياه ومن معه - وأنزل من السماء ماء ليطهركم به ، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين ؛ فاضربوا فوق الأعناق وأضربوا منهم كل بنان . كأنه يقول : قد أزحت عللكم ، وأمددتكم " بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع ، وهو المقتل ، لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل . والله أعلم . " وإن فريقا من المؤمنين لكارهون " أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ} (5)

قوله تعالى : { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون 5 يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم يظنون 6 وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين 7 ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون } .

الكاف في قوله : { كما } للتشيبه ، وفيها ثلاثة أوجه : الأول : أنها في موضع نصب صفة لمصدر محذوف دل عليه الكلام . وتقديره : قل الأنفال ثابتة لله والرسول ثبوتا كم أخرجك ربك .

الثاني : أنها صفة لمصدر محذوف وتقديره : يجادلونك جدلا كما أخرجك .

الثالث : أنها وصف لقوله : { حقا } وتقديره : أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك{[1619]} .

واختلف المفسرون في السبب الجالب لهذه الكاف في قوله : { كما أخرجك ربك } فقد قيل في معنى ذلك : إن الله تعالى يقول : كما أنكم لما اختلفتم في المغاني وتخاصمتم وتشاححتم فيها فانتزعها الله منكم وجعلها إلى قسم الله ورسوله فقسمها بينكم على التسوية والعدل ؛ لكون ذلك هو المصلحة الكاملة لكم ، وكذلك لما كرهتم الخروج لقتال ذات الشوكة ، وهم النفير الذين حرجوا لإحراز عيرهم والقتال دون أصنامهم وشركهم ، فكان عاقبة كرههم للقتال أن قدره الله عليكم فجمع به بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد فكتب لكم فيه النصر والخير { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وقيل : معنى ذك : كما أخرجك ربك يا محمد من بيتك بالحق على كره من فريق من المؤمنين كذلك هم يكرهون القتال ؛ فهم يجادلونك فيه بعدما تبين لهم{[1620]} .


[1619]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 383.
[1620]:تفسير ابن كثير جـ 2ص 286 وتفسير الطبري جـ 9 ص 122.