ثم يختم الله تعالى هذه السورة الكريمة بآيتين تتحدث إحداهما عن الصلة بين الرسول وقومه ، وعن حرصه عليهم ورحمته بهم . والثانية توجيه للرسول أن يعتمد على ربه وحده . . . سيأتي ذكرها لاحقا .
عزيز عليه ما عنتم : يشق عليه ما يصيبكم من مكروه .
الحرص على الشيء : شدة الرغبة فيه .
لقد جاءكم أيها العرب رسول من جنسكم ، يشق عليه ما يصيبكم من الضرر . وهو حريص على هدايتكم ، ولا يلقي بكم في المهالك ، وهو شديد الرأفة والرحمة بالمؤمنين فهو حريص عليكم أن يكون لكم شرف حمل الدعوة ، وحظ رضوان الله ، والجنة التي وعد بها المتقون .
هاتان الآيتان في قول أُبي : أقرب القرآن بالسماء عهدا . وفي قول سعيد بن جبير : آخر ما نزل من القرآن " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " [ البقرة : 281 ] على ما تقدم{[8405]} . فيحتمل أن يكون قول أُبيّ : أقرب القرآن بالسماء عهدا بعد قوله : " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " . والله أعلم . والخطاب للعرب في قول الجمهور ، وهذا على جهة تعديد النعمة عليهم في ذلك ؛ إذ جاء بلسانهم وبما يفهمونه ، وشرفوا به غابر الأيام . وقال الزجاج : هي مخاطبة لجميع العالم والمعنى : لقد جاءكم رسول من البشر ، والأول أصوب . قال ابن عباس : ما من قبيلة من العرب إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم فكأنه قال : يا معشر العرب لقد جاءكم رسول من بني إسماعيل . والقول الثاني أوكد للحجة أي هو بشر مثلكم لتفهموا عنه وتأتموا به .
قوله تعالى : " من أنفسكم " يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من صميم العرب وخالصها . وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم ) . وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إني من نكاح ولست من سفاح ) . معناه أن نسبه صلى الله عليه وسلم إلى آدم عليه السلام لم يكن النسل فيه إلا من نكاح ولم يكن فيه زنى . وقرأ عبدالله بن قُسيط المكي من " أنْفَسِكم " بفتح الفاء من النفاسة ، ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن فاطمة رضي الله عنها أي جاءكم رسول من أشرفكم وأفضلكم من قولك : شيء نفيس إذا كان مرغوبا فيه . وقيل : من أنفسكم أي أكثركم طاعة .
قوله تعالى : " عزيز عليه ما عنتم " أي يعز عليه مشقتكم . والعنت : المشقة ؛ من قولهم : أكمة عنوت إذا كانت شاقة مهلكة . وقال ابن الأنباري : أصل التعنت التشديد ، فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه بما يصعب عليه أداؤه . وقد تقدم في " البقرة{[8406]} " . " وما " في " ما عنتم " مصدرية ، وهي ابتداء و " عزيز " خبر مقدم . ويجوز أن يكون " ما عنتم " فاعلا بعزيز ، و " عزيز " صفة للرسول ، وهو أصوب . وكذا " حريص عليكم " وكذا " رؤوف رحيم " رفع على الصفة . قال الفراء : ولو قرئ عزيزا عليه ، ما عنتم حريصا رؤوفا رحيما ، نصبا على الحال جاز . قال أبو جعفر النحاس : وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا عبدالله بن محمد الخزاعي قال سمعت عمرو بن علي يقول : سمعت عبدالله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم " قال : أن تدخلوا النار ، " حريص عليكم " أن تدخلوا الجنة . وقيل : حريص عليكم أن تؤمنوا . وقال : الفراء : شحيح بأن تدخلوا النار . والحرص على الشيء : الشح عليه أن يضيع ويتلف . " بالمؤمنين رؤوف رحيم " الرؤوف : المبالغ في الرأفة والشفقة . وقد تقدم في " البقرة " معنى " رؤوف رحيم " مستوفى{[8407]} . وقال الحسين بن الفضل : لم يجمع الله لأحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال : " بالمؤمنين رؤوف رحيم " وقال : " إن الله بالناس لرؤوف رحيم " [ الحج : 65 ] . وقال عبدالعزيز بن يحيى : نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم ، عزيز عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم ، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته ، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة .
قوله تعالى : { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم 128 فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو توكلت وهو رب العرش العظيم } .
يخاطب الله في الآية العرب ممتنا عليهم بإرساله إليهم رسوله العظيم محمدا صلى الله عليه وسلم ؛ فهو من أنفسهم ؛ أي من جنسهم ومن نسبهم . وهو عربي مثلهم بل هو من خيرهم نسبا وأشرفهم محتدا{[1931]} . وفي ذلك أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا ، حتى كنت من القرن الذي كنت فيه ) . وأخرج مسلم عن واثلة بن الأسقع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عن الله تعالى اصطفى من واد إبراهيم إسماعيل ، واصطفى من لود إسماعيل بني كنانة ، واصطفى من بني كنانة قريشا ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم ) .
قوله : { عزيز عليه ما عنتم } { عزيز } ، صفة لرسول { ما } مصدرية ، أو بمعنى الذي ، وعلى كلا التقديرين فهي فاعل بعزيز . والتقدير : يعز عليه عنتكم ، أو الذي عنتموه ؛ أي : عنتهم يسيئه{[1932]} . وعلى هذا فمعنى الآية : أنه صعب عليه وشاق عنتكم ، أو ما يلحقكم من عنت وهو المكروه والعذاب والضيق الذي تجدون منه العناء والشقاء في حياتكم .
قوله : { حريص عليكم } أي حريص على إيمانكم وهداكم وصلاح حالكم في الدنيا والآخرة .
قوله : { بالمؤمنين رؤوف رحيم } أي ان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الرحمة والشفقة عليكم ، وهو عظيم الرأفة بكم ، يحرص على إيصال الخير والتوفيق والإحسان إليكم ، لتكونوا كرماء سعداء في دينكم ودنياكم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.