تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

من عظمة القرآن في تشريعه «المدني والجنائي » أنه يلهب النفوس إلى الامتثال ، ببيان ما في التشريع من حِكم وفوائد تعود عليها بخيري الدنيا والآخرة ، وهنا جاءت هذه الآية الكريمة تشير إلى ما في القصاص تشريعاً وتنفيذا من نفع للحياة ذاتها ، فهو يحفظ الأرواح وإليه تطمئن النفوس .

ولا ريب أن من علم أنه إذا قتَلَ قُتِل ، وأن القصاص له بالمرصاد كفّ نفسه عن قتل صاحبه فسلم ذاك من القتل ، وهذا من القصاص . وكذلك في تنفيذ القصاص على الوجه الذي شرع الله ، وهو قتل القاتل وحده دون إسراف بقتل غيره .

وفي قوله تعالى : { يا أولي الألباب } إشارة لطيفة إلى أن القصاص بجانبيه من شأن أولي العقول ، الذين يقدّرون وسائل الحياة الصحيحة . وما إهمال الأمة في تشريع القصاص وإسرافها في الأخذ بالثأر إلا نقيض للعقل والإيمان .

ثم أشار سبحانه بعد ذلك إلى أن هذا التشريع من شأنه أن يعد النفوس للصلاح بدل الفساد ، وللتقوى بدل العصيان ، فقال : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } ، فليتدبر أولو العقول مزية القصاص هذه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } أي : تنحقن بذلك الدماء ، وتنقمع به الأشقياء ، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل ، لا يكاد يصدر منه القتل ، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر ، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل ، لم يحصل انكفاف الشر ، الذي يحصل بالقتل ، وهكذا سائر الحدود الشرعية ، فيها من النكاية والانزجار ، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار ، ونكَّر " الحياة " لإفادة التعظيم والتكثير .

ولما كان هذا الحكم ، لا يعرف حقيقته ، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة ، خصهم بالخطاب دون غيرهم ، وهذا يدل على أن الله تعالى ، يحب من عباده ، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم ، في تدبر ما في أحكامه من الحكم والمصالح الدالة على كماله وكمال حكمته وحمده وعدله ورحمته الواسعة ، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب ، وناداهم رب الأرباب ، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون .

وقوله : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة ، أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله ، ويعظم معاصيه فيتركها ، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَـٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (179)

وقوله : ( ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون ) .

أما قوله : ( ولكم في القصاص حياة ) فهو غاية في الإيجاز والإحكام والروعة بما يعبر عن المقصود في جلاء واضح وبيان فصيح . فقد جاء في الأمثال البليغة لفصحاء العرب ، أو الكتب المتقدمة في قول آخر : ( القتل أنفى للقتل ) وهذه العبارة رغم إيجازها وفصاحتها فإنها لا تعدل في ميزان البيان والفصاحة شيئا إذا ما قيست بقوله سبحانه : ( ولكم في القصاص حياة ) فلا ريب أن القصاص زاجر كبير للناس ؛ إذ يبعث فيهم اليقظة والخوف ؛ كيلا يعتدي بعضهم على بعض ، وقد ذكر أن العرب كانت إذا قتل الرجل الآخر استشاط قبيلاهما فاقتتلوا فيما بينهم بما يوقع بينهم عداوة وإزهاقا للنفوس حتى إذا شرع القصاص أمسكوا جميعا عن القتل .

لذلك فإن تشريع القصاص في الإسلام يحقق للناس الأمن والاستقرار وسلامة النفوس ، ويحفظ عليهم المهج والأبدان . وبذلك تصان الأرواح وتحفظ الحياة .

وثمة مسألة تعرض في هذا الصدد وهي : هل لأحد أن يقتص بمفرده من أحد غيره ؟ فإن المتفق عليه بين أهل العلم أن إقامة الحدود وتنفيذ القصاص مما أنيط بالسلطان فالحاكم أو نائبه هو المكلف شرعا أن يقيم العقاب على الجاني ، والقاتل خاصة . فليس للأفراد أن يقتص الواحد فيهم من غيره وإلا وقع التجاوز وعمت الفوضى ، فضلا عن أن ذلك افتيات على سلطة الدولة المكلفة بذلك{[207]} .

وإذا اعتدى الحاكم فقتل عمدا فهل يُقتص منه ؟

فقد أجمع العلماء على أن الحاكم عليه أن يستقيد ( يقتص ) من نفسه للمعتدى عليه وذلك إن تعدى على أحد من الناس عمدا . فإنه ليس من فضل له على الناس أصلا إلا أنه قائم على شؤون الرعية يسوسهم بالعدل ويقيم شريعة الله . والأصل في ذلك أن المسلمين تتكافأ دماؤهم{[208]} .

وقد ثبت عن الخليفة الأول أبي بكر- رضي الله عنه- أنه قال لرجل شكا إليه من عامل قطع يده : لئن كنت صادقا لأقيدنك منه .

وروى النسائي في سننه عن أبي سعيد الخدري قال : بينا رسول الله ( ص ) يقسم شيئا إذا أكبّ عليه رجل ، فطعنه رسول الله ( ص ) بعرجون كان معه فصاح الرجل ، فقال له رسول الله ( ص ) : " تعال فاستقد " قال : بل عفوت يا رسول الله .

وذكر أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال : ألا من ظلمه أميره فليرفع ذلك إلي أقيده منه . فقام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين ! لئن أدب رجل منا رجلا من أهل رعيته لتقصنه منه ؟ قال : كيف لا أقصه منه وقد رأيت رسول الله ( ص ) يقص من نفسه .

وذكر عنه –رضي الله عنه- أنه خطب الناس فقال : إني لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ولا ليأخذوا أموالكم ، فمن فُعل ذلك به فليرفعه إليّ أقصه منه .

وقوله : ( لعلكم تتقون ) أي تتركون القتل العمد فتسلمون من الموت قصاصا ، وتحفظون بذلك حياتهم وأرواحكم من الهلاك . والتقوى هي اسم جامع لفعل الخيرات والطاعات وترك المعاصي والمحظورات .


[207]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 256 وتفسير البيضاوي ص 37.
[208]:- المغني جـ 7 ص 663 وتفسير القرطبي جـ 2 ص 256.