تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

لا يُفتنون : لا يمتحنون .

أيظن الناس أنهم يُتركون بمجرد قولهم آمنا بالله دون أن يُختبروا بما تتبيَّن به حقيقةُ إيمانهم . لا بدَّ من امتحانهم بذلك .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

يخبر تعالى عن [ تمام ] حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال " إنه مؤمن " وادعى لنفسه الإيمان ، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن ، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه .

فإنهم لو كان الأمر كذلك ، لم يتميز الصادق من الكاذب ، والمحق من المبطل ، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة ، أن يبتليهم بالسراء والضراء ، والعسر واليسر ، والمنشط والمكره ، والغنى والفقر ، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان ، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن ، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة ، والشهوات المعارضة للإرادة ، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل ، ويدفعها{[619]} بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب ، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله ، يعمل بمقتضى الإيمان ، ويجاهد شهوته ، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته .

ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا ، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات ، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه .

والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه ، فمستقل ومستكثر ، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وأن يثبت قلوبنا على دينه ، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير ، يخرج خبثها وطيبها .


[619]:- كذا في ب وفي أ: ويدفعه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

والاستفهام هنا في قوله : { أحسب الناس } للتوبيخ . و { أَن } والفعل ، في موضع نصب للفعل { أَحَسبَ } وقد سدت أن والفعل مسدّ مفعولي حسب . وأن يقولوا : في موضع نصب بتقدير حذف حرف الجر ، وتقديره : بأن يقولوا . وقيل : بدل من الأولى{[3538]} ؛ فالله يبين لعباده المؤمنين أنه لا بد من ابتلاءهم في حياتهم الدنيا بحسب ما آتوه من درجات الإيمان ، فكل مبتلى بدرجة إيمانه وعزيمته . وبذلك فإن المؤمنين المخلصين الأبرار مبتلون في أنفسهم وأموالهم ومصالحهم بل هم أشد الناس ابتلاء ومواجهة للفتن على اختلافها وتعدد صورها وأشكالها . وفي الحديث الصحيح : " أشد الناس بلاء الأنبياء ، ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل . يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صلابة زيد له في البلاء " جعلنا الله من المخلصين الصابرين الثابتين على الحق .

على أن المراد بالناس في الآية : قوم من المؤمنين كانوا بمكة وكان المشركون يؤذونهم بالغ الأذى ويعذبونهم أشد تعذيب بسبب إسلامهم ، كعمار وأبيه ياسر وأمه سمية وغيرهم من المسلمين المستضعفين الذين جار عليهم الظالمون فنكلوا بهم تنكيلا لاستمساكهم بعقيدة الإسلام ورفضهم عقائد الكفر وملل الضلال والباطل . فنزلت هذه الآية لتواسيهم ولكي تُسرّي عنهم وتكفكف عن نفوسهم وقلوبهم ما كان يعتريها من الألم والمضاضة والاغتمام .

على أن هذه الآية ، وإن نزلت بهذا السبب وما في معناه ، لكنها باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم لينسحب معناها ومقتضاها على المسلمين في كل زمان ؛ ذلك أن الفتنة ما فتئت تصيب المسلمين في سائر الأزمان والبلدان ؛ تصيبهم في أبدانهم وأموالهم وأرزاقهم وكراماتهم وأوطانهم مما يبتليهم به الله من مختلف البلايا ، أو ما يحيف به الظالمون والطغاة عليهم . أولئك العتاة الغلاظ من مجرمي البشر وشياطين الإنسانية الذين يبطشون بالمسلمين ويتفاخرون بتعذيبهم والتنكيل بهم كلما سنحت لهم الأحوال والظروف ، ليستذلوهم مرة ، أو ليقتلوهم مرة أخرى ، أو يخرجوهم من ديارهم ويستأصلوهم استئصالا في كثير من الأحيان العصيبة التي ألمت بالمسلمين وحاقت بهم ليُشردوا ويُهَجّروا أو يُقتلوا تقتيلا . وقد حصل للمسلمين مثل ذلك في مختلف الأزمان والأوطان ، كالأندلس ، وفلسطين ، وكشمير ، والبوسنة والهرسك وغير ذلك من الأوطان التي ذُبح فيها المسلمون بالكلية أو شردوا وهجروا من ديارهم تهجيرا .


[3538]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 241.