الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ} (2)

{ الم * أَحَسِبَ } أظن وأصله من الحساب { النَّاسُ } يعني الذين جزعوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين { أَن يُتْرَكُواْ } بغير اختبار ولا ابتلاء بأن قالوا : { آمَنَّا } كلا لنختبرنهم لنتبين الصادق من الكاذب ، ( إن ) الأولى منصوبة ب { أَحَسِبَت } والثانية خفض بنزع الخافض ، أي لأن يقولوا ، والعرب لا تقول : تركت فلاناً أن يذهب ، إنّما تقول : تركته يذهب ، معه جوابان : أحدهما يشتركوا لأن يقولوا ، والثاني : على التكرير تقديره : { أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ } أحسبوا { أَن يَقُولُواْ آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } لا يبتلون ليظهر المخلص من المنافق ، وقيل : { يُفْتَنُونَ } يصابون بشدائد الدنيا ، يعني : أنّ البلاء لا يدفع عنهم في الدنيا لقولهم : { آمَنَّا } .

واختلفوا في سبب نزول هذه الآية ، فقال ابن جريج وابن عمير : نزلت في عمار بن ياسر إذ كان يعذّب في الله .

وقال الشعبي : نزلت هاتان الآيتان في أناس كانوا بمكة قد أقروا بالإسلام ، فكتب إليهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إنّه لا يقبل منكم إقرار بإسلام حتى تهاجروا ، فخرجوا عائدين إلى المدينة ، فاتبعهم المشركون فردوهم ، فنزلت فيهم هذه الآية ، فكتبوا إليهم إنّه قد نزلت فيكم آية كذا وكذا ، فقالوا : نخرج ، فإن اتبعنا أحد قاتلناه . فخرجوا ، فاتبعهم المشركون ، فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ومنهم من نجا ، فأنزل الله سبحانه فيهم هاتين الآيتين ، وقال مقاتل : نزلت في مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل يوم بدر رماه عامر بن الحضرمي بسهم فقتله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " يومئذ سيد الشهداء مهجع وهو أول من يدعى إلى باب الجنة من هذه الأمة " ، فجزع عليه أبواه وامرأته ، فأنزل الله سبحانه فيهم هذه الآية وأخبر أنّه لابد لهم من البلاء والمشقة في ذات الله تعالى ، وقيل : { وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } بالأوامر والنواهي .