الغُنم والمغنم والغنيمة : ما يناله الإنسان في الحرب من أموال الأعداء . يوم الفرقان : يوم بدر .
اعلموا أيها المؤمنون ، أن حُكم كل ما غنمتموه من الأعداء المحاربين أن يُقسم خمسة أخماس : خمس منها لله وللرسول ولقرابته ، واليتامى ، وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم وهم فقراء ، والمساكين ، وهم ذوو الحاجة من المسلمين ، وابن السبيل ، وهم المنقطع في سفره . ويُنفق من هذا المخصص لله وللرسول في المصالح العامة التي يقررها الرسول في حياته ، ويقرّرها الإمامُ بعد وفاته ، وباقي الخمس يصرف للمذكورين آنفا . وأما الأخماس الأربعة الباقية من الغنيمة ، فهي للمقاتلين .
وقرابة النبي عليه الصلاة والسلام هم بنو هاشم وبنو المطّلب ، دون بني عبد شمس ونوفل .
روى البخاري عن مطعم بن جبير ( من بني نوفل ) قال : مشيت أنا وعثمان بن عفان ( من بني عبد شمس ) إلى الرسول فقلنا : يا رسول الله ، أعطيتَ بني المطّلب وتركتَنا ، ونحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال الرسول الكريم : ( إنما بنو المطّلب وبنو هاشم واحِد ) .
والسر في هذا أن قريشاً لما حصَرت بني هاشم في الشِعب وقاطعتهم دخَلَ معهم فيه بنو المطلب ، ولم يدخل بنو عبد شمس ولا بنو نوفل .
والحكمة في تقسيم الخُمس على هذا النحو ، أن الدولة التي تدير سياسة الأمة لا بدَّ لها من المال لتستعين به على القيام بالمصالح العامة ، كشعائر الدين والدفاع عن الأمة ، وهو ما جُعل لِلّه في هذه الآية ، ثم إن هناك نفقة رئيس حكومتها وهو سهمُ الرسول فيها ، ثم لِذوي القربى وذوي الحاجات من ضعفاء الأمة .
ولا يزال هذا الاعتبار معمولاً به في كثير من الدول مع اختلاف شؤون المجتمع والمصالح العامة ، فالمالُ الذي رُصد للمصالح العامة يدخل في موازنة الوزارات المختلفة ما بين مصروفات علنية وسرّية ، ولا سيما الأمور الحربية . وكذلك راتبُ رأس الدولة من ملكٍ أو رئيس جمهورية ، منه ما هو خاصٌ بشخصه ، ومنه ما هو لأُسرته وعياله . ومن موازنة الدولة ما يُبذل لإعانة الجمعيات الخيرية والعِلمية غيرها .
وعند الشيعة تفسيرٌ للغنيمة أعمُّ مما عند السنّة ، كما أنهم اختلفوا عنهم في تقسيم الخمس ، فقالوا : يُقسم الخُمس إلى قسمين : الأول منها ثلاثة أسهم : سهمٌ لله ، وسهم لرسوله ، وسهم لذوي قرباه . وما كان لله فهو للرسول ، وما كان للرسول فهو لقرابته ، ووليُّ القرابة بعد النبي هو الإمام المعصوم القائم مقام النبي ، فإن وُجد أعطي له ، وإلا وجَب إنفاقه في المصالح الدينية ، وأهمُّها الدعوةُ إلى الإسلام ، والعملُ على نشره وإعزازه .
أما القسم الثاني فهو ثلاثة أسهم : سهم لأيتام آل محمد ، وسهم لمساكينهم ، وسهم لأبناء السبيل منهم خاصة ، لا يشاركهم فيه أحد ، لأن الله حرّم عليهم الصَدقات فعوّضهم عنها بالخمس .
فاعلموا ذلك أيها المسلمون ، واعملوا به إن كنتم آمنتم بالله حقا ، وآمنتم بما أَنزلْنا على عبدنا محمد يوم الفرقان من آيات التثبيت والمدد ، وهو اليوم الذي التقى فيه جمعكم وجمع الكافرين ببدر .
{ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ومن عظيم قدرته أن نصَركم على قلتكم وضعفكم ، وخذل الكافرين مع كثرتهم .
يقول تعالى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ ْ } أي : أخذتم من مال الكفار قهرا بحق ، قليلا كان أو كثيرا . { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ ْ } أي : وباقيه لكم أيها الغانمون ، لأنه أضاف الغنيمة إليهم ، وأخرج منها خمسها . فدل على أن الباقي لهم ، يقسم على ما قسمه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : للراجل سهم ، وللفارس سهمان لفرسه ، وسهم له .
وأما هذا الخمس ، فيقسم خمسة أسهم ، سهم للّه ولرسوله ، يصرف في مصالح المسلمين العامة ، من غير تعيين لمصلحة ، لأن اللّه جعله له ولرسوله ، واللّه ورسوله غنيان عنه ، فعلم أنه لعباد اللّه . فإذا لم يعين اللّه له مصرفا ، دل على أن مصرفه للمصالح العامة .
والخمس الثاني : لذي القربى ، وهم قرابة النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب . وأضافه اللّه إلى القرابة دليلا على أن العلة فيه مجرد القرابة ، فيستوي فيه غنيهم وفقيرهم ، ذكرهم وأنثاهم .
والخمس الثالث لليتامى ، وهم الذين فقدت آباؤهم وهم صغار ، جعل اللّه لهم خمس الخمس رحمة بهم ، حيث كانوا عاجزين عن القيام بمصالحهم ، وقد فقد من يقوم بمصالحهم .
والخمس الرابع للمساكين ، أي : المحتاجين الفقراء من صغار وكبار ، ذكور وإناث .
والخمس الخامس لابن السبيل ، وهو الغريب{[345]} المنقطع به في غير بلده ، [ وبعض المفسرين يقول إن خمس الغنيمة لا يخرج عن هذه الأصناف ولا يلزم أن يكونوا فيه على السواء بل ذلك تبع للمصلحة وهذا هو الأولى ]{[346]} وجعل اللّه أداء الخمس على وجهه شرطا للإيمان فقال : { إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ ْ } وهو يوم { بدر ْ } الذي فرق اللّه به بين الحق والباطل . وأظهر الحق وأبطل الباطل .
{ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ْ } جمع المسلمين ، وجمع الكافرين ، أي : إن كان إيمانكم باللّه ، وبالحق الذي أنزله اللّه على رسوله يوم الفرقان ، الذي حصل فيه من الآيات والبراهين ، ما دل على أن ما جاء به هو الحق . { وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ْ } لا يغالبه أحد إلا غلبه .
ولما كان التقدير : فإذا أعانكم مولاكم عليهم وغلبتموهم وغنمتم فيه فلا تنسبوا إلى أنفسكم فعلاً ، بل اعلموا أنه هو الفاعل وحده لأن جميع الأفعال متلاشية بالنسبة إلى فعله فلا تتنازعوا في المغنم تنازع من أخذه بقوته وحازه بقدرته ، عطف عليه قوله : { واعلموا } ابتداء بهذا الأمر إشارة إلى أن ما بعدها من المهمات ليبذلوا الجهد في تفريغ أذهانهم لوعيه وتنزيله منازله ورعيه { أنَّما } أي الذي { غنمتم } و{[34997]} الغنيمة لغة : الفوز بالشيء ، وشرعاً ما دخل في أيدي الملسمين من مال الكفار قهراً بالخيل والركاب ، وزاد في التعميم حتى لأقل ما يمكن بقوله : { من شيء } أي حتى الخيط والمخيط فإنه كله له ، لأنه الناصر وحده وإنما أنتم آلة لا قدرة{[34998]} لكم على مقاومة الأعداء لأنهم جميع أهل الأرض ولا نسبة لكم منهم في عدد ولا قوة أصلاً ، فالجاري على منهاج العدل المتعارف عندكم أن يأخذه كله ولا يمكنكم من شيء منه كما كان فيمن قبلكم ، يعزل فتنزل نار من السماء فتأكله ، ولكنه سبحانه -{[34999]} علم ضعفكم فمنّ عليكم به ورضي منكم منه بالخمس فسماه لنفسه ورده عليكم ، وهو معنى قوله : { فأن لله } أي الذي له كل شيء { خمسه } .
ولما كان من المعلوم أن الله تعالى أجلّ{[35000]} من أن يناله نفع أو ضر ، كان من المعلوم أن ذكر اسمه سبحانه إنما هو للإعلام بأن إسلام هذا الخمس والتخلي عنه لا حظ للنفس فيه ، وإنما هو لمحض الدين تقرباً إليه سبحانه ، فذكر مصرفه بقوله : { وللرسول } أي يصرف إليه خمس هذا الخمس ما دام حياً ليصرفه في مصالح المسلمين ، ويصرف بعده إلى القائم مقامه ، يفعل فيه ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله { ولذي القربى } أي من الرسول ، وهم الآل الذين تحرم عليهم الزكاة : بنو هاشم وبنو المطلب { واليتامى } أي لضعفهم { والمساكين } لعجزهم { وابن السبيل } أي المسافر لأن الأسفار مظنات الافتقار ، فالحاصل أنه سبحانه لم يرزأكم من المغنم شيئاً ، فاعرفوا فضله عليكم أولاً بالإنعام بالنصر ، وثانياً بحل المغنم ، وثالثاً بالإمكان من الأربعة الأخماس ، ورابعاً برد الخمس{[35001]} الخامس فيكم ، فاشتغلوا بشكره فضلاً عن أن تغفلوا عن ذلك فضلاً عن أن تتوهموا أن بكم فعلاً تستحقون به شيئاً فضلاً عن أن تفعلوا من المنازعة في المغنم فعل{[35002]} القاطع بالاستحقاق ، اعلموا ذلك كله علم المصدق المؤمن المذعن لما علم لتنشأ عنه ثمرة العمل { إن كنتم } صادقين في أنكم { آمنتم بالله } أي الذي لا أمر لأحد معه { وما } أي وبالذي { أنزلنا } أي إنزالاً واحداً{[35003]} سريعاً لأجل التفريج عنكم من القرآن والجنود والسكينة في قلوبكم وغير ذلك مما تقدم وصفه { على عبدنا } أي الذي يرى دائماً{[35004]} أن الأفعال كلها لنا فلا ينسب لنفسه شيئاً إلا بنا { يوم الفرقان } أي يوم بدر الذي جعلنا لكم فيه عزاً ينفذ{[35005]} به أقوالكم وأفعالكم في فصل الأمور .
ولما وصفه سبحانه بالفرقان تذكيراً لهم بالنعمة ، بينه بما صور حالهم إتماماً لذلك - أو أبدل منه - فقال : { يوم التقى } أي عن غير{[35006]} قصد من الفريقين بل بمحض تدبير الله { الجمعان } أي اللذان أحدهما أنتم وكنتم حين الترائي - لولا فضلنا - قاطعين بالموت ، وثانيهما أعداؤكم وكانوا على اليقين بأنكم في قبضتهم ، وذلك هو الجاري على مناهج{[35007]} العوائد ، ولو قيل : يوم بدر ، لم يفد هذه الفوائد .
ولما كان انعكاس الأمر في النصر محل عجب ، ختم الآية بقوله : { والله على كل شيء } أي من نصر القليل على الكثير وعكسه وغير ذلك من جميع الأمور { قدير* } فكان ختمها بذلك كاشفاً للسر ومزيلاً للعجب ومبيناً أن ما فعل هو الجاري على سنن سنته المطرد في قديم عادته عند من يعلم أيامه الماضية في جميع الأعصر الخالية .