يخصفان : يلزقان ورقة فوق ورقة .
فما زال يخدعهما بالترغيب في الأكل حتى أطاعاه ، فلمّا ذاقا طعمها انكشفت لهما عوراتُهما ، فخجِلا وجعلا يجمعان بعض أوراق الشجر من الجنة ليستُروا بها عوارتهما .
فعاتبه الله تعالى على عصيانه أمره ، وإطاعتِه للشيطان فقال :
{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ } .
وناداهما ربهما منّبهاً لهما على خطئهما ، ومعاتباً لهما قائلاً : ما نَهَيتُكما عن أن تقربا هذه الشجرة وقلتُ لكما إن الشيطان لا يريد لكما الخير فإن أطعتُماه أخرجكما من الجنة إلى حيث الشقاء والتعب !
{ فَدَلَّاهُمَا } أي : نزَّلهما عن رتبتهما العالية ، التي هي البعد عن الذنوب والمعاصي إلى التلوث بأوضارها ، فأقدما على أكلها .
{ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا } أي : ظهرت عورة كل منهما بعد ما كانت مستورة ، فصار للعري الباطن من التقوى في هذه الحال أثر في اللباس الظاهر ، حتى انخلع فظهرت عوراتهما ، ولما ظهرت عوراتهما خَجِلا وجَعَلا يخصفان على عوراتهما من أوراق شجر الجنة ، ليستترا بذلك .
{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } وهما بتلك الحال موبخا ومعاتبا : { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ } فلم اقترفتما المنهي ، وأطعتما عدوَّكُما ؟
ثم حكى القرآن كيف نجح إبليس في خداع آدم وحواء فقال : { فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ } . أى : فأنزلهما عن رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية ، وأطمعهما في غير مطمع بسبب ما غرهما به من القسم .
ودلاهما مأخوذ من التدلي ، وأصله أن الرجل العطشان يدلى في البئر بدلون ليشرب من مائها ، فإذا ما أخرج الدلو لم يجد به ماء ، فيكون مدليا فيها بغرور . والغرور إظهار النصح مع إضمار الغش ، وأصله من غررت فلانا أى أصبت غرته وغفلته ونلت منه ما أريد .
ثم بين القرآن الآثار التي ترتبت على هذه الخديعة من إبليس لهما فقال : { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } .
أى : فلما خالفا أمر الله - تعالى - بأن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عن الأكل منها ، أخذتهما العقوبة وشؤم المعصية ، فتساقط عنهما لباسهما ، وظهرت لهما عوراتهما .
وشرعا يلزقان من ورق الجنة ورقة فوق أخرى على عوراتهما لسترها .
ويخصفان : مأخوذ من الخصف ، وهو خرز طاقات النعل ونحوه بإلصاق بعضها ببعض ، وفعله من باب ضرب .
قال بعض العلماء : " ولعل المعنى - والله أعلم - أنهما لما ذاقا الشجرة وقد نهيا عن الأكل منها ظهر لهما أنهما قد زلا ، وخلعا ثوب الطاعة ، وبدت منهما سوأة المعصية ، فاستحوذ عليهما الخوف والحياء من ربهما ، فأخذا يفعلان ما يفعل الخائف الخجل عادة من الاستتار والاستخافء حتى لا يرى ، وذلك بخصف أوراق الجنة عليهما ليستترا بها ، وما لهما إذ ذاك حيلة سوى ذلك . فلما سمعا النداء الربانى بتقريعهما ولومهما ألهما أن يتوبا إلى الله ويستغفرا من ذنبهما بكلمات من فيض الرحمة الإلهية ، فتاب الله عليهما وهو التواب الرحيم ، وقال لهما فقط أولهما ولذرتيهما ، أو لهما ولإبليس : اهبطوا من الجنة إلى الأرض ، لينفذ ما أراد الله من استخلاف آدم وذريته في الأرض ، وعمارة الدنيا بهم إلى الأجل المسمى . ومنازعة عدوهم لهم فيها ، { إِنَّ الله بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ الله لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً } ثم بين القرآن ما قاله الله - تعالى - لهما بعد أن خالفا أمره . فقال : { وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَآ } بطريق العتاب والتوبيخ { أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشجرة } . أى عن الأكل منها { وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ الشيطآن لَكُمَا عَدُوٌ مُّبِينٌ } أى : ظاهر العداوة لا يفتر عن إيذائكما وإيقاع الشر بكما .
قوله تعالى : { فدلاهما بغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين 22 قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين 23 قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين } دلاهما من الفعل دلى الدلو في البئر . ودلاه بغرور ؛ أي أوقعه فيما أردا من تغريره{[1357]} . والمراد أنه أنزلهما عن درجة الطاعة إلى درجة المعصية . وقيل : دلاهما ، من الدالة ، وهي الجرأة ، أي جرأهما على المعصية . والمقصود : أن إبليس خدع آدم وزوجه بغرور ؛ إذ كلمهما بزخرف من القول المموه الخادع ليحملهما على الأكل من الشجرة فأكلا منها . وهو قوله : { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواتهما } أي أنهما أكلا منها شيئا يسيرا لمعرفة الطعم . فما إن ذاقاها حتى انكشفت لهما عوراتهما ؛ لأن الله قد أعراهما من الكسوة التي كانت تسترهما قبل خطيئتهما فلبسهما الله ذلك بما وقع فيه من خطيئة وهي عصيان أمر الله .
قوله : { وطفقا يخطفان عليهما من ورق الجنة } طفقا يخصفان ، أي جعلا يخصفان ، من الخصف بالسكون وهو الخرز . أي جعل آدم وحواء يلصقان بعض عدو مبين } .
أي أن الله جل وعلا نادى آدم وحواء نداء عتاب وتأنيب{[1358]} : ألم أنهكما وأحذركما قربان هذه الشجرة أو الأكل منها ، وأعلمكما أن إبليس لكما عدو ، إذ أبان لكما عداوته لنا ترك السجود لآدم حسدا وبغيا ؟
ألم أبين لكما قل ذلك أن إبليس لهو العدو الأول والألد لكما ولذريتكما من بعد كما طيلة أحقاب هذه الدنيا ؟ لا جرم أن إبليس وجنوده من الجن والإنس قد علموا في التضليل والغواية ما فيه الكفاية . فقد أضلوا ذرية آدم وأفسدهم أيما إفساد ، وأوردوا بهم إلى التعس والشقاء في هذه الدنيا ، وإلى الذل والهوان والخسران في الدار الآخرة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.