الهداية إلى بلوغ النهاية لمكي بن ابي طالب - مكي ابن أبي طالب  
{فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ} (22)

{ فدلهما بغرور }[ 22 ] .

أي : غرهما {[23214]} باليمين التي حلف لهما ، وكان آدم ، ( صلوات الله [ {[23215]}عليه ] ) {[23216]} ، يظن أنه لا يحلف أحد بالله كاذبا ، فغره ذلك {[23217]} .

قال ابن عباس : كانت الشجرة التي نهيا {[23218]} عن أكلها ، السنبلة ، فلما أكلا بدت {[23219]} سوآتهما {[23220]} ، أي : تقلص النور الذي كان يسترهما ، فصار أظفارا في الأيدي والأرجل ، وظهرت سوآتهما لهما {[23221]} ، فعمدا يلزقان {[23222]} ورق {[23223]} التين بعضهما {[23224]} إلى بعض ، فانطلق آدم موليا في الجنة ، فأخذت برأسه شجرة من الجنة {[23225]} ، فناداه الله : أي آدم أمني تفر ؟ فقال : لا ، ولكني {[23226]} استحييت منك يا رب ! فقال : أما {[23227]} كان لك فيما منحتك من الجنة مندوحة عما حرمت عليك ؟ قال : بلى يا رب ، ولكن وعزتك ما حسبت أن أحدا يحلف {[23228]} بك كاذبا {[23229]} .

قال ابن جبير {[23230]} : حلف لهما بالله حتى خدعهما ، وقد يخدع المؤمن بالله {[23231]} .

ومعنى " وسوس " : زين وألقى ، وحسس المعصية حتى أكلا {[23232]} .

وقد تقدم ذكر دخول إبليس الجنة في فم الحية ، وكانت إذ ذاك دابة لها أربع قوائم ، كأنها البعير كاسية ، فأعراها الله ، وأزال قوائمها عقوبة لها {[23233]} .

و " اللام " في { ليبدي {[23234]} } : لام العاقبة {[23235]} ، بمنزلة : { فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا } {[23236]} .

ولما حملها على الأكل تقدمت حواء للأكل {[23237]} ، وأبى آدم أن يأكل ، فأكلت حواء ، وقالت : يا آدم كل فإنه لم يضرني فأكل ، ف : { بدت لهما سوءاتهما {[23238]} وطفقا {[23239]} يخصفان عليهما من ورق الجنة } .

قال مجاهد : يعني : يرقعانه {[23240]} كهيئة الثوب {[23241]} .

ومعنى ( طفقا ) : جعلا {[23242]} .

وأتت الأخبار عن النبي عليه السلام : أن الله تعالى خلق آدم يوم الجمعة ، ويوم الجمعة خرج من الجنة ، وفيه تيب عليه ، وفيه قبضه {[23243]} .

وكان مقدار مكث آدم في الجنة خمس / ساعات {[23244]} .

وقيل : ثلاث ساعات .

وقال ابن عباس : كان مكث آدم نصف يوم من أيام الآخرة ، وخرج بين الصلاتين : الظهر والعصر {[23245]} .

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أطيب أرض بالأرض ريحا {[23246]} الهند ، هبط بها آدم ، فعلق {[23247]} شجرها من ريح الجنة {[23248]} .

وقال ابن زيد {[23249]} : أهبط آدم بالهند ، وحواء بجدة {[23250]} ، فجاء في طلبها حتى أتى " جمعا " {[23251]} فازدلفت {[23252]} إليه حواء ، فلذلك سميت " المزدلفة " ، وتعارفا بعرفات ، فلذلك سميت " عرفات " ، واجتمعا بجمع ، فلذلك سميت {[23253]} " جمعا " .

وأهبطت الحية بأصبهان {[23254]} ، وإبليس بميسان {[23255]} .

وقيل بساحل بحر الأبُلَّة {[23256]} .

ولما أهبط آدم إلى الأرض ، أهبط على {[23257]} جبل يسمى : " بوذ " وكان {[23258]} أطول جبال الأرض ، فكان آدم عليه السلام ، رجلاه على الجبل ورأسه في السماء ، فكان يسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم {[23259]} ، وكان ( آدم ) {[23260]} يأنس لذلك {[23261]} ، فهابته الملائكة ، فخفضه الله إلى الأرض إلى ستين ذراعا فاستوحش ، فشكا إلى الله في دعائه ، فوجه إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من الجنة ، فكانت في موضع البيت فلم يزل يطاف بها {[23262]} حتى نزل الطوفان ، فرفعت حتى بعث الله إبراهيم ، فبناه .

وكان أصل الطيب {[23263]} عند جماعة من أهل التفسير : الورق {[23264]} الذي طفق آدم وحواء يخصفانه على أنفسهما نزلا به إلى الدنيا {[23265]} .

وقيل : إنه خرج ومعه صرة من حنطة .

وقيل : إن جبريل أتاه بها حين استطعم ، أتاه بسبع حبات فوضعها في يد آدم ، فقال آدم : وما هذا ؟ فقال له جبريل : هذا الذي أخرجك من الجنة ، فعلمه ما يصنع به {[23266]} .

قال سعيد بن جبير : أهبط إلى آدم ثور أحمر ، ( فكان ) {[23267]} يحرث عليه ، ويمسح العرق {[23268]} ، وهو قوله : { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } {[23269]} .

ومعنى { فدلهما بغرور } ، ( أي ) {[23270]} : خدعهما {[23271]} .

واللام في ( قوله ) {[23272]} : { ليبدي } هي مثل اللام {[23273]} في : { ليكون لهم عدوا وحزنا } ؛ لأن إبليس لم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة { [ بدت لهما {[23274]} ] سوءاتهما } إنما حملهما على ركوب المعصية لا غير . فكان عاقبة أمرهما {[23275]} لما أكلا {[23276]} ظهور سوءاتهما فجاز أن يقول : فوسوس لهما ليبدي لهما لما {[23277]} آل أمرهما إلى ظهور سواءتهما ، كان كأنه فعل ذلك بهما لتظهر سوءاتهما {[23278]} .


[23214]:في الأصل: أي: اعوهما وهو تحريف، وصوابه من ج، وزاد المسير 3/180، وتفسير القرطبي 7/116، والتسهيل 2/30.
[23215]:زيادة يقتضيها السياق.
[23216]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23217]:هذا التفسير منسوب إلى ابن عباس في زاد المسير 3/180، وتفسير القرطبي 7/116، وورد غير منسوب في التسهيل 2/30.
[23218]:في الأصل: نهنا، وهو تحريف.
[23219]:في الأصل: بدات، وهو تحريف.
[23220]:في الأصل: سووءاتهما. انظر ما سلف قريبا.
[23221]:في ج، وظهرت لهما سوأتهما.
[23222]:لزق به، كسمع، لزوقا، والتزق به: لصق. القاموس/لزق.
[23223]:في الأصل: وورق، وهو تحريف.
[23224]:في ج: بعضا.
[23225]:في الأصل: من في الجنة، ولا وجه له.
[23226]:في ج: ولكن.
[23227]:في الأصل: ما كان، وهو تحريف، وصوابه من ج، وجامع البيان 12/353.
[23228]:في الأصل: يخلف، وهو تصحيف.
[23229]:انظره بتمامه: في جامع البيان 12/352، 353، وتفسير ابن كثير 2/206.
[23230]:في الأصل: "ابن جبين"، وهو تحريف. وهو سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، أبو عبد الله، الكوفي ثقة ثبت فقيه، روى له الستة. استشهد سنة 95هـ. انظر معرفة القراء الكبار 1/68، وتقريب التهذيب 174، وطبقات الداوودي 1/188.
[23231]:هذا الأثر منسوب إلى قتادة في جامع البيان 12/351، وتفسير ابن حاتم 5/451، وتفسير الرازي 7/52، وتفسير القرطبي 7/116، وتفسير الخازن 2/78، والدر المنثور 3/431. ولم أقف على من نسبه إلى ابن جبير فيما تيسر لي من مصادر.
[23232]:هنا إيجاز يوضح بما في جامع البيان 12/346.
[23233]:انظر: الأثر بتمامه معزوا إلى وهب بن منبه في تفسير سورتي الفاتحة والبقرة. وهو من الإسرائيليات التي ينبغي أن تصان منها كتب التفسير. قال الرازي في تفسيره 7/49: "... والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية، ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة". وقال ابن كثير 1/80: ".....وقد ذكر المفسرون من السلف كالسدي بأسانيده، وأبي العالية، ووهب بن منبه، وغيرهم، هاهنا أخبارا إسرائيلية عن قصة الحية وإبليس وكيف جرى من دخول إبليس إلى الجنة ووسوسته....". انظر: الإسرائيليات والموضوعات في كتب التفسير 178، 179.
[23234]:في ج: (ليبدي لهما).
[23235]:قال الرازي في تفسيره 7/49 "...وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عورتهما، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط". والكوفيون يسمون هذه اللام: لام الصيرورة، ويسميها البصريون: لام العاقبة، وتسمى: لام المآل أيضا. وهي الدالة على أن ما بعدها نتيجة غير مقصودة لما بعدها. انظر: كتاب اللامات للزجاجي 119، والبيان في غريب القرآن 1/228، ومغني اللبيب 282، واللامات لعبد الهادي الفضيلي 96. قال ابن عطية في محرره 2/84: "ويمكن أن تكون لام كي على بابها بحسب قصد إبليس إلى حط مرتبتها...".
[23236]:القصص: 7. قال أبو القاسم الزجاجي في اللامات 119: "وهم لم يلتقطوه لذلك، إنما التقطوه ليكون لهما فرحا وسرورا، فلما كان عاقبة أمره إلى أن صار لهم عدوا وحزنا، جاز أن يقال ذلك، فدلت اللام على عاقبة الأمر، والعرب قد تسمي الشيء عاقبته..".
[23237]:للأكل: لحق في ج.
[23238]:انظر: ما مضى في كيفية رسمها في الأصل.
[23239]:في الأصل: فطفقا، وهو تحريف ناسخ.
[23240]:في الأصل: يرفعانه، وهو تصحيف.
[23241]:تفسير مجاهد 334، وتفسير هود بن محكم الهواري 2/11، وجامع البيان 12/353، والدر المنثور 3/432، وفتح القدير 2/226.
[23242]:العمدة في غريب القرآن 133. وانظر: تفسير المشكل 170، وتفسير غريب ابن قتيبة 166 جامع البيان 12/352، المحرر الوجيز 2/386.
[23243]:أخرجه مالك 1/100 بأطول من هذا، عن أبي هريرة، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته 1/629 رقم 3334، وبقية مصادر تخريجه هناك.
[23244]:انظر: زاد المسير 1/69، وتفسير ابن كثير 1/80.
[23245]:هذا جزء من أثر طويل أخرجه ابن سعد عن ابن عباس، وتمامه في الدر المنثور 1/139،140. وانظر: تفسير ابن كثير 1/80.
[23246]:في ج: رائحة.
[23247]:علق به، بالكسر، علوقا، أي: تعلق. المختار/علق.
[23248]:الدر المنثور 1/135.
[23249]:عبد الرحمن بن زيد: مترجم في: تقريب التهذيب، وطبقات الداوودي-انظر: ص64.
[23250]:جدة: بضم أولها، ساحل مكة. معجم ما استعجم 2/371.
[23251]:جمع: بفتح أوله، وإسكان ثانيه: اسم للمزدلفة، سميت بذلك للجمع بين صلاتي المغرب والعشاء فيها. معجم ما استعجم 2/392.
[23252]:في ج: فأزلفت. وزلف إليه، وازدلف وتزلف: دنا منه اللسان/زلف.
[23253]:في ج: سمي.
[23254]:أصبهان: بفتح الهمزة وكسرها، والفتح أكثر، وهي مدينة مشهورة بفارس. معجم البلدان 2/206.
[23255]:في الأصل: بمسيار، وهو تحريف. وميسان بفتح أوله، وبالسين المهملة، موضع من أرض البصرة، معجم ما استعجم 4/1283.
[23256]:الأبلة: بضم أوله وثانيه وتشديد اللام، وهي بلدة على شاطئ دجلة البصرة. انظر: معجم البلدان 1/76، 77.
[23257]:في ج: إلى.
[23258]:في الأصل: بزد، وهو تحريف، صوابه عند السهيلي في التعريف والإعلام فيما أبهم في القرآن من الأسماء الأعلام 58، والبلنسي في تفسير مبهمات القرآن 1/133. وفي ج: بور، فوقها صاد صغيرة، وفي الهامش: بوذ بفتح الواو. وفي معجم البلدان 5/310: نوذ، بالفتح ثم السكون، وذال معجمة: جبل بسرنديب عنده مهبط آدم، عليه السلام...".
[23259]:في الأصل: دعاهم، وهو تحريف.
[23260]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23261]:في ج: يأنس بذلك. وأنست به، واستأنست به، وأنست إليه واستأنست إليه. أساس البلاغة / أنس. وهو من باب "علم"، وفي لغة من باب "ضرب"، المصباح / أنس.
[23262]:في الأصل: يطاف به، وأثبت ما في ج.
[23263]:في الأصل: للطيب، وهو تحريف.
[23264]:في الأصل: الورد، وهو تحريف.
[23265]:انظر: تفسير ابن كثير 1/80.
[23266]:الآثار السالف ذكرها في شأن تحديد أماكن هبوط آدم وحواء والحية وإبليس، بأسانيد تثبت، قال ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره 2/206، 207: "وقد ذكر المفسرون الأماكن التي هبط فيها كل منهم، ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة تعود على المكلفين في أمر دينهم أو دنياهم لذكرها الله تعالى في كتابه، أو رسوله صلى الله عليه وسلم".
[23267]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23268]:تفسير البغوي 5/298، وزاد المسير 5/328، وتفسير القرطبي 6/168.
[23269]:طه: آية 114.
[23270]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23271]:جامع البيان 12/51، وزاد: "يقال منه: "ما زال فلان يدلي فلانا بغرور"، بمعنى: مازال يخدعه بغرور، ويكلمه بزخرف من القول باطل"، وتفسير البغوي 3/20، وتفسير الخازن 2/78.
[23272]:ما بين الهلالين ساقط من ج.
[23273]:لام العاقبة، انظر: ما سلف قريبا.
[23274]:من ج.
[23275]:في ج: فكان عاقبتهما أنهما.
[23276]:"لما أكلا" غير واضحة في ج.
[23277]:كذا في الأصل. وفي ج: عبثت بها الأرضة. ولم أستطع قراءتها قراءة يسلم بها الكلام من الاضطراب.
[23278]:قال الزجاج في معاني القرآن وإعرابه 2/327، 328: "وفي هذه الآية دليل على أن أمر التكشف، وإظهار السوءة قبيح من لدن آدم، ألا ترى أنه ذكر عظم شأنها في المعصية فقال: {فوسوس لما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما}، وأنهما بادرا يستتران لقبح التكشف". وأورد كلام الزجاج أعلاه، بعض المفسرين دون ذكر مصدره، فمنهم من نقله بنصه، ومنهم من تصرف فيه. انظر: الكشاف 2/91، وزاد المسير 3/180، وتفسير الرازي 7/50، وتفسير القرطبي 7/117.