تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

بكل صراط : بكل طريق توعِدون : تخوفون وتهددون .

تصدون : تمنعون .

لا تعترضوا كل طريقٍ من طرق الحق والهداية ، تهدّدون سالكه ، وتمنعون طالبي الخير من الوصول .

{ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً } تريدون سلوك الطريق المعوَجّ . تذكَّروا إذ كنتم قليلا فكثّركم الله بما بارك في نَسِلكم ، واشكُروا له ذلك بعبادته وحدَه ، واعتبِروا بعاقبة المفسِدين قبلكم ، وإلا أصابكم مثلُ ما أصابهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

ثم انتقل شعيب إلى نهيهم عن رذائل أخرى كانوا متلبسين بها فقال : { وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ } توعدون : من التوعد بمعنى التخويف والتهديد . أى : ولا تقعدوا بكل طريق من الطرق المسلوكة تهددون من آمن بى بالقتل ، وتخيفونه بأنواع الأذى ، وتلصقون بى وأنا نبيكم التهم التي أنا برىء منها ، بأن تقولوا لمن يريد الإيمان برسالتى : إن شعيبا كذاب وإنه يريد أن يفتنكم عن دينكم .

وقوله : { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجاً } أى : وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن به ، وتطلبون لطريقه العوج بإلقاء الشبه أو بوصفها بما ينقصها ، مع أنها هى الطريق المستقيم الذي هو أبعد ما يكون من شائبه الاعوجاج .

قال صاحب الكشاف : فإن قلت : صراط الحق واحد { وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ } فكيف قيل : بكل صراط ؟ قلت : صراط الحق واحد ، ولكنه يتشعب إلى معارف وحدود وأحكام كثيرة مختلفة ، فكانوا إذا رأوا أحداً يشرع في شىء منها أوعدوه وصدوه فإن قلت : إلام يرجع الضمير في { آمَنَ بِهِ } ؟ قلا : إلى كل صراط ، والتقدير : توعدون من آمن به وتصدون عنه . فوضع الظاهر الذي هو سبيل الله موضع الضمير زيادة في تقبيح أمرهم ، ودلالة على عظم ما يصدون عنه .

وقوله : توعدون . وتصدون ، وتبغون هذه الجمل أحوال ، أى : لا تقعدوا موعدين وصادين ، وباغين ، ولم يذكر الموعد به لتذهب النفس فيه كل مذهب ، ثم ذكرهم شعيب بنعم الله عليهم فقال : { واذكروا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } أى : اذكروا ذلك الزمن الذي كنتم فيه قليلى العدد فكثركم الله بأن جعلكم موفورى العدد ، وكنتم في قلة من الأموال فأفاضها الله بين أيديكم ، فمن الواجب عليكم أن تشكروه على هذه النعم ، وأن تفردوه بالعبادة والطاعة ثم اتبع هذا التذكير بالنعم بالتخويف من عواقب الافساد فقال : { وانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المفسدين } أى : انظروا نظر تأمل واعتبار كيف كانت عاقبة المفسدين من الأمم الخالية ، والقرون الماضية ، كقوم لوط وقوم صالح ، فسترون أنهم قد دمروا تدميراً بسبب إفسادهم في الأرض ، وتكذيبهم لرسلهم ( فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ وَلاَ تطيعوا أَمْرَ المسرفين ) لأن سيركم على طريقهم سيؤدى بكم إلى الدمار .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ} (86)

قوله : { ولا تقعدوا بكل صراط وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا } أي لا تجسلوا بكل طريق من طرق الناس توعدون من آمن بشعيب بالقتل . فقد كان قومه يقعدون على طريق من يقصد شعيبا ليؤمن به فيتوعدونه ويخوفونه ويحذرونه من تصديقه ويحرضونه على تكذيبه ويقولون له : إنه كذاب .

كذلك كان شأن المشركين المجرمين الذين يكرهون الحق ويحادون الله والنبيين جريا وراء أهوائهم وشهواتهم وكراسيهم ومكاناتهم . بل إن ذلك شأن المشركين المجرمين في كل زمان . وفي هذا الزمان الراهن خاصة ، إذ يتصدى الظالمون والمتربصون من أعداء الإسلام بهذا الدين بوسائل شتى من التعويق والتعطيل والصد . ولئن كانت وسائل الظالمين الغابرين بسيطة وبدائية ؛ إذ كانت تتخذ من الطابع المحسوس أسلوبا كالضرب والقتل ونحو ذلك من تعذيب الأجساد لكنهم ما كانت لهم حيلة ينفذون منها إلى قلوب المعذبين المظلومين وعقولهم أو أفكارهم . وذلك بخلاف الظالمين المتربصين في زمننا هذا فهم أقدر على محاربة الإسلام والمسلمين بمختلف الأساليب والوسائل ، فضلا عن أساليب القمع والقتل والإبادة التي كانت ديدن الظالمين السابقين ، فقد برع المشركون المعاصرون في محاربة الإسلام بوسائل أخرى مضافة لا جرم أن تكون أعظم نضوجا وأشد خبثا وخداعا ، وأفظع في التأثير والمراوغة . وفي طليعة أساليبهم هذه تشويه العقيدة والفكر بمختلف الافتراءات والأكاذيب وكل صور الخداع والتمويه والتضليل بما يزعزع قناعة المسلمين وتصورهم ، ويثير في نفوس الكثيرين منهم الشك والارتياب . وقد أوتي الظالمون من أعداد الإسلام كل القدرات المادية والإعلامية والفنية والعسكرية لمحاربة الإسلام أو تشويه وتشكيك البشرية فيه في الوقت الذي يرزح فيه المسلمون –والمفكرون والدعاة خاصة- تحت كابوس الطغيان من الحكام الظلمة الذي يسوسون المسلمين بالجوار والفساد والذين ينفرون من تعاليم الإسلام ، ويهرعون سراعا ليكونوا أتباعا لأسيادهم من الكافرين الأجانب من أوروبيين وأمريكيين .

نقول ذلك ونحن حافلون بالقناعة واليقين أنه لو حيل بين الإسلام والبشرية فأتيح للمفكرين من دعاة الإسلام لنشر هذا الدين والحديث عن عقيدته وعن تعاليمه في حرية بعيدا عن الخوف والفتنة والمكر ، ليشاع الإسلام في كل بقاع الدنيا ولكان الناس قد أقبلوا على هذا الدين إقبالا يحفزهم إليه الود والرغبة ، ولسقطت كل مزاعم الظالمين وأقاويلهم عن الإسلام ، ولا ستبانت للناس أنها ترهات وأباطيل بل إنها أشبه بالفقاقيع المستخفة تطيش في الهواء ثم ما تلبث أن تذوب وتنقشع . لكن الإسلام يتلقى الضربات والتحديات والحمالات من الدس والتشكيك والتشويه الفكري من أساطين المستشرقين والاستعماريين والصليبيين والصهيونيين والماسونيين .

وذلك في غاية الحرية والتسهيلات المضمونة الكاملة ، في الوقت الذي ليس فيه للإسلام دولة ولا سلطان يدرأ عنه العوداي ، ويدفع عنه تطول الخبثاء والسفهاء والشياطين ، من أولي الأقلاع الموغلة في الدس والكيد والافتراء على الإسلام .

قوله : { وتبغونها عوجا } أي تبغون أن تكون سبيل الله معوجة غير مستقيمة . وذلك بإلقاء الشبهات حول الإسلام أو وصفه للناس بأنه معوج أو غير صالح ، لينفر منه الناس أو يزهدوا فيه . وهذا هو ديدن الظالمين المجرمين على اختلاف أجناسهم وأوطانهم وأزمانهم ؛ فهم جميعا يبتغون للإسلام أن يكون على حقيقته وطبيعته من ثبات العقيدة وكمال التشريع وتمام الفضيلة والاستقامة . لا يردون للإسلام أن يكون مميزا بما يتجلي فيه من أوجه الاستقلال عن الملل والعقائد الأخرى ، وما يباعد بينه وبين التبعية لغيره من النظم والفلسفات الضالة . بل يريدون للإسلام أن يكون مشوها مضطربا ضعيفا ، وقد انتزعت منه كل ظواهر القوة والاستقامة والشمولية والاستعلاء .

قوله : { واذكروا إذ كنتم قليلا فكثركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } إذ ، في موضع نصب على الطرف . وقيل : مفعول به . وتقدير : اذكروا –على سبيل الشكر- وقت كونكم قليلا عددكم فكثركم الله وتكثيرهم يحتمل وجهين : أحدهما : تكثير عددهم بعد أن كان قليلا . وثانيهما : تكثيرهم بالغنى بعد أن كانوا فقراء . والوجه الأول أظهر ؛ فهو يدعوهم أن يشكروا نعمة ربهم عليهم ؛ إذ جعلهم أقوياء بتكثيرهم بعد أن كانوا قلة . ثم يخوفهم بما حل بمن سبقهم من الأمم كقوم نوح وعاد وثمود ولوط ، أولئك الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ومجانية التوحيد فأخذهم الله بالعذاب المهين في هذه الدنيا . وما بين زلزلة وصيحة وتغريق وتدمير بالقلب والحجارة . يدعوهم أن يتفكروا فيما حل بهؤلاء الظالمين التعساء من فادح العواقب ، فضلا عما أعده الله لهم يوم القيامة من التعس والهوان حيث الجحيم والنيران . وهذا مقتضى قوله : { وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين } .