تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (44)

التوراة : الكتاب الذين أُنزل على موسى .

الذين هادوا : اليهود .

الربانيون : المنسوبون إلى الرب .

الأحبار : جمع حَبر ، وهو العالِم .

بما استحفظوا من كتاب الله : بما طُلب إليهم حفظه منه .

شهود : رقباء على الكتاب وعلى من يريد العبث به .

بعد أن ذكر سبحانه حال اليهود من تَرْكِهم حكم التوراة ، وطلبِهم من النبي أن يحكم بينهم ، ثم رفضهم الحكم لمّا خالف أهواءهم بيّن لنا سبحانه وتعالى صفة التوراة التي يرفضونها فقال :

التوراة هداية أُنزلت على موسى لبني إسرائيل ، لكنهم أعرضوا عن العمل بها ، لما عَرَض لهم من الفساد . وفي ذلك من العبرة أن الانتماء إلى الدين لا ينفع أهلَه إذا لم يقيموه ويهتدوا بهديه ، وأن إيثار اليهود أهواءهم هو الذي أعماهم عن نور القرآن والاهتداء به .

إنا أنزلنا التوراة على موسى مشتملة على الهدى والإرشاد .

وبهذا الهدى والنور خرج بنو إسرائيل من وثنية الفراعنة إلى طريق التوحيد . .

بموجب التوراة هذه كان يحكم النبيّون الذي أخلصوا في دينهم ، موسى ومن بعده من أنبياء بني إسرائيل إلى وقت عيسى عليه السلام . كذلك كان يحكم بها الربانيون والأحبار في الأزمنة التي لم يكن فيها أنبياء ، أو بإذنهم حالَ وجودهم . وكانوا شهودا رقباء على ذلك الكتاب وعلى من تحدثه نفسه العبث به .

وقبل أن ينتهي السياق من الحديث عن التوراة يتجه الحديث إلى المؤمنين عامة ، فيدعوهم إلى الحكم بكتاب الله ، ويذكّرهم أن من واجب كل من استُحفظ على كتاب الله أن يحفظه .

{ فَلاَ تَخْشَوُاْ الناس واخشون . . . } فلا تخافوا الناس في أحكامهم ، وخافوني أنا ربكم ربّ العالمين . ولا تجروا وراء طمعكم فتبدّلوا بآياتي التي أنزلتها ثمناً قليلا من متاع الدنيا كالرشوة والجاه وغيرها . إن كل من رغب عن الحكم بما أنزل الله أو أخفاه وحكَم بغيره لهو كافر ، يستر الحق ويبدي الباطل . فأين يقع حكّامنا هذه الأيام !

 
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (44)

{ إنا أنزلنا التوراة فيها هدى } بيان الحكم الذي جاؤوك يستفتونك فيه { ونور } بيان أن أمرك حق { يحكم بها النبيون } من لدن موسى إلى عيسى وهم { الذين أسلموا } أي انقادوا لحكم التوراة { للذين هادوا } تابوا من الكفر وهم بنو إسرائيل إلى زمن عيسى { والربانيون } العلماء { والأحبار } الفقهاء { بما استحفظوا } استرعوا أي بما كلفوا حفظه من كتاب الله وقيل العمل بما فيه وذلك حفظه { من كتاب الله وكانوا عليه شهداء } أنه من عند الله ثم خاطب اليهود فقال { فلا تخشوا الناس } في إظهار صفة محمد ص والرجم { واخشون } في كتمان ذلك { ولا تشتروا بآياتي } بأحكامي وفرائضي { ثمنا قليلا } يريد متاع الدنيا { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } نزلت في من غير حكم الله من اليهود وليس في أهل الاسلام منها ومن اللتين بعدها شيء

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّـٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} (44)

{ النبيون الذين أسلموا } هم الأنبياء الذين بين موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، ومعنى أسلموا هنا أخلصوا لله وهو صفة مدح أريد به التعريض باليهود لأنهم بخلاف هذه الصفة ، وليس المراد هنا الإسلام الذي هو ضد الكفر ؛ لأن الأنبياء لا يقال فيهم أسلموا على هذا المعنى ، لأنهم لم يكفروا قط ، وإنما هو كقول إبراهيم عليه السلام :{ أسلمت لرب العالمين }[ البقرة :131 ] ، وقوله تعالى :{ فقل أسلمت وجهي لله }[ آل عمران : 20 ] .

{ للذين هادوا } متعلق بيحكم أي يحكم الأنبياء بالتوراة للذين هادوا ، ويحملونهم عليها ، ويتعلق بقوله :{ فيه هدى ونور } .

{ بما استحفظوا } أي : كلفوا حفظه ، والباء هنا سببية قاله الزمخشري ، ويحتمل أن تكون بدلا من المجرور في قوله : يحكم بها .

{ فلا تخشوا الناس } وما بعده خطابا لليهود ، ويحتمل أن تكون وصية للمسلمين يراد بها التعريض باليهود ، لأن ذلك من أفعالهم .

{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } قال ابن عباس : نزلت الثلاثة : في اليهود الكافرون ، والظالمون ، والفاسقون ، وقد روي في هذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال جماعة : هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من اليهود والمسلمين وغيرهم ، إلا أن الكفر في حق المسلمين كفر معصية لا يخرجهم عن الإيمان ، وقال الشافعي : الكافرون في المسلمين ، والظالمون في اليهود ، والفاسقون في النصارى .