الأولى : قال العلماء : لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة قال : لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعللا بأنا حلفنا ألا نفعل كذا ، قال معناه ابن عباس والنخعي ومجاهد والربيع وغيرهم . قال سعيد بن جبير : ( هو الرجل يحلف ألا يبر ولا يصل ولا يصلح بين الناس ، فيقال له : بر ، فيقول : قد حلفت ) . وقال بعض المتأولين : المعنى ولا تحلفوا بالله كاذبين إذا أردتم البر والتقوى والإصلاح ، فلا يحتاج إلى تقدير " لا " بعد " أن " . وقيل : المعنى لا تستكثروا من اليمين بالله فإنه أهيب للقلوب ، ولهذا قال تعالى : " واحفظوا أيمانكم " [ المائدة : 89 ]{[2044]} . وذم من كثر اليمين فقال تعالى : " ولا تطع كل حلاف مهين " [ القلم : 10 ]{[2045]} . والعرب تمتدح بقلة الأيمان ، حتى قال قائلهم :
قليلُ الأَلاَيَا حافظ ليمينه *** وإن صدرت منه الأَلِيَّةُ بَرَّتِ
وعلى هذا " أن تبروا " معناه : أقلوا الأيمان لما فيه من البر والتقوى ، فان الإكثار يكون معه الحنث وقلة رعي لحق الله تعالى ، وهذا تأويل حسن . مالك بن أنس : بلغني أنه الحلف بالله في كل شيء . وقيل : المعنى لا تجعلوا اليمين مبتذلة في كل حق وباطل وقال الزجاج وغيره : معنى الآية أن يكون الرجل إذا طلب منه فعل خير اعتل بالله فقال : علي يمين ، وهو لم يحلف القتبي : المعنى إذا حلفتم على ألا تصلوا أرحامكم ولا تتصدقوا ولا تصلحوا ، وعلى أشباه ذلك من أبواب البر فكفروا اليمين . قلت : وهذا حسن لما بيناه ، وهو الذي يدل على سبب النزول ، على ما نبينه في المسألة بعد هذا .
الثانية : قيل : نزلت بسبب الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح حين تكلم في عائشة رضي الله عنها ، كما في حديث الإفك ، وسيأتي بيانه في " النور " {[2046]} ، عن ابن جريج . وقيل : نزلت في الصديق أيضا حين حلف ألا يأكل مع الأضياف . وقيل نزلت في عبدالله بن رواحة حين حلف ألا يكلم بشير بن النعمان وكان ختنه على أخته ، والله أعلم .
الثالثة : قوله تعالى : " عرضة لأيمانكم " أي نصبا ، عن الجوهري . وفلان عرضة ذاك ، أي{[2047]} عرضة لذلك ، أي مقرن له قوي عليه . والعرضة : الهمة . قال :
هم الأنصار عرضتها اللقاء{[2048]}
وفلان عرضة للناس : لا يزالون يقعون فيه . وجعلت فلانا عرضة لكذا أي نصبته له ، وقيل : العرضة من الشدة والقوة ، ومنه قولهم للمرأة : عرضة للنكاح ، إذا صلحت له وقويت عليه ، ولفلان عرضة : أي قوة على السفر والحرب ، قال كعب بن زهير :
من كل نَضَّاخَةِ الذِّفْرَى إذا عَرِقَت *** عُرضَتُهَا طَامِسُ الأعلام مجهول
فهذي لأيام الحروب وهذه *** للهوى وهذي عُرْضَةٌ لارتحالنا
وأَدْمَاءُ مثل الفحل يوماً عرضتُها *** لرحلي وفيها هِزَّةٌ وتقاذُفُ
والمعنى : لا تجعلوا اليمين بالله قوة لأنفسكم ، وعدة في الامتناع من البر .
الرابعة : قوله تعالى : " أن تبروا وتتقوا " مبتدأ وخبره محذوف ، أي البر والتقوى والإصلاح أولى وأمثل ، مثل " طاعة وقول معروف " [ محمد : 21 ] عن الزجاج والنحاس . وقيل : محله النصب ، أي لا تمنعكم اليمين بالله عز وجل البر والتقوى والإصلاح ، عن الزجاج أيضا . وقيل : مفعول من أجله . وقيل : معناه ألا تبروا ، فحذف " لا " ، كقوله تعالى : " يبين الله لكم أن تضلوا " [ النساء : 176 ] أي لئلا تضلوا ، قاله الطبري والنحاس . ووجه رابع من وجوه النصب : كراهة أن تبروا ، ثم حذفت ، ذكره النحاس والمهدوي . وقيل : هو في موضع خفض على قول الخليل والكسائي ، التقدير : في أن تبروا ، فأضمرت " في " وخفضت بها . و " سميع " أي لأقوال العباد . " عليم " بنياتهم .
قوله تعالى : ( ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم )
قيل إن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق إذ حلف ألا يأكل مع الأضياف . والمعنى : لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من عمل البر والطاعة والإصلاح بين الناس ، بل عليكم أن تكفّروا عن أيمانكم ثم تفعلوا الخير من بر وطاعة وإصلاح . فإنه خير للمؤمن أن يكفّر عن يمينه ، ثم يفعل الخير بدلا من امتناعه عن فعل الخير ؛ لأنه حلف ألا يأتيه . وفي هذا روى الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله ( ص ) قال : " إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " أي آتي العمل الذي حلفت ألا آتيه ، ثم أقوم بالتكفير تحلّة لما حلفت من يمين .
وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ( ص ) قال : " من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليكفر عن يمينه ، وليفعل الذي هو خير " . وروى أبو دود عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ( ص ) قال : " لا نذر ولا يمين فيما لا يملك ابن آدم ، ولا في معصية الله ولا في قطيعة رحم ، ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها ، فليدعها وليأت الذي هو خير ، فإن تركها كفارتها " .
وقوله في الآية : ( عرضة ) أي نصبا . نقول : فلان عرضة للناس ، أي نصبا لهم : بمعنى أنه معترض لهم فلا يزالون يقعون فيه . جعلت فلانا عرضة لكذا أي جعلته نصبا له أو نصبته له . وقوله في الآية : ( أن تبروا وتتقوا وتصلحوا . . . ) أي كيلا تفعلوا البر والطاعة والإصلاح كصلة الرحم وغيرها . وعلى هذا فالمقصود هو ألا تجعلوا الله نصبا لأيمانكم بأن تكثروا من الحلف باسمه ؛ لئلا ( تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس ) أو لا تجعلوا أيمانكم بالله مانعة لكم من البر وصلة الرحم والإصلاح بين الناس إذا حلفتم على ترك ذلك . وقيل : ألا تجعلوا الله معرضا لأيمانكم فتكون هذه الإيمان حاجزا لما حلفتم عليه ومانعا منه ، بل افعلوا ما حلفتم عليه وكفروا عن يمينكم .
قوله : ( والله سميع عليم ) الله جل جلاله يسمع ما يقوله العباد وما يدور على ألسنتهم من كلام كالأيمان وغيرها ، وهو سبحانه عليم بما تخفيه صدروهم من نوايا ومكنونات{[304]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.