المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان به ، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا ، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار ، فنزلت الآية . وقيل : إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة ، فقال المسلمون : كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم ، فنزلت الآية . والأول أصح . روى البخاري عن محمد بن عبدالرحمن قال : قطع على أهل المدينة بعث{[4819]} فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته فنهاني عن ذلك أشد النهي ، ثم قال : أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على عهد{[4820]} رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أو يضرب فيقتل ، فأنزل الله تعالى : " إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم " .
قوله تعالى : " توفاهم الملائكة " يحتمل أن يكون فعلا ماضيا لم يستند بعلامة تأنيث ، إذ تأنيث لفظ الملائكة غير حقيقي ، ويحتمل أن يكون فعلا مستقبلا على معنى تتوفاهم ؛ فحذفت إحدى التاءين . وحكى ابن فورك عن الحسن أن المعنى تحشرهم إلى النار . وقيل : تقبض أرواحهم ؛ وهو أظهر . وقيل : المراد بالملائكة ملك الموت ؛ لقوله تعالى : " قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم{[4821]} " [ السجدة : 11 ] . و " ظالمي أنفسهم " نصب على الحال ، أي في حال ظلمهم أنفسهم ، والمراد ظالمين أنفسهم فحذف النون استخفافا وأضاف{[4822]} ؛ كما قال تعالى : " هديا بالغ الكعبة{[4823]} " [ المائدة : 95 ] . وقول الملائكة " فيم كنتم " سؤال تقريع وتوبيخ ، أي أكنتم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أم كنتم مشركين ! وقول هؤلاء : " كنا مستضعفين في الأرض " يعني مكة ، اعتذار غير صحيح ؛ إذ كانوا يستطيعون الحيل ويهتدون السبيل ، ثم وقفتهم الملائكة على دينهم بقولهم " ألم تكن أرض الله واسعة " . ويفيد هذا السؤال والجواب أنهم ماتوا مسلمين ظالمين لأنفسهم في تركهم الهجرة ، وإلا فلو ماتوا كافرين لم يقل لهم شيء من هذا ، وإنما أضرب عن ذكرهم في الصحابة لشدة ما واقعوه ، ولعدم تعين أحدهم بالإيمان ، واحتمال ردته . والله أعلم .
ثم استثنى تعالى منهم من الضمير الذي هو الهاء والميم في " مأواهم " من كان مستضعفا حقيقة من زمنى الرجال وضعفة النساء والولدان ، كعياش بن أبي ربيعة وسلمة بن هشام وغيرهم الذين دعا لهم الرسول صلى الله عليه وسلم . قال ابن عباس : كنت أنا وأمي ممن عنى الله بهذه الآية ، وذلك أنه كان من الولدان إذ ذاك ، وأمه هي أم الفضل بنت الحارث واسمها لبابة ، وهي أخت ميمونة ، وأختها الأخرى لبابة الصغرى ، وهن تسع أخوات قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهن : ( الأخوات مؤمنات ){[4824]} ومنهن سلمى والعصماء وحفيدة ويقال في حفيدة : أم حفيد ، واسمها هزيلة . هن ست شقائق وثلاث لأم ، وهن سلمى ، وسلامة ، وأسماء . بنت عميس الخثعمية امرأة جعفر بن أبي طالب ، ثم امرأة أبي بكر الصديق ، ثم امرأة علي رضى الله عنهم أجمعين .
قوله تعالى : " فيم كنتم " سؤال توبيخ ، وقد تقدم . والأصل " فيما " ثم حذفت الألف فرقا بين الاستفهام والخبر ، والوقف عليها ( فيمه ) لئلا تحذف الألف والحركة . والمراد بقوله : " ألم تكن أرض الله واسعة " المدينة ؛ أي ألم تكونوا متمكنين قادرين على الهجرة والتباعد ممن كان يستضعفكم ! وفي هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي . وقال سعيد بن جبير : إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها ، وتلا " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام ) . " فأولئك مأواهم جهنم " أي مثواهم النار . وكانت الهجرة واجبة على كل من أسلم . " وساءت مصيرا " نصب على التفسير .
قوله تعالى : ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا إلا المستضعفين من الرجال والنساء والوالدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم وكان الله عفوا غفورا ) .
سبب نزول هذه الآية أن جماعة من المسلمين في مكة تخلّفوا عن الهجرة مع من هاجر من المسلمين وفيهم النبي ( ص ) مع أنهم مكلفون بالهجرة للخروج من محيط الشرك في مكة وللخلاص عن الفتنة التي كان يتعرض لها كل مسلم عندما تمالأ المشركون على المسلمين فساموهم سوء الفتنة والعذاب{[817]} .
لقد بقيت هذه الجماعة من المسلمين المتخلفين عن الهجرة في مكة حيث الفتنة والبلاء الذي لا يطاق إلى أن فتن بعضهم وكان أن خرج بعض منهم كذلك في صف المشركين يوم بدر لقتال المسلمين . وفي هذه القصة ما يذكر المسلم بضرورة الالتفاف حول قيادته المؤمنة الصالحة وألا يتنكب عما ترسمه هذه القيادة من خطط وبرامج ، فكيف بالقيادة إذا كان متمثلة في خير الخلق رسول الله ( ص ) !
إن هؤلاء الذين تثاقلوا إلى البقاء في أرض الشرك وتخلّفوا عن الهجرة مع ركب المسلمين قد ظلموا أنفسهم ؛ إذ أوردوها موارد الفتنة والضلال فافتتن بعضهم بارتداده عن دينه إلى الشرك ، وافتتن آخرون بخروجهم مع المشركين يكثّرون سوادهم ويشدّون أزرهم فكان السهم يُرمى صوب المشركين فيصيب أحد الذين أسلموا فيموت وهو مفتون قد ظلم نفسه . وحينئذ تتوفاهم الملائكة وهم على هذه الحال من ظلمهم أنفسهم ثم تُسائلهم الملائكة في تقريع غليظ وتأنيب مشدّد : ( قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) أي أن الملائكة تقبض أرواح هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم فآثروا البقاء على الخروج إلى حيث الشوكة والاستعلاء ، إنها تقرّعهم في توبيخ مرير وهي تنتزع أرواحهم انتزاعا أليما عسيرا ثم تُسائلهم مُساءلة لا تقبل اعتذارا : ( فيم كنتم ) فيرد المتخلّفون على ذلك ردا ينطوي على الإفلاس والاستخذاء بأنهم كانوا مستضعفين في الأرض . واعتذار كهذا غير مقبول من وجه الشرع حيث التكليف حينذاك بالهجرة ما دام المسلم غير عاجز عن الهجرة وهو صحيح معافى . عندئذ تردّ عليهم الملائكة تعذير لتصمهم بالتقصير والإخلاد إلى التفريط والفتنة : ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ذلك استفهام تستنكر فيه الملائكة تعذير أولئك المستضعفين المفتونين ، فقد كان عليهم أن يفروا إلى الله في أرضه الممتدة المترامية حيث الانفلات من إسار الشر والفتنة ، وحيث التمكن في حرية من عبادة الله وحده في أمن وطمأنينة . ويمكن الاستدلال من هذه الآية على وجوب الهجرة من الأرض التي توجد فيها الفتنة بكثافة حتى لتوشك أن تلفّ من كان فيها من أفراد مسلمين قلّة . وإذا كانت الحال على هذا النحو من احتمال الارتكاس في الفتنة أو السقوط في مهاوي الشرك والمعاصي باتت الهجرة مفروضة على المسلم ليخرج إلى حيث السلامة والحفاظ على الدين والعقيدة .
على أن مثل هذا المعنى يتصوّر عندما يكون المسلمون في أرض الشرك والفتنة أفرادا قلائل لا يطيقون الصبر على الأذى أو لا يقوون على التماسك أمام تيار الفتنة العاتية الجارفة . يكونون كذلك إذا كانوا قلة مستضعفين يوشك أن ينقلبوا متقهقرين نحو الفساد والمعصية أو أن يبوؤوا بالردة عن دينهم كله إلى ملل الطواغيت على اختلاف ضروبها وألوانها .
أما أن يكون المسلمون مجتمعين على صعيد واحد وهم كثيرون فما ينبغي لهم أن يبرحوا الأرض مهاجرين ولا أن ينزحوا عن ديارهم ليغمرها طغيان الكفر والمعصية من بعدهم . وبذلك فليس لهم أن ينزحوا ما دموا على حالهم من الكثرة والتجميع إلى الدرجة التي يملكون فيها أن يتآلفوا جميعا ليقفوا في وجه الباطل والفتنة صفا واحدا مهما تكن الظروف في قسوتها واشتدادها ومهما تتقاطر من حولهم الأرزاء والفتن إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا .
قوله : ( فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) اسم الإشارة يعود على المستضعفين الذين تثاقلوا إلى المكث في بلد المشركين حيث الفتنة . وهؤلاء قد عصوا أمر نبيهم بالهجرة ولم ينصاعوا له بالطاعة في المنشط والمكره ، فاستحقوا بذلك عذابا أليما يأوون إليه وهي جهنم ( وساءت مصيرا ) وذلكم هو أسوأ مصير وأتعس عاقبة تؤول إليهما حال هؤلاء الأشقياء التعساء . وقوله : ( مصيرا ) منصوب على التمييز .