الأولى - قوله تعالى : " يحلفون بالله ما قالوا " روي أن هذه الآية نزلت في الجُلاس بن سويد بن الصامت ، ووديعة بن ثابت ، وقعوا في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا : والله لئن كان محمد صادقا على إخواننا الذين هم ساداتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير . فقال له عامر بن قيس : أجل والله إن محمدا لصادق مصدق ، وإنك لشر من حمار . وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم . وجاء الجلاس فحلف بالله عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم إن عامرا لكاذب . وحلف عامر لقد قال ، وقال : اللهم أنزل على نبيك الصادق شيئا ، فنزلت . وقيل : إن الذي سمعه عاصم بن عدي . وقيل حذيفة . وقيل : بل سمعه ولد امرأته واسمه عمير بن سعد فيما قال ابن إسحاق . وقال غيره : اسمه مصعب . فهم الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره ، ففيه نزل : " وهموا بما لم ينالوا " . قال مجاهد : وكان الجلاس لما قال له صاحبه إني سأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقولك هم بقتله ، ثم لم يفعل ، عجز عن ذلك . قال ، ذلك هي الإشارة بقوله ، " وهموا بما لم ينالوا " . وقيل : إنها نزلت في عبدالله بن أبي ، رأى رجلا من غفار يتقاتل مع رجل من جهينة ، وكانت جهينة حلفاء الأنصار ، فعلا الغفاري الجهني . فقال ابن أبي : يا بني الأوس والخزرج ، انصروا أخاكم فوالله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك ، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ، فجاءه عبدالله بن أبي فحلف أنه لم يقله ، قاله قتادة . وقول ثالث أنه قول جميع المنافقين ، قاله الحسن . ابن العربي : وهو الصحيح ؛ لعموم القول ووجود المعنى فيه وفيهم ، وجملة ذلك اعتقادهم فيه أنه ليس بنبي .
الثانية - قوله تعالى : " ولقد قالوا كلمة الكفر " قال النقاش : تكذيبهم بما وعد الله من الفتح . وقيل : " كلمة الكفر " قول الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا لنحن أشر من الحمير . وقول عبدالله بن أبي : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل . قال القشيري : كلمة الكفر سب النبي صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام . " وكفروا بعد إسلامهم " أي بعد الحكم بإسلامهم . فدل هذا على أن المنافقين كفار ، وفي قوله تعالى : " ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا{[8164]} " [ المنافقون : 3 ] دليل قاطع . ودلت الآية أيضا على أن الكفر يكون بكل ما يناقض التصديق والمعرفة ؛ وإن كان الإيمان لا يكون إلا بلا إله إلا الله دون غيره من الأقوال والأفعال إلا في الصلاة . قال إسحاق بن راهويه : ولقد أجمعوا في الصلاة على شيء لم يجمعوا عليه في سائر الشرائع ؛ لأنهم بأجمعهم قالوا : من عُرف بالكفر ثم رأوه يصلي الصلاة في وقتها حتى صلى صلوات كثيرة . ولم يعلموا منه إقرارا باللسان أنه يحكم له بالإيمان ، ولم يحكموا له في الصوم والزكاة بمثل دلك .
الثالثة - قوله تعالى : " وهموا بما لم ينالوا " يعني المنافقين من قتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك ، وكانوا اثني عشر رجلا . قال حذيفة : سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم ولهم . فقلت : ألا تبعث إليهم فتقتلهم ؟ فقال : ( أكره أن تقول العرب : لما ظفر بأصحابه أقبل يقتلهم بل يكفيهم الله بالدبيلة ) . قيل : يا رسول الله وما الدبيلة ؟ قال : ( شهاب من جهنم يجعله على نياط فؤاد أحدهم حتى تزهق نفسه ) . فكان كذلك . خرجه مسلم بمعناه . وقيل هموا بعقد التاج على رأس ابن أبي ليجتمعوا عليه . وقد تقدم قول مجاهد في هذا .
الرابعة - قوله تعالى : " وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله " أي ليس ينقمون شيئا ، كما قال النابغة :
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم*** بهن فلولٌ من قراعِ الكتائب
ويقال : نقَم ينقِم ، ونقِم ينقَم ؛ قال الشاعر في الكسر{[8165]} :
ما نقِموا من بني أمية إلا *** أنهم يحلمون إن غضبوا
يؤخَّرْ فيوضعْ في كتاب فيدخر*** ليوم الحساب أو يعجل فينقَم
ينشد بكسر القاف وفتحها . قال الشعبي : كانوا يطلبون دية فيقضي لهم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغنوا . ذكر عكرمة أنها كانت اثني عشر ألفا . ويقال : إن القتيل كان مولى الجلاس . وقال الكلبي : كانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، لا يركبون الخيل ولا يحوزون الغنيمة ، فلما قدم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم . وهذا المثل مشهور : اتق شر من أحسنت إليه . قال القشيري أبو نصر : قيل للبجلي أتجد في كتاب الله تعالى اتق شر من أحسنت إليه ؟ قال نعم ، " وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله " .
الخامسة - قوله تعالى : " فإن يتوبوا يكن خيرا لهم " روي أن الجلاس قام حين نزلت الآية فاستغفر وتاب . فدل هذا على توبة الكافر الذي يسر الكفر ويظهر الإيمان ؛ وهو الذي يسميه الفقهاء الزنديق . وقد اختلف في ذلك العلماء ؛ فقال الشافعي : تقبل توبته . وقال مالك : توبة الزنديق لا تعرف ؛ لأنه كان يظهر الإيمان ويسر الكفر ، ولا يعلم إيمانه إلا بقوله . وكذلك يفعل الآن في كل حين ، يقول : أنا مؤمن وهو يضمر خلاف ما يظهر ، فإذا عثر عليه وقال : تبت ، لم يتغير حاله عما كان عليه . فإذا جاءنا تائبا من قبل نفسه قبل أن يعثر عليه قبلت توبته ، وهو المراد بالآية . والله أعلم .
السادسة - قوله تعالى : " وإن يتولوا " أي يعرضوا عن الإيمان والتوبة " يعذبهم الله عذابا أليما " في الدنيا بالقتل ، وفي الآخرة بالنار . " وما لهم في الأرض من ولي " أي مانع يمنعهم " ولا نصير " أي معين . وقد تقدم{[8166]} .
قوله : { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } نزلت في عبد الله بن أبي ، وذلك أنه اقتتل رجلان جهني وأمصاري فعلا الجهني على الأنصاري ، فقال عبد الله للأنصار : ألا تنصروا أخاكم ؟ والله ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل : سمن كلبك يأكلك . وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ، فسعى بها رجل من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه فسأله فجعل يحلف بالله ما قاله ؛ فأنزل الله فيه هذه الآية .
وقيل : نزلت في الجلاس بن سويد بن الصامت أقبل هو وابن امرأته مصعب من قباء . فقال الجلاس : إن كان ما جاء به محمد حقا فنحن أشر من الحمير التي نحن عليها . فقال له ابن امرأته : والله يا عدو الله لأخبرن رسول الله بما قلت ؛ فإني أن لا أفعل أخاف أن يصيبني قارعة وأؤاخذ بخطيئتك فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الجلاس فقال : ( يا حلاس أقلت كذا وكذا ؟ ) فحلف ما قال . فأنزل الله الآية{[1850]} .
قوله : { وهموا بما لم ينالوا } أي هموا أن يدفعوا ليلة العقبة وكانوا قوما قد أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم معه يلتمسون غرته حتى اخذ في عقبة ، فتقدم بعضهم وتأخر بعضهم وذلك كان ليلا ، قالوا : إذا أخذ في العقبة دفعناه عن راحلته في الوادي ، وكان قائده في تلك الليلة عمار بن ياسر وسائقه حذيفة ، فسمع حذيفة وقع أخفاف الإبل . فالتقت فإذا هو بقوم ملثمين . فقال : إليكم يا أعداء الله ، فأمسكوا . ومضى النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزل منزله الذي أرده . فأنزل الله قوله { وهموا بما م ينالوا } يعني المنافقين هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك ، وكانوا اثني عشر رجلا . قال حذيفة : سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عدهم كلهم{[1851]} .
قوله : { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله } نقموا ، بمعنى أنكروا وعابوا{[1852]} . والمراد بذلك المنافقون الذين يكرهون النبي صلى الله عليه وسلم ودينه ويفترون عليها الكذب والباطل ، وكانوا قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم في ضنك من العيش ، فلما قدم عليهم صلى الله عليه وسلم استغنوا بالغنائم وصاروا في سعة وبحبوحة . فيكون المعنى : أنهم ما أنكروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا إلا أن أغناهم ورسوله من فضله . فما للرسول صلى الله عليه وسلم عندهم من ذنب إلا أن الله أغناهم ببركته ويمن مقامه فيهم . وذلك كما قال عليه الصلاة والسلام للأنصاري : ( ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي ، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي ، وعالة فأغناكم الله بي ؟ ) والمثل المناسب في هذا الصدد قول القائل : ( اتق شر من أحسنت إليه ) .
قوله : { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } أي هؤلاء المنافقون الذين قالوا كلمة الكفر ؛ فإنهم إن تابوا من قيلهم الذي قالوه فرجعوا عنه إلى الإيمان والتصديق والطاعة ، تكن توبتهم وإدبارهم عن الباطل والنفاق خيرا لهم من حالهم في النفاق والغش وخيانة الإسلام والمسلمين . أما إن تمردوا وأدبروا عن التوبة وأبوا الجحود والاستكبار والنفاق { يعذبهم الله عذابا أليما } أي يأخذهم الله في هذه الدنيا بالقتل والإذلال ، ويأخذهم في الآخرة بالعذاب الموجع البئيس وهو عذاب النار التي أعدها الله للأشقياء من الناس وأشرارهم . ولئن أخذهم الله بعذابه الأليم فلن ينصرهم من الله أيما نصير ، وليس من مجير يجيرهم أو ينقذهم مما يحل بهم من الخزي والتنكيل . وهو قوله سبحانه : { وما لهم في الأرض من ولي ولا نصير } {[1853]} .