الأولى - قوله تعالى : " قل أرأيتم " يخاطب كفار مكة . " ما أنزل الله لكم من رزق " " ما " في موضع نصب ب " أرأيتم " . وقال الزجاج : في موضع نصب ب " أنزل " . " وأنزل " بمعنى خالق ، كما قال : " وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج{[8517]} " [ الزمر : 6 ] . " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد{[8518]} " [ الحديد : 25 ] . فيجوز أن يعبر عن الخلق بالإنزال ؛ لأن الذي في الأرض من الرزق إنما هو بما ينزل من السماء من المطر . " فجعلتم منه حراما وحلالا " قال مجاهد : هو ما حكموا به من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحام{[8519]} . وقال الضحاك : هو قول الله تعالى : " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا{[8520]} " [ الأنعام : 136 ] . " قل أآلله أذن لكم " أي في التحليل والتحريم . " أم على الله " " أم " بمعنى بل . " تفترون " هو قولهم إن الله أمرنا بها .
الثانية - استدل بهذه الآية من نفى القياس ، وهذا بعيد ؛ فإن القياس دليل الله تعالى ، فيكون التحليل والتحريم من الله تعالى عند وجود دلالة نصبها الله تعالى على الحكم ، فإن خالف في كون القياس دليلا لله تعالى فهو خروج عن هذا الغرض ورجوع إلى غيره .
ولما وصف القرآن العظيم بالشفاء وما معه المقتضي لاستقامة المناهج وسداد الشرائع ووضوح المذاهب ، وأشار إلى أن العاقل ينبغي له أن يخصه بالفرح لبقاء آثاره وما يدعو إليه وزهده{[38129]} فيما يجمعون لفنائه ولأنه يدعو إلى رذائل الأخلاق فيحط{[38130]} من أوج المعالي ، أشار إلى أنهم كما{[38131]} خبطوا في الفرح فخصوه{[38132]} بما يفني معرضين عما يبقى فكذلك{[38133]} خبطوا في طريق الجمع فوعدوها على أنفسهم بأن حرموا بعض ما أحله ، فمنعوا أنفسهم ما هم به فرحون دون أمر من الله تعالى فنقصوا بذلك حظهم في الدنيا بهذا المنع وفي الآخرة بكذبهم على ربهم في تحريمه حيث جعلوه شرعاً مرضياً وهو في غاية الفساد والبعد عن الصواب والقصورعن مراقي السداد فقال تعالى : { قل } أي لهؤلاء الذين{[38134]} يستهزئون بك استهزاء قاضياً عليهم بأنهم لا عقول لهم مستهزئاً بهم وموبخاً لهم توبيخاً هو في أحكم مواضعه ، وساقه على طريق السؤال بحيث إنهم لا يقدرون على الجواب أصلاً بغير الإقرار{[38135]} بالافتراء فقال : { أرءيتم } أي أخبروني ، وعبر عن الخلق بالإنزال تنبيهاً على أنه شيء لا يمكن ادعاءه لأصنامهم لنزول أسبابه من موضع لا تعلق لهم به بوجه فقال : { ما أنزل الله } أي الذي له صفات الكمال التي منها الغنى المطلق { لكم } أي خاصاً بكم { من رزق } أي أيّ رزق كان { فجعلتم منه } أي ذلك الرزق الذي خصكم{[38136]} به { {[38137]}حراماً وحلالاً{[38138]} } على النحو الذي تقدم في الأنعام وغيرها قصته وبيان فساده على أنه جلي الفساد ظاهر العوج ؛ ثم ابتدأ أمراً آخر تأكيداً للإنكار عليهم فقال : { قل } أي من أذن لكم في ذلك ؟ { الله } أي الملك الأعلى { أذن لكم } فتوضحوا المستند به { أم } لم يأذن لكم فيه مع{[38139]} نسبتكم إياه إليه لأنكم فصلتموه إلى حرام وحلال ولا محلل ومحرم إلا الله ، فأنتم { على الله } أي المحيط بكل شيء عظمة وعلماً { تفترون* } مع نسبتكم الافتراء إلي في هذا القرآن الذي أعجز الأفكار والشرع الذي بهر العقول وادعائكم أنكم أبعد الناس عن مطلق الكذب وأطهرهم ذيولاً منه ، وتقديم الجار للإشارة إلى زيادة التشنيع عليهم من حيث إنهم أشد الناس تبرؤاً من الكذب وقد خصوا الله - على تقدير التسليم لهم - بأن تعمدوا الكذب عليه .
قوله تعالى : { قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون 59 وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون } أي قل لهؤلاء المشركين : أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق ؛ أي خلقه لكم لتتخذوا منه الغذاء والطعام { فجعلتم منه حراما وحلالا } أي فشرعتم فيه لأنفسكم مال ينزل الله به سلطانا ؛ إذ جعلتم بعضه حراما وبعضه حلالا ، تشريعا مزعوما من عند أنفسكم لا حجة لكم به ، وليس لكم فيه من الله سلطان إلا التشهي المجرد والهوى الجانح . وذلك كتحريمهم ما كانوا يحرمونه من الحروث ( الزروع ) التي كانوا يجعلونها للأوثان . وهو ما وصفهم الله به في قوله : { وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا هو لله بزعمهم وهذا لشركائنا } وكذلك الأنعام ؛ إذ كانوا يحرمونها منها البحائر والسوائب والوصائل والحوامي .
قوله : { قل آلله أذن لكم أم على الله تفترون } أي أخبروني آلله أذن لكم في التحليل والتحريم ، فأنتم تفعلون ذلك بإذنه أم أنكم تكذبون على الله فيما تنسبونه إليه افتراء وبهتانا . وقيل : الهمزة للإنكار ، وأم ، منقطعة ، بمعنى بل ؛ أي : بل تفترون على الله أنه أمركم بهذا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.