الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ} (71)

الثامنة : قوله تعالى : " وامرأته قائمة " ابتداء وخبر ، أي قائمة بحيث ترى الملائكة . قيل : كانت من وراء الستر . وقيل : كانت تخدم الملائكة وهو جالس . وقال محمد بن إسحاق : قائمة تصلي . وفي قراءة عبدالله بن مسعود " وامرأته قائمة وهو قاعد " .

التاسعة : قوله تعالى : " فضحكت " قال مجاهد وعكرمة : حاضت ، وكانت آيسة ، تحقيقا للبشارة ، وأنشد على ذلك اللغويون :

وإني لآتي العِرسَ عند طُهورها*** وأهجرُها يوما إذا تَكُ ضَاحِكَا

وقال آخر :

وضِحْكُ الأرانب فوق الصَّفَا *** *** كمثلِ دمِ الجوف يوم اللِّقَا

والعرب تقول : ضحكت الأرنب إذا حاضت ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة ، أخذ من قولهم : ( ضحكت الكافورة - وهي قشرة الطلعة - إذا انشقت ) . وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت . وقال الجمهور : هو الضحك المعروف ، واختلفوا فيه ، فقيل : هو ضحك التعجب ، قال أبو ذؤيب :

فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله*** هو الضَّحْكُ{[8780]} إلا أنه عمل النَّحْلِ

وقال مقاتل : ضحكت من خوف إبراهيم ، ورعِدته من ثلاثة نفر ، وإبراهيم في حشمه وخدمه ، وكان إبراهيم يقوم وحده بمائة رجل . قال : وليس الضحك الحيض في اللغة بمستقيم . وأنكر أبو عبيد والفراء ذلك ، قال الفراء : لم أسمعه من ثقة ، وإنما هو كناية . وروي أن الملائكة مسحت العجل ، فقام من موضعه فلحق بأمه ، فضحكت سارة عند ذلك فبشروها بإسحاق . ويقال : كان إبراهيم عليه السلام إذا أراد أن يكرم أضيافه أقام سارة تخدمهم ، فذلك قوله : " وامرأته قائمة " أي قائمة في خدمتهم . ويقال : " قائمة " لروع إبراهيم " فضحكت " لقولهم : " لا تخف " سرورا بالأمن . وقال الفراء : فيه تقديم وتأخير ، المعنى : فبشرناها بإسحاق فضحكت ، أي ضحكت سرورا بالولد ، وقد هرمت ، والله أعلم أي ذلك كان . قال النحاس فيه أقوال : أحسنها - أنهم لما لم يأكلوا أنكرهم وخافهم ، فلما قالوا لا تخف ، وأخبروه أنهم رسل الله{[8781]} ، فرح بذلك ، فضحكت امرأته سرورا بفرحه . وقيل : إنها كانت قالت له : أحسب أن هؤلاء القوم سينزل بهم عذاب فضم لوطا إليك ، فلما جاءت الرسل بما قالته سرت به فضحكت ، قال النحاس : وهذا إن صح إسناده فهو حسن . والضحك انكشاف الأسنان . ويجوز أن يكون الضحك إشراق الوجه ، تقول : رأيت فلانا ضاحكا ، أي مشرقا . وأتيت على روضة تضحك ، أي مشرقة . وفي الحديث ( إن الله سبحانه{[8782]} يبعث السحاب فيضحك أحسن الضحك ) . جعل انجلاءه عن البرق ضحكا ، وهذا كلام مستعار . وروي عن رجل من قراء مكة يقال له محمد بن زياد الأعرابي . " فضحكت " بفتح الحاء ، قال المهدوي : وفتح " الحاء " من " فضحكت " غير معروف . وضَحِك يضْحَك ضَحْكا وضِحْكا وضِحِكا وضَحِكا{[8783]} أربع لغات . والضَّحْكة المرة الواحدة ، ومنه قول كثير :

غلِقَتْ لضِحْكَته رقابُ المالِ{[8784]}

قاله الجوهري .

العاشرة : روى مسلم عن سهل بن سعد قال : دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرسه ، فكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس . قال سهل : أتدرون ما سقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أنقعت له تمرات من الليل في تَوْر{[8785]} ، فلما أكل سقته إياه . وأخرجه البخاري وترجم له " باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس " . قال علماؤنا : فيه جواز خدمة العروس زوجها وأصحابه في عرسها . وفيه أنه لا بأس أن يعرض الرجل أهله على صالح إخوانه ، ويستخدمهن{[8786]} لهم . ويحتمل أن يكون هذا قبل نزول الحجاب . والله أعلم .

الحادية عشرة : ذكر الطبري أن إبراهيم عليه السلام لما قدم العجل قالوا : لا نأكل طعاما إلا بثمن ، فقال لهم : " ثمنه أن تذكروا الله في أوله وتحمدوه في آخره " فقال جبريل لأصحابه : بحق اتخذ الله هذا خليلا . قال علماؤنا : ولم يأكلوا لأن الملائكة لا تأكل . وقد كان من الجائز كما يسر الله للملائكة أن يتشكلوا في صفة الآدمي جسدا وهيئة أن ييسر لهم أكل الطعام ، إلا أنه في قول العلماء أرسلهم في صفة الآدمي وتكلف إبراهيم عليه السلام الضيافة حتى إذا رأى التوقف وخاف جاءته البشرى فجأة{[8787]} .

الثانية عشرة : ودل هذا على أن التسمية في أول الطعام ، والحمد في آخره مشروع في الأمم قبلنا ، وقد جاء في الإسرائيليات أن إبراهيم عليه السلام كان لا يأكل وحده ، فإذا حضر طعامه أرسل يطلب من يأكل معه ، فلقي يوما رجلا ، فلما جلس معه على الطعام ، قال له إبراهيم : سم الله ، قال الرجل لا أدري ما الله ؟ فقال له : فاخرج عن طعامي ، فلما خرج نزل إليه جبريل فقال له : يقول الله إنه يرزقه على كفره مدى عمره وأنت بخلت عليه بلقمة ، فخرج إبراهيم فزعا يجر رداءه ، وقال : ارجع ، فقال : لا أرجع حتى تخبرني لم تردني لغير معنى ؟ فأخبره بالأمر ، فقال : هذا رب كريم ، آمنت ، ودخل وسمى الله وأكل مؤمنا{[8788]} .

الثالثة عشرة : قوله تعالى : " فبشرناها بإسحاق " لما ولد لإبراهيم إسماعيل من هاجر تمنت سارة أن يكون لها ابن ، وأيست لكبر سنها ، فبشرت بولد يكون نبيا ويلد نبيا ، فكان هذا بشارة لها بأن ترى ولد ولدها .

الرابعة عشرة : قوله تعالى : " ومن وراء إسحاق يعقوب " قرأ حمزة وعبد الله بن عامر " يعقوب " بالنصب . ورفع الباقون ، فالرفع على معنى : ويحدث لها من وراء إسحاق يعقوب . ويجوز أن يرتفع بالفعل الذي يعمل في " من " كأن المعنى : وثبت لها من وراء إسحاق يعقوب . ويجوز أن يرتفع بالابتداء ، ويكون في موضع الحال ؛ أي بشروها بإسحاق مقابلا له يعقوب . والنصب على معنى : ووهبنا لها من وراء إسحاق يعقوب . وأجاز الكسائي والأخفش وأبو حاتم أن يكون " يعقوب " في موضع جر على معنى : وبشرناها من وراء إسحاق بيعقوب . قال الفراء : ولا يجوز الخفض إلا بإعادة الحرف الخافض . قال سيبويه : ولو قلت : مررت بزيد أول من أمس وأمس عمرو{[8789]} كان قبيحا خبيثا{[8790]} ؛ لأنك فرقت بين المجرور وما يشركه وهو الواو ، كما فرقت بين الجار والمجرور ؛ لأن الجار لا يفصل بينه وبين المجرور ، ولا بينه وبين الواو .


[8780]:وفسر الضحك هنا بالعسل أو الشهد. راجع اللسان مادة (ضحك).
[8781]:من ع.
[8782]:من ع.
[8783]:من ع.
[8784]:صدر البيت: غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا.
[8785]:التور: إناء تشرب فيه العرب، وقد يتوضأ منه، ويصنع من صفر أو حجارة.
[8786]:في ع: يستخدمها.
[8787]:الزيادة عن ابن العربي.
[8788]:في ع: متمتعا.
[8789]:والوجه عنده (وأمس بعمرو).
[8790]:كذا في أ و ك و ع و و و ي.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ} (71)

{ وامرأته } أي جاءته الرسل بالبشرى أي ذكروها له{[39697]} والحال أن زوجة إبراهيم التي هي كاملة المروءة وهي سارة { قآئمة } قيل : على باب الخيمة لأجل{[39698]} ما لعلها تفوز به من المعاونة على خدمتهم ، فسمعت البشارة بالولد التي دل عليها فيما مضى قوله { بالبشرى } { فضحكت } أي تعجبت من تلك البشرى لزوجها{[39699]} مع كبره ، وربما ظنته من غيرها لأنها - مع أنها كانت عقيماً – عجوز {[39700]} ، فهو من إطلاق المسبب على السبب إشارة إلى أنه تعجب عظيم{[39701]} { فبشرناها } أي فتسبب{[39702]} عن تعجبها أنا أعدنا لها البشرى مشافهة بلسان الملائكة تشريفاً لها وتحقيقاً أنه منها { بإسحاق } تلده { ومن وراء إسحاق يعقوب } أي يكون يعقوب ابناً لإسحاق ، والذي يدل على{[39703]} ما قدّرته - من أنهم بشروه بالولد قبل امرأته فسمعت فعجبت - ما يأتي عن نص التوراة ، والحكم العدل على ذلك كله قوله تعالى في الذاريات { قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها }{[39704]}[ الذاريات : 28-29 ] - الآية .


[39697]:زيد من ظ ومد.
[39698]:زيد من ظ ومد.
[39699]:في ظ: لزوجه.
[39700]:من مد، وفي الأصل وظ: عجوزا.
[39701]:زيد من ظ ومد.
[39702]:من مد، وفي الأصل وظ: تسبب.
[39703]:زيد من ظ ومد.
[39704]:آية 28 و29.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ} (71)

قوله : { وامرأته قائمة فضحكت } قيل : اسم امرأته سارة وهي بنت عمه كانت { قائمة } تخدم الرسل وإبراهيم . أو كانت رواء الستر تسمع تحاورهم { فضحكت } سرورا بهلاك قوم لوط الذين كانوا يعملوا الخبائث ، أو أنها ضحكت سرورا بزوال الخوف . وقيل : ضحكت ضحك التعجب . ثم جوزيت بالبشارة بالولد بعد الإياس وهو قوله : { فبشرناها بإسحاق } أي بشرناها بولد ؛ لأنها لم يكن لها ولد وكان لإبراهيم ولد وهو إسماعيل .

{ ومن وراء إسحاق يعقوب } يقرأ يعقوب بضم الباء وفتحها . أما الضم : فهو لكون يعقوب مرفوعا ؛ لأنه مبتدأ ، والجار والمجرور قبله خبره . أما الفتح : فلكونه في موضع نصب ، بتقدير فعل دل عليه قوله : { فبشرناه } ، وتقديره : بشرناها بإسحق ووهبنا له يعقوب من رواء إسحق . أو أن يكون معطوفا على موضع قوله : بإسحق ، وموضعه النصب . كقولهم : مررت بزيد وعمرا{[2131]} .

والمعنى : بشرناها بإسحق ووهبنا لها من بعد إسحق يعقوب . وبذلك بشرت سارة بولد يكون نبيا ويلد نبيا . فكانت هذه بشارة لها بأن ترى ولد ولدها ، ومن هذه الآية استدل العلماءعلى أن الذبيح إنما هو إسماعيل ، وأنه يمتنع أن يكون هو إسحق ؛ لأن البشارة وقعت به ، وأنه سيولد له يعقوب ؛ فكيف يؤمر إبراهيم بذبحه وهو طفل صغير ولم يولد له بعد يعقوب الموعود بوجوده ، ووعد الله حق ليس فيه خلف ، فلا يمكن والحالة هذه أن يؤمر إبراهيم بذبح إسحق ؟ فتعين أن يكون الذبيح هو إسماعيل .


[2131]:البيان لابن الأنباري جـ 2 ص 21، 22.