النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ} (71)

{ وَامْرأَتُهُ قائمة فَضَحِكَتْ } وفي قيامها ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنها كانت قائمة من وراء الستر تسمع كلامهم ، قاله وهب .

الثاني : أنها كانت قائمة تخدمهم ، قاله مجاهد .

الثالث : أنها كانت قائمة تُصَلّي ، قاله محمد بن إسحاق . { فَضَحِكَتْ } فيه ثلاثة تأويلات :

أحدها : يعني حاضت ، قاله مجاهد والعرب تقول ضحكت المرأة إذا حاضت ، والضحك الحيض في كلامهم ، قال الشاعر :

وضحك الأرانب فوق الصفا *** كمثل دم الخوف يوم اللّقاء{[1371]}

والثاني : أن معنى ضحكت : تعجبت ، وقد يسمى التعجب ضحكاً لحدوث الضحك عنه ، ومنه قول أبي ذؤيب .

فجاء بمزجٍ لم ير الناس مثله *** هو الضحك{[1372]} إلاّ أنه عمل النحل

الثالث : أنه الضحك المعروف في الوجه ، وهو قول الجمهور .

فإن حمل تأويله على الحيض ففي سبب حيضها وجهان : أحدهما : أنه وافق وقت عادتها فخافت ظهور دمها وأرادت شداده فتحيرت مع حضور الرسل .

والقول الثاني : ذعرت وخافت فتعجل حيضها قبل وقته ، وقد تتغير عادة الحيض باختلاف الأحوال وتغير الطباع .

ويحتمل قولاً ثالثاً : أن يكون الحيض بشيراً بالولادة لأن من لم تحض لا تلد .

وإن حمل تأويله على التعجب ففيما تعجب منه أربعة أقاويل :

أحدها : أنها تعجبت من أنها وزوجها يخدمان الأضياف تكرمة لهم وهم لا يأكلون ، قاله السدي .

الثاني : تعجبت من أن قوم لوط قد أتاهم العذاب وهم غافلون ، قاله قتادة .

الثالث : أنها عجبت من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها ، قاله وهب بن منبه .

الرابع : أنها تعجبت من إحياء العجل الحنيذ لأن جبريل عليه السلام مسحه بجناحه فقام يدرج حتى لحق بأمه وأم العجل في الدار ، قاله عون بن أبي شداد .

وإن حمل تأويله على ضحك الوجه ففيما ضحكت منه أربعة أقاويل :

أحدها : ضحكت سروراً بالسلامة .

الثاني : سروراً بالولد . الثالث : لما رأت ما بزوجها من الورع ، قاله الكلبي .

الرابع : أنها ضحكت ظناً بأن الرسل يعملون عمل قوم لوط ، قاله محمد بن عيسى .

{ فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } وفي { وراء } هاهنا قولان :

أحدهما : أن الوراء ولد الولد ، قاله ابن عباس والشعبي .

الثاني : أنه بمعنى بعد ، قاله مقاتل ، وقال النابغة الذبياني :

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة *** وليس وراءَ اللهِ للمرء مذهبُ

فعجلوا لها البشرى بالولدين مظاهرة للنعمة ومبالغة في التعجب ، فاحتمل أن يكون البشارة بهما باسميهما فيكون الله تعالى هو المسمى لهما ، واحتمل أن تكون البشارة بهما وسماها أبوهما .

فإن قيل : فلم خصت سارة بالبشرى من دون إبراهيم ؟ قيل عن هذا ثلاثة أجوبة :

أحدها : أنها لما اختصت بالضحك خصت بالبشرى .

الثاني : أنهم كافؤوها بالبشرى مقابلة على استعظام خدمتها .

الثالث : لأن النساء في البشرى بالولد أعظم سروراً وأكثر فرحاً .

قال ابن عباس : سمي إسحاق لأن سارة سحقت بالضحك حين بشرت به .


[1371]:ذكره صاحب اللسان ولم ينسبه إلى قائل.
[1372]:فسر الضحك هنا بالعسل. انظر مادة ضحك لسان العرب.