الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

قوله تعالى : " والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم " قيل : " الذين " مستأنف ؛ لأن " صبروا " ماض فلا ينعطف على " يوفون " وقيل : هو من وصف من تقدم ، ويجوز الوصف تارة بلفظ الماضي ، وتارة بلفظ المستقبل ، لأن المعنى من يفعل كذا فله كذا ، ولما كان " الذين " يتضمن الشرط ، والماضي في الشرط كالمستقبل جاز ذلك ؛ ولهذا قال : " الذين يوفون " ثم قال : " والذين صبروا " ثم عطف عليه فقال : " ويدرؤون بالحسنة السيئة " قال ابن زيد : صبروا على طاعة الله ، وصبروا عن معصية الله . وقال عطاء : صبروا على الرزايا والمصائب ، والحوادث والنوائب . وقال أبو عمران الجوني : صبروا على دينهم ابتغاء وجه الله " وأقاموا الصلاة " أدوها بفروضها وخشوعها في مواقيتها . " وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية " يعني الزكاة المفروضة ، عن ابن عباس ، وقد مضى القول في هذا في " البقرة " {[9386]} وغيرها . " ويدرؤون بالحسنة السيئة " أي يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال ، قاله ابن عباس . ابن زيد : يدفعون الشر بالخير . سعيد بن جبير : يدفعون المنكر بالمعروف . الضحاك : يدفعون الفحش بالسلام . جويبر : يدفعون الظلم بالعفو . ابن شجرة : يدفعون الذنب بالتوبة . القتبي : يدفعون سفه الجاهل بالحلم ، فالسفه السيئة ، والحلم الحسنة . وقيل : إذا هموا بسيئة رجعوا عنها واستغفروا . وقيل : يدفعون الشرك بشهادة أن لا إله إلا الله ؛ فهذه تسعة أقوال ، معناها كلها متقارب ، والأول يتناولها بالعموم ، ونظيره : " إن الحسنات يذهبن السيئات{[9387]} " [ هود : 114 ] ومنه قول عليه السلام لمعاذ : ( وأتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن ) . قوله تعالى : " أولئك لهم عقبى الدار " أي عاقبة الآخرة ، وهي الجنة بدل النار ، والدار غدا داران : الجنة للمطيع ، والنار للعاصي ، فلما ذكر وصف المطيعين فدارهم الجنة لا محالة . وقيل : عني بالدار دار الدنيا ، أي لهم جزاء ما عملوا من الطاعات في دار الدنيا .


[9386]:راجع ج 1 ص 179.
[9387]:راجع ص 110 من هذا الجزء.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

ولما كان الوفاء بالعهد في غاية الشدة على النفس ، قال مشيراً إلى ذلك مع شموله لغيره : { والذين صبروا } أي على طاعات الله وعن معاصيه وفي كل ما ينبغي الصبر فيه ، والصبر : الحبس ، وهو تجرع مرارة المنع للنفس عما تحب مما لا يجوز فعله { ابتغاء } أي طلب { وجه ربهم } أي المحسن إليهم ، وكأنه ذكر الوجه إثارة{[44084]} للحياء وحثاً عليه لا{[44085]} ليقال : ما أجلده ! ولا لأنه يعاب بالجزع ، ولا لأنه لا طائل تحت الهلع ولا خوف الشماتة .

ولما كانت أفراد الشيء قد تتفاوت في الشرف ، خص بالذكر أشياء مما دخل في العهد والميثاق تشريفاً لها فقال : { وأقاموا الصلاة } لأنها في الوصلة بالله كالميثاق في الوصلة بالموثق له ، وقال - : { وأنفقوا } وخفف عنهم بالبعض فقال : { مما رزقناهم } - لأن الإنفاق من أعظم سبب يوصل إلى المقاصد ، فهذا إنفاق من المال ، وتلك إنفاق من القوى ، وقال : { سراً وعلانية } إشارة إلى الحث على استواء الحالتين تنبيهاً على الإخلاص{[44086]} ، ويجوز أن يكون المراد بالسر ما ينبغي{[44087]} فيه الإسرار كالنوافل ، وبالعلانية ما يندب إلى إظهاره كالواجب إلا أن يمنع مانع ، وهذا تفصيل قوله تعالى ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون{[44088]} }[ البقرة :3 ] { واستعينوا بالصبر والصلاة{[44089]} }[ البقرة : 45 ] وقال : { ويدرؤون } أي يدفعون{[44090]} بقوة وفطنة { بالحسنة } أي من القول أو الفعل { السيئة } إشارة إلى ترك المجازاة{[44091]} أو يتبعونها إياها فتمحوها{[44092]} ، خوفاً ورجاء وحثاً على جميع الأفعال الصالحة ، فهي نتيجة أعمال البر ودرجة المقربين .

ولما ختم تلك بما يدل على ما بعد الموت ترهيباً ، ختم هذه بمثل ذلك ترغيباً فقال : { أولئك } أي العالو{[44093]} الرتبة { لهم عقبى الدار * }


[44084]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: إشارة.
[44085]:زيد بعده في الأصل: انه، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد فحذفناها.
[44086]:في ظ: الخلاص.
[44087]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يبتغى.
[44088]:سورة 2 آية 3.
[44089]:سورة 2 آية 45.
[44090]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: يرفعون.
[44091]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44092]:سقط ما بين الرقمين من م.
[44093]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: العالون.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ} (22)

قوله تعالى : { والَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ } هذه صفة رابعة للمؤمنين الصادقين ؛ وهي صبرهم على فعل الطاعات ، وهن المحارم والمآثم والمعاصي . المؤمنون الصادقون ملتزمون بفعل الصالحات وممسكون عن المحرمات والمحظورات والمناهي ، كل ذلك { ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ } { ابتغاء } ، مفعول له منصوب . أي طلبا لمرضاة الله وجزل ثوابه .

قوله : { وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ } هذه صفة خامسة للمؤمنين ؛ إذ يقيمون الصلاة خاشعين مخبتين .

قوله : { وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً } هذه صفة سادسة للمؤمنين ؛ إذ ينفقون أموالهم في وجوه البر والطاعة مما هو مفروض ومندوب/ كبذل المال زكاة في وجوهها المعروف ؛ أو إنفاقه على أولي القربى على سبيل الوجوب ، أو ما كان غير ذلك من الإنفاق المندوب في وجوه الخير ؛ كإعطاء المعوزين والمحاويج والجيران وغريهم . سواء كان ذلك في السر خفية ؛ أو الظاهر المنظور علانية .

قوله : { وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ } { يدرؤون } ، يعني يدفعون{[2346]} ، وهذه صفة سابعة للمؤمنين ؛ فهم يدفعون السيئة على اختلاف معانيها وصورها ، بالحسنة على تعدد ضروبها وأشكالها . لا جرم أن هذه خصيصة مثلى تتجلى في عباد الله المؤمنين الطائعين المخلصين ؛ فهم إذا أساء إليهم الناس بمختلف وجوه الإساءة قابلوا ذلك بالحسنة . فقابلوا الشر بالخير ، والقبيح بالحسن ، والشح بالسخاء . وهم إذا ظلموا عفوا ، وإذا حرموا أعطوا ، وإذا قطعوا وصلوا من قطعهم . إن هذه شيم المؤمنين الطيبين الأخيار الذين يجزل الله لهم الثواب ، ويكتب لهم الرحمة والرضوان .

وقيل : إذا أذنبوا تابوا ؛ وإذا عملوا السيئات بادروا فعل الخيرات والحسنات فيتجاوز الله لهم عما اقترفوه .

قوله : { أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ } أي عاقبة الدنيا . والمراد بها الجنة التي أعدها الله جزاء لأولئك المؤمنين الذين اتصفوا بما بينته الآية من الصفات{[2347]} .


[2346]:القاموس المحيط ص 50.
[2347]:البحر المحيط جـ 5 ص 375- 377.