قوله تعالى : " ولقد أرسلنا موسى بآياتنا " أي بحجتنا وبراهيننا ، أي بالمعجزات الدالة على صدقه ، قال مجاهد : هي التسع الآيات{[9449]} . " أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور " نظيره قوله تعالى : لنبينا عليه السلام أول السورة : " لتخرج الناس من الظلمات إلى النور " : " أن " هنا بمعنى أي ، كقوله تعالى : " وانطلق الملأ منهم أن امشوا{[9450]} " [ ص : 6 ] أي امشوا .
قوله تعالى : " وذكرهم بأيام الله " أي قل لهم قولا يتذكرون به أيام الله تعالى . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : بنعم الله عليهم ، وقاله أبي بن كعب ورواه مرفوعا ، أي بما أنعم الله عليهم من النجاة من فرعون ومن التيه إلى سائر النعم ، وقد تسمى النعم الأيام ، ومنه قول عمرو بن كلثوم{[9451]} :
وعن ابن عباس أيضا ومقاتل : بوقائع الله في الأمم السالفة ، يقال : فلان عالم بأيام العرب ، أي بوقائعها . قال ابن زيد : يعني الأيام التي انتقم فيها من الأمم الخالية ، وكذلك روى ابن وهب عن مالك قال : بلاؤه . وقال الطبري : وعظهم بما سلف في الأيام الماضية لهم ، أي بما كان في أيام الله من النعمة{[9452]} والمحنة ، وقد كانوا عبيدا مستذلين ، واكتفى بذكر الأيام عنه لأنها كانت معلومة عندهم . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( بينا موسى عليه السلام في قومه يذكرهم بأيام الله وأيام الله بلاؤه ونعماؤه ) وذكر حديث الخضر ، ودل هذا على جواز الوعظ المرفق للقلوب ، المقوي لليقين ، الخالي من كل بدعة ، والمنزه عن كل ضلالة وشبهة .
" إن في ذلك " أي في التذكير بأيام الله " لآيات " أي دلالات . " لكل صبار " أي كثير الصبر على طاعة الله ، وعن معاصيه . " شكور " لنعم الله . وقال قتادة : هو العبد ، إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر . وروى عن النبي أنه قال : ( الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر - ثم تلا هذه الآية - " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " . ) ونحوه عن الشعبي موقوفا . وتواري الحسن البصري عن الحجاج سبع سنين ، فلما بلغه موته قال : اللهم قد أمته فأمت سنته ، وسجد شكرا ، وقرأ : " إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور " . وإنما خص بالآيات كل صبار شكور ؛ لأنه يعتبر بها ولا يغفل عنها ، كما قال : " إنما أنت منذر من يخشاها{[9453]} " [ النازعات : 45 ] وإن كان منذرا للجميع .
ولما ذكر سبحانه الرسل بما ذكره ، توقع السامع تفصيل شيء من أخبارهم ، فابتدأ بذكر من كتابه{[44580]} أجل كتاب بعد القرآن هدى للناس دليلاً{[44581]} على أنه يفعل ما يشاء من الإضلال والهداية ، وتسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، وتثبيتاً وتصبيراً على أذى قومه ، وإرشاداً{[44582]} إلى ما{[44583]} فيه الصلاح في مكالمتهم ، فقال مصدراً بحرف التوقع : { ولقد أرسلنا } أي بعظمتنا { موسى بآياتنا } أي البينات{[44584]} ؛ ثم فسر الإرسال بقوله : { أن أخرج قومك } أي الذين{[44585]} فيهم قوة على مغالبة{[44586]} الأمور { من الظلمات } أي أنواع الجهل { إلى النور * } بتلك الآيات { وذكرهم } أي تذكيراً عظيماً { بأيام الله } أي الذي له الجلال والإكرام من وقائعه{[44587]} في الأمم السالفة وغير ذلك من المنح لأوليائه والمحن{[44588]} لأعدائه كما أرسلناك لذلك{[44589]} { إن في ذلك } أي{[44590]} التذكير العظيم { لآيات } على وحدانية الله وعظمته { لكل صبار } أي بليغ الصبرعلى بلاء الله ، قال في العوارف{[44591]} : وقال أبو الحسن بن سالم : هم{[44592]} ثلاثة : متصبر ، وصابر ، وصبار{[44593]} ، فالمتصبر من صبر في الله{[44594]} ، فمرة يصبر ومرة{[44595]} يجزع ، والصابر من يصبر في الله ولله{[44596]} ولا يجزع ولكن يتوقع منه الشكوى ، وقد يمكن منه الجزع ، فأما الصبار فذلك الذي صبّره{[44597]} الله{[44598]} في الله{[44599]} ولله وبالله ، {[44600]} فهذا لو وقع{[44601]} عليه جميع البلايا لا يجزع ولا يتغير من جهة الوجوب{[44602]} والحقيقة ، لا من جهة الرسم{[44603]} والخليقة ، وإشارته في هذا ظهور حكم العلم فيه مع ظهور صفة{[44604]} الطبيعة . { شكور * } أي عظيم الشكر لنعمائه ، فإن أيامه عند أوليائه لا تخلو من نعمة أو نقمة ، وفي صيغة المبالغة إشارة إلى أن عادته{[44605]} تعالى جرت{[44606]} بأنه إنما ينصر{[44607]} أولياءه بعد طول الامتحان بعظيم البلاء ليتبين الصادق من الكاذب
{ حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله }[ البقرة :214 ] { حتى إذا استيئس الرسل }[ يوسف :110 ] ، { الم أحسب الناس أن يتركوا{[44608]} }[ العنكبوت :2 ] وذلك أنه لا شيء أشق على النفوس من مفارقة المألوف لا سيما إن كان ديناً ولا سيما إن كان قد{[44609]} درج عليه الأسلاف{[44610]} ، فلا يقوم بالدعاء إلى الدين إلا من بلغ الذروة{[44611]} في الصبر .
قوله : ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ) أرسل الله نبيه الكليم موسى عليه السلام إلى القوم المجرمين وهم فرعون وقومه الذين طغوا في البلاد وأكثروا في الأرض الفساد . أرسله إليهم بآياته البينات وهي الحجج والبراهين .
وقيل : المراد بها الآيات التسع التي أجراها الله على يد موسى . وقيل : المراد آيات التوراة .
قوله ( أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور ) ( أنْ ) ، تحتمل وجهين : أحدهما : كونها مصدرية . وثانيهما : كونها تفسيرية ؛ أي مفسرة بمعنى أي{[2370]} . والمراد بقومه ؛ بنو إسرائيل ؛ إذ أرسله الله إليهم ليخرجهم من ظلمات العبودية والذل والقهر إلى نور العزة والسلطان . وقيل : المراد بقومه القبط ؛ فيكون المعنى : أخرجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الهداية والإيمان وعبادة الله وحده .
قوله : ( وذكرهم بأيام الله ) يعني ذكرهم بنعم الله وبلائه . فنعم الله عليهم كثيرة ؛ فقد أعطوا من النعم والخيرات والمنن الكبيرة والكثيرة ما لم يُعط مثله أحد في العالمين سواهم . وذلك كالمن والسلوى ، وفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وانبجاس الماء الثجاج من الصخر . وأما بلاؤه : فبقهر فرعون لهم واستعباده إياهم وتقتيل أبنائهم وإذلالهم .
قوله : ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) الإشارة عادة إلى أيام الله ؛ أي التذكير بأيام الله من النعماء ، والبلاء فيه علامات كبيرة تكشف عن جلال الله وعظيم قدرته وحكمته ( لكل صبار شكور ) الصبار ، الكثير الصبر على البلاء في سبيل الله . وكذلك الشكور ، الكثير الشكر لأنعم الله . وذلك هو أمر المؤمن ؛ فإنه يصطبر على البلاء بكل صوره ، يبتغي بذلك رضوان الله ، ثم يشكره على ما منّ به عليه من خير ونعمة . لا جرم أن نعم الله على الإنسان كثيرة لا تحصى . منها نعمة العقل والسمع والبصر والإرادة وكل ظواهر الحس ، وغير ذلك من وجوه الخيرات المادية والمعنوية التي أسبغها الله على عباده{[2371]} .