قوله تعالى : " وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم " البعث : التحريك عن سكون . والمعنى : كما ضربنا على آذانهم وزدناهم هدى وقلبناهم بعثناهم أيضا ، أي أيقظناهم من نومهم على ما كانوا عليهم من هيئتهم في ثيابهم وأحوالهم . قال الشاعر :
وفِتْيَانِ صدقٍ قد بعثتُ بسُحْرَةٍ *** فقاموا جميعا بين عاثٍ ونَشْوَانِ{[10470]}
أي أيقظت واللام في قوله " ليتساءلوا " لام الصيرورة وهي لام العاقبة ، كقوله " ليكون لهم عدوا وحزنا " [ القصص : 8 ] فبعثهم لم سكن لأجل تساؤلهم .
قوله تعالى : " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم } وذلك أنهم دخلوه غدوة وبعثهم الله في آخر النهار ، فقال رئيسهم يمليخا أو مكسلمينا : الله أعلم بالمدة .
قوله تعالى : " فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة " فيه سبع مسائل :
الأولى : قال ابن عباس : كانت ورقهم كأخفاف الربع{[10471]} ، ذكره النحاس . وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي وحفص عن عاصم " بورقكم " بكسر الراء . وقرأ أبو عمرو وحمزة وأبو بكر عن عاصم " بورقكم " بسكون الراء ، حذفوا الكسرة لثقلها ، وهما لغتان . وقرأ الزجاج " بورقكم " بكسر الواو وسكون الراء . ويروى أنهم انتبهوا جياعا ، وأن المبعوث هو يمليخا ، كان أصغرهم ؛ فيما ذكر الغزنوي . والمدينة : أفسوس ويقال هي طرسوس ، وكان اسمها في الجاهلية أفسوس ، فلما جاء الإسلام سموها طرسوس . وقال ابن عباس : كان معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم .
الثانية : قوله تعالى : " فلينظر أيها أزكى طعاما " قال ابن عباس : أحل ذبيحة ، لأن أهل بلدهم كانوا يذبحون على اسم الصنم ، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم . ابن عباس : كان عامتهم مجوسا . وقيل " أزكى طعاما " أي أكثر بركة . قيل : إنهم أمروه أن يشتري ما يظن أنه طعام اثنين أو ثلاثة لئلا يطلع عليهم ، ثم إذا طبخ كفى جماعة ؛ ولهذا قيل ذلك الطعام الأرز . وقيل : كان زبيبا . وقيل تمرا ، فالله أعلم . وقيل : " أزكى " أطيب . وقيل أرخص .
قوله تعالى : " فليأتكم برزق منه " أي بقوت . " وليتلطف " أي في دخول المدينة وشراء الطعام . " ولا يشعرن بكم أحدا " أي لا يخبرن . وقيل : إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما وقع فيه .
الثالثة : في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها . وقد وكل علي بن أبي طالب أخاه عقيلا عند عثمان رضي الله عنه ، ولا خلاف فيها في الجملة . والوكالة معروفه في الجاهلية والإسلام ، ألا ترى إلى عبد الرحمن بن عوف كيف وكل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة ، أي يحفظهم ، وأمية مشرك ، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة مثل ذلك مجازاة لصنعه . روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف قال : كاتبت أمية بن خلف كتابا بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة ، فلما ذكرت الرحمن ، قال : لا أعرف الرحمن كاتبني باسمك الذي كان في الجاهلية ، فكاتبته عبد عمرو . . . وذكر الحديث . قال الأصمعي : صاغية الرجل الذين يميلون إليه ويأتونه ، وهو مأخوذ من صغا يصغو ويصغى إذا مال ، وكل مائل إلى الشيء أو معه فقد صغا إليه وأصغى ، من كتاب الأفعال .
الرابعة : الوكالة عقد نيابة ، أذن الله سبحانه فيه للحاجة إليه وقيام المصلحة في ذلك ، إذ ليس كل أحد يقدر على تناول أموره إلا بمعونة من غيره أو يترفه فيستنيب من يريحه .
وقد استدل علماؤنا على صحتها بآيات من الكتاب ، منها هذه الآية ، وقوله تعالى : " والعاملين عليها " {[10472]} [ التوبة : 60 ] وقوله " اذهبوا بقميصي هذا{[10473]} " . وأما من السنة فأحاديث كثيرة ، منها حديث عروة البارقي ، وقد تقدم في آخر الأنعام{[10474]} . روى جبر بن عبد الله قال : أردت الخروج إلى خيبر فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له : إني أردت الخروج إلى خيبر ، فقال : ( إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقا فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته{[10475]} ) خرجه أبو داود . والأحاديث كثيرة في هذه المعنى ، وفي إجماع الأمة على جوازها كفاية .
الخامسة : الوكالة جائزة في كل حق تجوز النيابة فيه ، فلو وكل الغاصب لم يجز ، وكان هو الوكيل ؛ لأن كل محرم فعله لا تجوز النيابة فيه .
السادسة : في هذه الآية نكتة بديعة ، وهي أن الوكالة إنما كانت مع التقية خوف أن يشعر بعم أحد لما كانوا عليه من الخوف على أنفسهم . وجواز توكيل ذوي العذر متفق عليه ، فأما من لا عذر له فالجمهور على جوازها . وقال أبو حنيفة وسحنون : لا تجوز . قال ابن العربي : وكأن سحنون تلقفه من أسد بن الفرات فحكم به أيام قضائه ، ولعله كان يفعل ذلك بأهل الظلم والجبروت ؛ إنصافا منهم وإذلالا لهم ، وهو الحق ، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل .
قلت : هذا حسن ، فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء . والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح ما خرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال : كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال : ( أعطوه ) فطلبوا له سنة فلم يجدوا إلا سنا فوقها ؛ فقال : ( أعطوه ) فقال : أوفيتني أوفى الله لك . قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن خيركم أحسنكم قضاء ) . لفظ البخاري . فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي كانت عليه ، وذلك توكيد منه لهم على ذلك ، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم مريضا ولا مسافرا . وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما : أنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح البدن إلا برضا خصمه ، وهذا الحديث خلاف قولهما .
السابعة : قال ابن خويز منداد : تضمنت هذه الآية جواز الشركة لأن الورق كان لجميعهم وتضمنت جواز الوكالة لأنهم بعثوا من وكلوه بالشراء . وتضمنت جواز أكل الرفقاء وخلطهم طعامهم معا ، وإن كان بعضهم أكثر أكلا من الآخر ، ومثله قوله تعالى : " وإن تخالطوهم فإخوانكم " [ البقرة : 220 ] حسبما تقدم بيانه في " البقرة " {[10476]} . ولهذا قال أصحابنا في المسكين يتصدق عليه فيخلطه بطعام لغني ثم يأكل معه : إن ذلك جائز . وقد قالوا في المضارب يخلط طعامه بطعام غيره ثم يأكل معه : إن ذلك جائز . وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من اشترى له أضحية . قال ابن العربي : ليس في الآية دليل على ذلك ؛ لأنه يحتمل أن يكون كل واحد منهم قد أعطاه منفردا فلا يكون فيه اشتراك . ولا معول في هذه المسألة إلا على حديثين : أحدهما : أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرا فقال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاقتران إلا أن يستأذن الرجل أخاه . الثاني : حديث أبي عبيدة في جيش الخبط{[10477]} . وهذا دون الأول في الظهور ؛ لأنه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافا من ذلك القوت ولا يجمعهم عليه .
قلت : ومما يدل على خلاف هذا من الكتاب قوله تعالى : " وإن تخالطوهم فإخوانكن " [ البقرة : 220 ] وقوله " ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا{[10478]} " [ النور : 61 ] على ما يأتي إن شاء الله تعالى .
{ وكذلك } أي{[45796]} {[45797]}فعلنا بهم{[45798]} هذا من آياتنا {[45799]}من النوم وغيره{[45800]} ، ومثل ما فعلناه بهم { بعثناهم } {[45801]}بما لنا من العظمة{[45802]} { ليتساءلوا } {[45803]}وأظهر بالافتعال إشارة إلى أنه في غاية الظهور . ولما كان المراد تساؤلا عن أخبار لا تعدوهم قال تعالى{[45804]} : { بينهم } أي{[45805]} عن أحوالهم في نومهم ويقظتهم {[45806]}فيزدادوا إيماناً ، وثباتاً وإيقاناً ، بما ينكشف لهم من الأمور العجيبة ، والأحوال الغريبة{[45807]} فيعلم{[45808]} أنه لا علم لأحد غيرنا ، ولا قدرة لأحد سوانا ، وأن قدرتنا تامة ، وعلمنا شامل ، فليعلم ذلك من أنكر قدرتنا على البعث وسأل اليهود البعداء البغضاء عن نبيه{[45809]} الحبيب الذي أتاهم بالآيات ، وأراهم البينات ، فإن كانوا يستنحصون اليهود فليسألوهم عما قصصنا{[45810]} من هذه القصة ، فإن اعترفوا به{[45811]} لزمهم جميعاً{[45812]} الإيمان والرجوع عن الغي والعدوان ، وإن لم يؤمنوا علم قطعاً أنه لا يؤمن إلا من أردنا هدايته بالآيات البينات كأهل الكهف وغيرهم ، لا بإنزال الآيات المقترحات .
ولما كان المقام مقتضياً لأن يقال : ما كان تساؤلهم ؟ أجيب بقوله تعالى : { قال قائل منهم } {[45813]}مستفهماً من إخوانه{[45814]} : { كم لبثتم } نائمين {[45815]}في هذا الكهف{[45816]} من ليلة أو يوم ، {[45817]}وهذا يدل على أن هذا{[45818]} القائل استشعر طول لبثهم بما رأى من هيئتهم أو لغير ذلك من الأمارات ؛ ثم وصل به في{[45819]} ذلك الأسلوب أيضاً قوله تعالى : { قالوا لبثنا يوماً } {[45820]}ودل على أن هذا الجواب مبني على الظن بقوله دالاً حيث أقرهم عليه سبحانه على جواز الاجتهاد والقول بالظن المخطىء ، وأنه لا يسمى كذباً وإن كان مخالفاً للواقع{[45821]} { أو بعض يوم } كما تظنون أنتم عند قيامكم من القبور إن لبثتم إلا قليلاً ، لأنه لا فرق بين صديق وزنديق في الجهل بما غيبه الله تعالى : فكأنه قيل : على أي شيء استقر أمرهم في ذلك ؟ فأجيب بأنهم ردوا الأمر إلى الله بقوله{[45822]} : { قالوا } أي قال بعضهم {[45823]}إنكاراً على أنفسهم{[45824]} ووافق الباقون بما عندهم من{[45825]} التحاب في الله والتوافق فيه{[45826]} فهم في الحقيقة إخوان الصفا{[45827]} وخلان الألفة والوفا { ربكم } المحسن إليكم { أعلم } {[45828]}أي من كل أحد{[45829]} { بما لبثتم فابعثوا } أي فتسبب عن إسناد العلم إلى الله تعالى أن يقال : اتركوا الخوض{[45830]} في هذا واشتغلوا بما ينفعكم بأن تبعثوا { أحدكم بورقكم } أي فضتكم { هذه } {[45831]}التي جمعتموها لمثل هذا{[45832]} { إلى المدينة } التي خرجتم منها وهي طرطوس{[45833]} {[45834]}ليأتينا بطعام فإنا جياع{[45835]} { فلينظر أيها } {[45836]}أي أي أهلها{[45837]} { أزكى } أي أطهر {[45838]}وأطيب{[45839]} { طعاماً فليأتكم } {[45840]}ذلك الأحد{[45841]} { برزق منه } لنأكل { وليتلطف } في التخفي بأمره حتى لا يتفطنوا له { ولا يشعرن } أي{[45842]} هذا المبعوث منكم في هذا الأمر { بكم أحداً * } أن فطنوا له{[45843]} فقبضوا عليه ، {[45844]}وإن المعنى : لا يقولن ولا يفعلن ما يؤدي من غير قصد منه إلى الشعور بكم فيكون قد أشعر بما كان منه من السبب ، وفي قصتهم دليل على أن حمل المسافر ما يصلحه من المنفعة رأى المتوكلين لا المتآكلين المتكلين على الإنفاقات على ما في أوعية{[45845]} القوم من النفقات ، وفيها صحة الوكالة ؛ ومادة ( ورق ) بجميع تراكيبها الخمسة عشر قد تقدم في سورة سبحان وغيرها أنها تدور{[45846]} على الجمع ، {[45847]}فالورق مثلثة وككتف وجبل : الدراهم المضروبة - تشبيهاً بالورق في الشكل وفي الجمال ، وبها جمع حال الإنسان ، {[45848]}وحالها مقتض للجمع{[45849]} ، والورّاق : الكثير الدراهم وهو أيضاً مورّق الكتب ، وحرفته الوراقة ، وما زلت منك موارقاً ، أي قريباً مدانياً - أي كالذي يساجلك في قطاف الورق من شجرة واحدة فهو يأخذ من ناحية وأنت من أخرى ، والمداناة : أول الجمع والورق - محركة : جمال الدنيا وبهجتها - لأنها تجمع ألواناً وأنواعاً ، ولعل منه الورقة ، قال في{[45850]} مختصر العين : إنها سواد في غبرة .
وحمامة ورقاء - أي منه ، وفي القاموس : والأورق من الإبل : ما في لونه بياض إلى سواد ، ورأى رجل الغول على جمل أورق فقال : جاء{[45851]} بأم الربيق على أريق ، أي{[45852]} بالداهية العظيمة ، صغر الأورق كسويد في أسود ، والأصل وريق فقلبت واوه همزة ، والأورق أيضاً الرماد {[45853]}لا مطر{[45854]} فيه واللبن ثلثاه ماء – كل ذلك جامع للونين فأكثر ، والورق {[45855]}محركة أيضا{[45856]} من الكتاب والشجر{[45857]} معروف - لأنك لا تكاد{[45858]} تجد واحدة منه على لون واحد ، ولأنه يجمع الواحدة منه إلى الأخرى ويجمع معنى ما{[45859]} يحمله ، قال في مختصر العين : والورق : أدم رقاق{[45860]} منه ورق المصحف ، والورق أيضاً : الخبط - لأنه لما كانت الإبل تعلفه كان كأنه هو الورق لا غيره ، والورق : الحي من كل حيوان - لأن الحياة هي الجمال ، وبها جماع الأمور ، ولأن الورق{[45861]} دليل على حياة الحي من الشجر ، فهو من إطلاق اسم الدال على المدلول ، والورق أيضاً : ما استدار من الدم على الأرض ، أو ما سقط اسم من الجراحة - لأن الاستدارة أجمع{[45862]} الأشكال ، وهو تشبيه بورق الشجر في{[45863]} الشكل ، والورق : المال من إبل ودراهم وغيرها - لأن جماع حياة الإنسان وكمالها بذلك كما أن كمال حياة الشجر بالورق ، ولرعي المال من الحيوان الورق ، والورق : حسن القوم وجمالهم - من ذلك ، لأنه يجمع أمرهم ويجمع إليهم غيرهم ، والورق من القوم{[45864]} : {[45865]}أحداثهم أو الضعاف{[45866]} من الفتيان - تشبيه بالورق لأنه لا يقيم غالباً{[45867]} أكثر من عام ، ولأنه ضعيف في نفسه ، وضعيف النفع بالنسبة إلى الثمر{[45868]} ، والورقة - بهاء : الخسيس{[45869]} والكريم ، ضد - للنظر{[45870]} تارة إلى كونه نافعاً{[45871]} للمرعى ودالاً على الحياة ، وإلى كونه غير مقصود بالذات أخرى ، و{[45872]}رجل ورق وامرأة ورقة : خسيسان أي لا ثمرة لهما ، ومن ذلك أورق الصائد - إذا رمى فأخطأ أي لم يقع على غير الورق ، أي لم تحصل له ثمرة ، بل وقع على شجرة غير مثمرة ، وكذا أورق القوم : {[45873]}أخفقوا في حاجتهم ، أي رجعوا بلا{[45874]} ثمرة ، ومن ذلك أيضاً أورقوا : كثر{[45875]} مالهم ودراهمهم - ضد ، هذا بالنظر إلى أن في الورق جمال الشجر وحياته ، والتجارة مؤرقة للمال كمجلبة أي مكثرة ؛ ومنه قول القزاز في ديوانه : هذا رجل مؤرق له دراهم{[45876]} ، والمؤرق : الذي لا شيء له - ضد ، أو أنه تارة يكون للإيجاب والصيرورة نحو أغدّ البعير ، وتارة للسلب نحو أشكيته{[45877]} ، والوراق ككتاب : وقت خروج الورق{[45878]} من الشجر ، وشجرة وريقة وورقة{[45879]} : كثيرة الورق ، والوارقة{[45880]} : الشجرة الخضراء {[45881]}الورقة الخشنة{[45882]} ، والوراق - كسحاب : خضرة الأرض من الحشيش ، وليس من الورق في شيء ، وذلك أن تلك الخضرة لا تخلو{[45883]} عن لون آخر ، والرقة - كعدة : أول نبات النصي والصليان وهما نباتان أفضل مراعي الإبل ، لأنهما سبب لجمع المال للرعي ، والرقة : الأرض التي يصيبها المطر في الصفرية{[45884]} - أي{[45885]} أول الخريف - أو في القيظ فتنبت فتكون خضراء - كأن ذلك النبات يكون أقل خضرة من نبات الربيع ، ويكون اختلاطه لغيره من الألوان أكثر مما في الربيع ، وفي القوس ورقة - بالفتح : عيب ، {[45886]}والورقاء : الذئبة{[45887]} - من أجل أن الورق الخالي عن الثمر تقل الرغبة في شجره وهو دون المثمر ، ولأن الورق مختلط اللون ، والاختلاط في كل شيء عيب بالنسبة إلى الخالص ، وتورقت الناقة : أكلت الورق .
وقار الرجل يقور : مشى على أطراف قدميه لئلا يسمع صوتهما - لأن فاعل ذلك جدير بالوصول إلى ما أراد مما يجمع شمله ، ومنه قار {[45888]}الصيد : ختله{[45889]} - لأن أهل الخداع أولى بالظفر ، ألا ترى الأسود تصاد به{[45890]} ، ولو غولبت عز أخذها ، وقار الشيء : قطعه من وسطه خرقاً مستديراً كقوّره - لأن الثوب يصير بذلك الخرق يجمع ما يراد{[45891]} منه ، والاستدارة أجمع{[45892]} الأشكال كما سلف ، والقوارة - كثمامة : ما قور الثوب وغيره ، أو يخص{[45893]} بالأديم ، وما قطعت من جوانب الشيء ، والشيء الذي قطع{[45894]} من جوانبه - ضد ، وهو من تسميه موضع{[45895]} الشيء باسمه ، والقارة : الجبل{[45896]} الصغير الصلب المنقطع عن الجبال - لشدة اجتماع أجزائه بالصلابة واجتماعه في نفسه بانقطاعه عن غيره مما لو خالطه لفرقه ، ولم يعرف حده على ما هو ، والقارة{[45897]} : الصخرة العظيمة ، والأرض ذات الحجارة السود - لاجتماعها في نفسها بتميزها عن غيرها بتلك الحجارة{[45898]} ، ودار قوراء : واسعة - تشبيهاً بقوارة الثواب ، ولأنها كلما{[45899]} اتسعت كانت أجمع ، والقار : الإبل أو{[45900]} القطيع الضخم منها ، والاقورار : تشنج الجلد وانحناء الصلب هزالاً وكبراً - لأن كلاًّ من التشنج والانحناء اجتماع ، والاقورار{[45901]} : الضمر - لأن الضامر اجتمعت أجزاؤه ، والاقورار : السمن - ضد ، لأن السمين جمع اللحم والشحم ، والاقورار : ذهاب نبات الأرض - لأنها تصير بذلك قوراء فتصير{[45902]} أجدر بأن تسع الجموع ، ويمكن أن يكون الأقورار كله من السلب إلا ما للسمن ، والقور : القطن الحديث أو ما زرع من عامه لأنه{[45903]} يلبس فيجمع{[45904]} البدن ، ولقيت منه الأقورين - بكسر الراء ، والأقوريات أي الدواهي القاطعة - تشبيهاً بما قور من الثوب ، فهي{[45905]} للسلب ، والقور - محركة : العين{[45906]} - لأن محلها يشبه القوارة ، والمقور{[45907]} - كمعظم : المطلي بالقطران - لاجتماع أجزائه بذلك ، واقتار : احتاج ، أي صار أهلاً لأن يجمع ، وتقور الليل{[45908]} : تهور ، أي مضى ، من القطع ، وتقورت الحية : تثنت أي تجمعت ، والقار : شجر مر - كأنه الذي تطلى به السفن ، وهذا أقير من هذا : أشد مرارة{[45909]} - لأن المرارة تجمع اللهوات عند الذوق ، والقارة قبيلة - لأن {[45910]}ابن الشداخ{[45911]} أراد أن يفرقهم{[45912]} فقال شاعرهم :
دعونا قارة لا تذعرونا{[45913]} *** فنجفل مثل إجفال الظليم
فسموا القارة بهذا{[45914]} وكانوا رماة ، وفي المثل : قد أنصف القارة من راماها .
والرقوة : {[45915]}فويق الدعص{[45916]} من الرمل ، ويقال رقو ، بلا هاء - كأنه لجمعه الكثير من الرمل ، أو لجمعه{[45917]} من يطلب الإشراف على الأماكن البعيدة بالعلو عليه لترويح النفس - والله الموفق .
قوله تعالى : { وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كل لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرون بكم أحدا ( 19 ) إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا ( 20 ) } أي وكما أنمناهم تلك النومة وأبقيناهم أحياء بعثناهم ؛ أي أحييناهم من تلك النومة الطويلة بعد ثلاثمائة وتسع من السنين ، ولم يمسهم أذى أو بلى . وهي آية من آيات الله في خلقه تؤز العقل لكي يتدبر ويتفكر في قدرة الله البالغة وإرادته التي لا تعرف القيود .
قوله : ( ليتساءلوا بينهم قال قائل منكم كم لبثتم ) ( كم ) ، هنا ظرفية في موضع نصب للفعل لبثتم . وتقديره : كم يوما لبثتم{[2788]} اللام في ( ليتساءلوا ) لام الصيرورة وهي العاقبة . وقيل : للتعليل . والمعنى : ليسأل بعضهم بعضا عن المدة التي لبثوها رقودا في كهفهم . ولذلك ( قال قائل منهم كم لبثتم ) كم مدة لبثكم ؟ فأجاب الآخرون : ( لبثنا يوما أو بعض يوم ) ظنوا هذه المدة وهي يوم أو بعضه ؛ لأن دخولهم إلى الكهف كان في أول النهار ، واستيقاظهم كان آخره . لكنهم قد حصل لهم شيء من تردد في المدة الصحيحة فسلموا العلم بذلك إلى الله فهو علام الغيوب ؛ إذ قالوا ( ربكم أعلم بما لبثتم ) كأنهم ظنوا أن مدة نومهم كانت طويلة ولا يدري بحقيقتها إلا الله .
قوله : ( فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ) اللام في ( المدينة ) ، للعهد والمراد مدينتهم التي خرجوا منها هرابا . وقد ذكر أن اسمها أفسوس . والورق بكسر الراء ، دراهم من فضة مضروبة أو غير مضروبة ، جاءوا بها لدى خروجهم من المدينة .
قوله : ( فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ) ذكر أنهم قاموا من رقادهم جياعا فبادروا يطلبون الطعام : فسألوا مبعوثهم أن يشتري لهم ( أزكى طعاما فليأتكم برزق منه ) أي أطيب طعاما وأحله فليأتكم منه بقوت يقتاتون منه ( وليتلطف ولا يشعرون بكم أحدا ) وليتلطف من اللطف وهو الرفق . والتلطف في الأمر ؛ أي الترفق به . والمراد : ذهابه إلى المدينة وإيابه منها في ترفق وحذر ( ولا يشعرن بكم أحدا ) أي لا يعلمنّ بأمره أحدا .