قوله تعالى : " أفلم يهد لهم " يريد أهل مكة ، أي أفلم يتبين لهم خبر من أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إذا سافروا وخرجوا في التجارة طلب المعيشة ، فيرون بلاد الأمم الماضية ، والقرون الخالية خاوية ، أي أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ما حل بالكفار قبلهم . وقرأ ابن عباس والسلمي وغيرهما " نهد لهم " بالنون وهي أبين . و " يهد " بالياء مشكل لأجل الفاعل ، فقال الكوفيون " كم " الفاعل ، النحاس : وهذا خطأ لأن " كم " استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها . وقال الزجاج : المعنى أو لم يهد لهم الأم بإهلاكنا من أهلكنا . وحقيقة " يهد " على الهدى ، فالفاعل هو الهدى ، تقديره : أفلم يهد الهدى لهم . قال الزجاج : " كم " في موضع نصب " أهلكنا " .
ولما كان ما مضى من هذه السورة وما قبلها من ذكر مصارع الأقدمين ، وأحاديث المكذبين ، بسبب العصيان على الرسل ، سبباً عظيماً للاستبصار والبيان ، كانوا أهلاً لأن ينكر عليهم لزومهم لعماهم{[50203]} فقال تعالى : { أفلم يهد } أي يبين { لهم كم أهلكنا قبلهم } أي كثرة إهلاكنا لمن تقدمهم{[50204]} { من القرون } بتكذيبهم لرسلنا ، حال كونهم { يمشون في مساكنهم } ويعرفون خبرهم بالتوارث خلفاً عن سلف أنا ننصر أولياءنا ونهلك أعداءنا ونفعل ما شئنا ! والأحسن أن لا يقدر مفعول ، ويكون المعنى : أو لم يقع لهم البيان{[50205]} {[50206]}الهادي ، ويكون ما بعده استئنافاً عيناً كما وقع البيان{[50207]} بقوله استئنافاً : { إن في ذلك } أي الإهلاك {[50208]}العظيم الشأن{[50209]} المتوالي في كل أمة { لآيات } عظيمات البيان { لأولي النهى* } أي العقول التي من شأنها النهي عما لا ينفع فضلاً{[50210]} عما يضر ، فإنها تدل بتواليها على قدرة الفاعل ، وبتخصيص الكافر بالهلاك والمؤمن بالنجاة على تمام العلم مع{[50211]} عموم القدرة ، وعلى أنه تعالى لا يقر على الفساد وإن أمهل - إلى غير ذلك ممن له وازع من عقله .
قوله تعالى : { أفلم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى ( 128 ) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى ( 129 ) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى ( 130 ) } .
فاعل ( يهد ) هو المصدر . وتقديره : أو لم يهد لهم الهدى أو الأمر . و ( كم ) ، في موضع نصب مفعول مقدم للفعل . ( أهلكنا ) وتقديره : كم قرية أهلكنا{[3006]} .
والمراد في الآية أهل مكة . والمعنى : أفلم يتبين لهؤلاء المشركين خبر الذين أهلكهم الله من الأمم السابقة الخاوية كقوم عاد وثمود وقوم لوط ؛ فهم يمشون في مساكنهم حال سفرهم وترحالهم فيعاينون آثار هلاكهم وتدميرهم . أفلا يخشون أن يحل بهم من العذاب والهلاك ما حل بأولئك الغابرين .
قوله : ( إن في ذلك لآيات لأولي النهى ) ( النهى ) ، جمع ومفرده النّهية وهي العقل ؛ لأنها تنهى عن القبيح{[3007]} يعني : فيما حصل لأولئك الغابرين الهلكى أوضح الدلائل والعبر لأولي العقول ، إذا تدبروا واعتبروا وعلموا أن سبب استئصال أولئك الهلكى هو كفرهم وعصيانهم . وذلك كيما يتعظوا ويزدجروا .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.