الأولى : قوله تعالى : " اليهود والنصارى أولياء " مفعولان لتتخذوا{[5697]} ؛ وهذا يدل على قطع الموالاة شرعا ، وقد مضى في " آل عمران " {[5698]} بيان ذلك . ثم قيل : المراد به المنافقون ، المعنى يا أيها الذين آمنوا بظاهرهم ، وكانوا يوالون المشركين ويخبرونهم بأسرار المسلمين . وقيل : نزلت في أبي لبابة ، عن عكرمة . قال السدي : نزلت في قصة يوم أحد حين خاف المسلمون حتى هم قوم منهم أن يوالوا اليهود والنصارى . وقيل : نزلت في عبادة بن الصامت وعبدالله بن أبي بن سلول ، فتبرأ عبادة رضي الله عنه{[5699]} من موالاة اليهود ، وتمسك بها ابن أبي وقال : إني أخاف أن تدور الدوائر . " بعضهم أولياء بعض " مبتدأ وخبره ، وهو بدل على إثبات الشرع الموالاة فيما بينهم حتى يتوارث اليهود والنصارى بعضهم من بعض .
الثانية : قوله تعالى : " ومن يتولهم منكم " أي يعضدهم على المسلمين " فإنه منهم " بين تعالى أن حكمه كحكمهم ، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد ، وكان الذي تولاهم ابن أبي ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع المولاة ؛ وقد قال تعالى : " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار{[5700]} " [ هود : 113 ] وقال تعالى في " آل عمران " : " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين{[5701]} " [ آل عمران : 28 ] وقال تعالى : " لا تتخذوا بطانة من دونكم{[5702]} " [ آل عمران : 118 ] وقد مضى القول فيه . وقيل : إن معنى " بعضهم أولياء بعض " أي في النصر " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " شرط وجوابه ، أي أنه قد خالف الله تعالى ورسوله كما خالفوا ، ووجبت معاداته كما وجبت معاداتهم ، ووجبت له النار كما وجبت لهم ، فصار منهم أي من أصحابهم .
ولما بين عنادهم وأن عداوتهم لأهل هذا الدين التي{[26391]} حملتهم على هذا الأمر العظيم ليس بعدها عداوة ، نهى من اتسم بالإيمان عن موالاتهم ، لأنه{[26392]} لا يفعلها بعد هذا البيان مؤمن ولا عاقل ، فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان ؛ ولما كان الإنسان لا يوالي غير قومه إلا باجتهاد في مقدمات{[26393]} يعملها وأشياء يتحبب بها إلى أولئك الذين يريد{[26394]} أن يواليهم ، أشار إلى ذلك بصيغة الافتعال فقال : { لا تتخذوا } أي إن ذلك لو كان يتأتى بسهولة لما كان ينبغي لكم أن تفعلوه ، فكيف وهو لا يكون إلا ببذل الجهد ! { اليهود والنصارى أولياء } أي أقرباء تفعلون معهم ما يفعل القريب مع قريبه ، وترجون منهم مثل ذلك ، وهم أكثر الناس استخفافاً بكم وازدراء لكم ؛ ثم علل ذلك بقوله : { بعضهم أولياء بعض } أي كل فريق منهم يوالي بعضهم بعضاً ، وهم جميعاً متفقون - بجامع{[26395]} الكفر وإن اختلفوا في الدين - على عداوتكم يا أهل{[26396]} هذا الدين الحنيفي ! { ومن يتولهم منكم } أي يعالج فطرته الأولى{[26397]} حتى يعاملهم معاملة الأقرباء { فإنه منهم } لأن الله غني عن العالمين ، فمن والى أعداءه تبرأ منه ووكله إليهم ؛ ثم علل ذلك{[26398]} تزهيداً فيهم وترهيباً{[26399]} لمتوليهم بقوله : { إن الله } أي الذي له الغنى المطلق والحكمة البالغة ، وكان الأصل : لا يهديهم ، أو لا يهديه ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : الأصل : لا يهديهم ، أو لا يهديه ، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : { لا يهدي القوم الظالمين * } أي الذين يضعون الأشياء في غير مواضعها ، فهم يمشون في الظلام ، فلذلك اختاروا غير دين الله ووالوا من لا تصلح موالاته ، ومن لم يرد الله هدايته لم يقدر أحد أن يهديه ، ونفي الهداية عنهم دليل على أن العبرة في الإيمان القلب ، إذ معناه أن هذا الذي يظهر من الإقرار{[26400]} ممن يواليهم ليس بشيء ، لأن{[26401]} الموالي لهم{[26402]} ظالم بموالاته لهم ، والظالم لا يهديه الله ، {[26403]} فالموالي لهم لا يهديه الله{[26404]} فهو كافر ، وهكذا كل{[26405]} من كان يقول أو يفعل ما يدل{[26406]} دلالة ظاهرة على كفره وإن كان يصرح{[26407]} بالإيمان - والله الهادي ، وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله - كما قال صلى الله عليه وسلم :
{[26408]} " لا تراءى ناراهما{[26409]} " ومنه{[26410]} قول عمر لأبي موسى رضي الله عنهما حين اتخذ كاتباً نصرانياً : لا تكرموهم إذ أهانهم الله ، ولا تأمنوهم إذ خونهم الله ، ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله{[26411]} ، وروي أن أبا موسى رضي الله عنه{[26412]} قال : لا قوام للبصرة إلا به ، فقال عمر رضي الله عنه : مات النصراني - والسلام ، يعني هب أنه مات فما كنت صانعاً حينئذ فاصنعه الساعة .
قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين } نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي ابن سلول .
فقد ورد عن عطية بن سعد قال : جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخرزج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله ! إن لي موالي من يهود كثير عددهم ، وإني أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود وأتولى الله ورسوله ، فقال عبد الله بن أبي : وإني رجل أخاف الدوائر لا أبرأ من ولاية موالي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي : " يا أبا الحباب ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه " قال : قد قبلت : فزل الله الآية{[1002]} .
قوله : { يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصرى أولياء } اليهود مفعول به أول . وكذا النصارى . أولياء ، مفعول ثان للفعل { تتخذوا } ومعنى لا تتخذوهم أولياء ، أي لا تركنوا إلى الاستنصار بهم ولا تتوددوا إليهم فتتخذوا منهم الأحباب والأنصار والأعوان .
قوله : { بعضهم أولياء بعض } أي إنما يوالي بعضهم بعضا ، فبعض اليهود أنصار بعضهم على المؤمنين . وهم يد واحدة على جميعهم . وكذلك النصارى بعضهم أنصار بعض على المؤمنين . أي يوالي اليهود اليهود ، ويوالي النصارى النصارى .
وهم جميعا يعادون الإسلام والمسلمين ولم يبرحوا طيلة حياتهم التآمر والتآزر فيما بينهم – وهم الضالون المضلون ، المتشبثون بالعقيدة المشوهة المحرفة – فلا جرم أن يكون المسلمون أجدر بالتناصر والائتلاف والتواد فيما بينهم .
قوله : { ومن يتولهم منكم فإنه منهم } أي من يتول اليهود أو النصارى دون المؤمنين ، بأن يناصرهم ويؤيدهم ضد المسلمين فإنه يصبح من جملتهم وحكمهم وهو من هل دينهم وملتهم . إذ بات منسلخا عن ملة الإسلام والمسلمين بعد أن خان الله ورسوله والمسلمين ، وأودى بنفسه في الخيانة والعار ، وباء بالخسران المبين في الدنيا والآخرة .
قوله : { إن الله لا يهدي القوم الظالمين } الظالمون ، المتلبسون بالظلم ، وهو وضع الشيء في غير موضعه . أي ظلموا أنفسهم بموالاة الكافرين ، أو ظلموا المسلمين بموالاة أعوانهم من أهل الكتاب والمشركين على اختلاف مللهم . والله جل وعلا لا يهدي هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بمحادتهم الله ورسوله والمؤمنين وموالاتهم للكافرين . أي لا يرشدهم إلى الإيمان ، بل يخليهم وشأنهم ليسقطوا في الكفر والضلال . لا جرم أن موالاتهم للكافرين ظلم ، وذلك تعريض لأنفسهم لعذاب الله الخالد ووضع للشيء في غير موضعه .