الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (139)

قوله تعالى : " وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا " هذا نوع آخر من جهلهم . قال ابن عباس : هو اللبن ، جعلوه حلالا للذكور وحراما على الإناث . وقيل : الأجنة . قالوا : إنها لذكورنا . ثم إن مات منها شيء أكله الرجال والنساء . والهاء في " خالصة " للمبالغة في الخلوص ، ومثله رجل علامة ونسابة ، عن الكسائي والأخفش . و " خالصة " بالرفع خبر المبتدأ الذي هو " ما " . وقال الفراء : تأنيثها لتأنيث الأنعام . وهذا القول عند قوم خطأ ؛ لأن ما في بطونها ليس منها ، فلا يشبه قوله{[6751]} " يلتقطه بعض السيارة{[6752]} " [ يوسف : 10 ] لأن بعض السيارة سيارة ، وهذا لا يلزم . قال{[6753]} الفراء : فإن ما في بطون الأنعام أنعام مثلها ، فأنث لتأنيثها ، أي الأنعام التي في بطون الأنعام خالصة لذكورنا . وقيل : أي جماعة ما في البطون . وقيل : إن " ما " ترجع إلى الألبان أو الأجنة ، فجاء التأنيث على المعنى والتذكير على اللفظ . ولهذا قال " ومحرم على أزواجنا " على اللفظ . ولو راعى المعنى لقال ومحرمة . ويعضد هذا قراءة الأعمش " خالص " بغير هاء . قال الكسائي : معنى خالص وخالصة واحد ، إلا أن الهاء للمبالغة ؛ كما يقال . : رجل داهية وعلامة ؛ كما تقدم . وقرأ قتادة " خالصة " بالنصب على الحال من الضمير في الظرف الذي هو صلة ل " ما " . وخبر المبتدأ محذوف ، كقولك : الذي في الدار قائما زيد . هذا مذهب البصريين . وانتصب عند الفراء على القطع . وكذا القول في قراءة سعيد بن جبير " خالصا " . وقرأ ابن عباس " خالصه " على الإضافة فيكون ابتداء ثانيا ، والخبر " لذكورنا " والجملة خبر " ما " . ويجوز أن يكون " خالصه " بدلا من " ما " . فهذه خمس قراءات . " ومحرم على أزواجنا " أي بناتنا . عن ابن زيد . وغيره : نساؤهم . " وإن يكن ميتة " قرئ بالياء والتاء ، أي إن يكن ما في بطون الأنعام{[6754]} ميتة " فهم فيه شركاء " أي الرجال والنساء . وقال " فيه " لأن المراد بالميتة الحيوان ، وهي تقوي قراءة الياء ، ولم يقل فيها . " ميتة " بالرفع بمعنى تقع أو تحدث . " ميتة " بالنصب ، أي وإن تكن النسمة ميتة . " سيجزيهم وصفهم " أي كذبهم وافتراءهم ، أي يعذبهم على ذلك . وانتصب " وصفهم " بنزع الخافض ، أي بوصفهم . وفي الآية دليل على أن العالم ينبغي له أن يتعلم قول من خالفه وإن لم يأخذ به ، حتى يعرف فساد قوله ، ويعلم كيف يرد عليه ؛ لأن الله تعالى أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قول من خالفهم من أهل{[6755]} زمانهم ، ليعرفوا فساد قولهم .


[6751]:من ك.
[6752]:راجع ج 9 ص 133.
[6753]:من ك.
[6754]:من ك.
[6755]:من ك وع.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (139)

ولما ذكر من سفههم ما فيه إقدام محض وما فيه إحجام خالص محت ، أتبعه ما هو{[31379]} مختلط{[31380]} منهما فقال : { وقالوا } أي المشركون أو بعضهم وأقره الباقون { ما في بطون هذه } إشارة إلى ما اقتطعوه لآلهتهم ، وبينوه بقولهم{[31381]} : { الأنعام } أي من الأجنة { خالصة } أي خلوصاً لا شوب فيه ، أنث للحمل على معنى الأجنة ، أو تكون التاء للمبالغة{[31382]} أو تكون{[31383]} مصدراً كالعافية{[31384]} ، أي ذو خالصة { لذكورنا } ؛ ولما{[31385]} كان المراد العراقة في كل صفة ، أتى بالواو فقال : { ومحرم } وحذف الهاء إما حملاً على اللفظ أو تحقيقاً لأن المراد ب " خالصة " المبالغة { على أزواجنا } أي إناثنا ، وكأنه عبر بالأزواج بياناً لموضع السفه بكونهن شقائق الرجال ، هذا إن ولد حياً { وإن يكن } أي ما في بطونها { ميتة } وكأنه أثبت هاء التأنيث مبالغة ، وأنث الفعل أبو جعفر وابن عامر وأبو بكر عن عاصم حملاً على معنى " ما " {[31386]} ورفع{[31387]} الاسم على التمام ابن كثير وأبو جعفر وابن عامر ، وذكر ابن كثير لأن التأنيث غير حقيقي ، ونصب الباقون على جعلها ناقصة مع التذكير حملاً على لفظ{[31388]} " ما " { فهم } أي ذكورهم وإناثهم{[31389]} { فيه }{[31390]} أي ذلك الكائن الذي في البطون{[31391]} { شركاء } أي على حد سواء .

ولما كان ذلك كله وصفاً منهم للأشياء في غير مواضعها التي يحبها الله قال : { سيجزيهم وصفهم } أي بأن يضع العذاب الأليم في كل موضع يكرهون وصفه فيه ، حتى يكون مثل وصفهم الذي لم يزالوا يتابعون{[31392]} الهوى فيه حتى صار خلقاً لهم ثابتاً فهو يريهم وخيم أثره ، ثم علل ذلك بقوله : { إنه حكيم } أي لا يجازى على الشيء إلا بمثله ويضعه في أحق مواضعه وأعدلها { عليم * } أي بالمماثلة ومن يستحقها وعلى أيّ وجه يفعل ، وعلى أيّ كيفية يكون أتم وأكمل ، وفي ذلك أتم إشارة إلى أن هذه الأشياء في غاية البعد عن الحكمة ، فهو متعال عن أن يكون شرعها وهي سفه{[31393]} محض لا يفعلها إلاّ {[31394]}ظالم جاهل .


[31379]:زيد من ظ.
[31380]:من ظ، وفي الأصل: ختلط- كذا.
[31381]:زيد من ظ.
[31382]:من ظ، وفي الأصل: وأن يكون.
[31383]:من ظ، وفي الأصل: وأن يكون.
[31384]:في ظ: مدر كالعاقبة.
[31385]:سقط من ظ.
[31386]:من ظ، وفي الأصل: وقع.
[31387]:من ظ، وفي الأصل: وقع.
[31388]:من ظ، وفي الأصل: معنى.
[31389]:في ظ: أنوتهم.
[31390]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31391]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[31392]:من ظ، وفي الأصل: يتابعوا.
[31393]:في ظ: صفة.
[31394]:سقط من ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ} (139)

قوله تعالى : { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم } وهذا لون آخر من ألوان الضلال الذي كان الجاهليون يقارفونه عدوا بغير علم وهو ما تكشف عنه هذه الآية . وقد اختلفوا في المراد بقوله : { ما في بطون هذه الأنعم } فقيل : معناه اللبن كان للرجال دون النساء . أي أن ألبان الأنعام كانت خالصة لذكرانهم ، محرمة على إناثهم . وقيل : كانت الشاة إذا ولدت ذكرا ذبحوه وكان للرجال خاصة دون النساء . وإن كانت أنثى تركب فلم تذبح . وإن كانت ميتة فهم فيه شركاء ، أي الرجال والنساء .

فقوله : { سيجزيهم وصفهم } وصفهم منصوب لوقوعه موقع مصدر " يجزيهم " والتقدير : جزاء وصفهم . والمعنى : سيجزيهم بوصفهم الكذب على الله . وقيل : سيجزيهم جزاء وصفهم . والمراد بوصفهم افتراؤهم على الله فيما أحلوه وحرموه .

قوله : { إنه حكيم عليم } أي أن الله في مجازاة هؤلاء المشركين على افترائهم على الله الكذب وقيلهم الباطل { حكيم } فما يصدر عنه من جزاء أو عقوبة أو وعيد إنما هو عن حكمة ربانية لا تزيغ . وهو كذلك { عليم } بما يصلح عليه الناس من الأحكام أو الجزاء{[1288]} .


[1288]:- تفسير القرطبي ج 7 ص 94- 96 وفتح القدير ج 2 ص 167 والبيضاوي ص 192 وتفسير الرازي ج 13 ص 219.